إذا افترضنا أن العام 2024 هو عام الزخم حول الهيدروجين الأخضر، فإن 2025 هو عام كشف الحساب. ولما كان ما يمر به غير مقصور على الإيثار المناخي فحسب، بل وأيضا بأزمة غاز طاحنة وفواتير ضخمة لاستيراد الغاز المسال، شهد قطاع الطاقة المتجددة في مصر حملة تصحيح هائلة هذا العام اتسمت أيضا بالواقعية. إذ إن حلم تصدير الهيدروجين الأخضر إلى أوروبا لم يمت، لكنه نُحي جانبا بهدوء من أجل إتمام مهمة أكثر إلحاحا، تتمثل في توليد ما يكفي من الإلكترونات محليا لوقف استهلاك الغاز المكلف.

على مدى سنوات، دارت السردية حول اتخاذ البلاد موطئ قدم راسخ لها يجعلها مركزا وممرا ومُصدرا على مستوى الإقليم لمورد الطاقة هذا. وفي 2025، تغيرت وضعية الشراع، ليتغير معه اتجاه الدولة. ففي ظل ما واجهته الحكومة من عجز في الغاز حمل معه تهديدا على الإنتاج الصناعي واستقرار الكهرباء، تحولت استراتيجية الطاقة من النمو إلى ضمان أمن الطاقة، على الأقل في المدى القريب.

ما بعد نشوة الهيدروجين: وداعا "المركز الإقليمي".. وأهلا بالأسمدة

قبل 12 شهرا فقط، كان صناع السياسات يروجون لمصر بوصفها بطارية للعالم. فقد وقعت البلاد 32 مذكرة تفاهم للهيدروجين الأخضر بقيمة تقديرية على الورق تبلغ 175 مليار دولار. لكن بحلول سبتمبر، أكدت منظمة الهيدروجين الأخضر ما كانت السوق تشك فيه بالفعل: لم يتجاوز مرحلة دراسة الجدوى سوى أقل من خمسة من تلك المشروعات.

أما المشترون الأوروبيون الذين كان من المفترض أن يُبدوا رغبة كبيرة في شراء الهيدروجين الأخضر من مصر، فقد تعرقلت مساعيهم بسبب تأخيراتهم التنظيمية وعدم الرغبة في دفع العلاوة الخضراء. وجاء المسمار الأخير في نعش استراتيجية "التصدير أولا" في أكتوبر، عندما أرجأت المنظمة البحرية الدولية اعتماد إطار العمل نحو الحياد الصفري الكربوني الخاص بها. أدى هذا إلى إزالة "العصا" التنظيمية التي كانت ستجبر الخطوط الملاحية على استخدام الوقود الأخضر في قناة السويس. وبدون فرض ضريبة إلزامية على انبعاثات الكربون، لم يعد لدى عمالقة الشحن أي سبب اقتصادي لشراء الأمونيا الخضراء باهظة الثمن من شرق بورسعيد.

هل يعني هذا أن قصة الهيدروجين قد ماتت؟ كلا. بل يعني هذا أنه جرى إعادة ضبطها. تشير الواقعية الجديدة إلى أننا إذا أنتجنا الهيدروجين الأخضر، فلن يكون هذا إنقاذا لأوروبا، بل لتغذية قطاعاتنا كثيفة الاستهلاك للطاقة. تعطي وزارة البترول الآن الأولوية بهدوء للمشروعات القادرة استبدال الهيدروجين الرمادي المستخدم في الصناعات الثقيلة (المطابق كيميائيا، لكنه يُنتج باستخدام الغاز الطبيعي)، مما يحرر الغاز بشكل فعال لصالح الشبكة القومية.

لا يهدف هذا التحول المحلي فقط إلى توفير الغاز، بل إلى إنقاذ أسواقنا التصديرية. ففي حين ركزت الحكومة على عجز الطاقة، قضى القطاع الخاص عام 2025 يترقب خطر آلية تعديل حدود الكربون الخاصة بالاتحاد الأوروبي. ومع انتهاء المرحلة الانتقالية هذا الشهر وبدء تطبيق الرسوم المالية فعليا في يناير 2026، تحول التهديد بفرض ضريبة كربون على الصادرات المصرية من كونه واقعا نظريا إلى تهديد وجودي. بالنسبة للصناعات الثقيلة في مصر — الأسمدة والصلب والأسمنت والألومنيوم — أصبح الاعتماد على الهيدروجين الرمادي والشبكة القومية المعتمدة بكثافة على الوقود الأحفوري عبئا يأكل هوامش ربحيتها في أوروبا.

الرياح تكسر حاجز 3 جيجاوات.. لكن الثورة الحقيقية في بطاريات التخزين

كل جيجاوات من طاقة الرياح أو الطاقة الشمسية التي شُيدت في 2025 لم يكن مجرد رقم إحصائي من أجل تسويقه في قمة مناخ، بل كان بمثابة "جيجاوات من الغاز" لم تضطر الدولة لاستيراده. وفرت طاقة الرياح الكمية الأساسية من الإنتاج، إذ تجاوز إ جمالي القدرة المركبة 3 جيجاوات هذا العام. وما عزز هذا الإنجاز هو التشغيل الكامل لمحطة رأس غارب التابعة لتحالف شركة البحر الأحمر لطاقة الرياح بقدرة 650 ميجاوات.

ولأول مرة، لم يقتصر تصميم المشروعات الكبرى فقط على توليد الطاقة، بل أيضا من أجل تخزينها. ويمثل إدراج أنظمة تخزين طاقة البطاريات في المشروعات الرئيسية — مثل مشروع سكاتك للطاقة الشمسية بقدرة 1 جيجاوات مع بطاريات تخزين بسعة 200 ميجاوات/ساعة — تغييرا جوهريا في الاستراتيجية. وقد سارت شركةأيمياباور على خطاها بتحقيق الإغلاق المالي لما سيصبح أكبر منشأة للطاقة الشمسية في موقع واحد داخل قارة أفريقيا - مع أكبر نظام لتخزين الكهرباء بالبطاريات في القارة.

اعترف صناع السياسات ضمنيا بأننا لم يعد بإمكاننا معاملة مصادر الطاقة المتجددة على أنها خيار رفاهية بإمدادات متقطعة تعتمد على محطات الغاز بوصفها دعما احتياطيا. وبكل بساطة، لم يعد الغاز متوفرا بهذا القدر. فمن خلال تعزيز استخدام خيارات التخزين، تحاول الدولة فعليا تحويل محطات الطاقة الشمسية إلى محطات حمل أساسي؛ أي بنية تحتية قادرة على استمرار تدفق التيار حتى بعد غروب الشمس.

تكنولوجيا طاقة شمسية صينية "صنعت في مصر"

في حين كانت مشاريع التوليد تتحرك تمضي ببطء لتتجاوز الإجراءات المعقدة لتمويل المشروعات، سجل قطاع التصنيع فوزا جيوسياسيا حقيقيا، بأن أصبح أرضا محايدة للصناعة الصينية. فتحت ضغط الحرب التجارية والتعريفات الجمركية الشرسة في الأسواق الغربية، تدفق مصنعو المكونات الشمسية الصينيون إلى المنطقة الاقتصادية لقناة السويس.

كذلك طورت شركات مثل "جيه أيه سولار" الصينية مصانع لم يقتصر الهدف من ورائها على خدمة السوق المصرية فحسب، بل امتد هدفها إلى استخدام شعار "صنع في مصر" ليكون بابا خلفيا للحصول على إعفاء من الرسوم الجمركية في أوروبا والولايات المتحدة. واغتنمت الحكومة هذه الفرصة بذكاء لتوطين إنتاج الخلايا الشمسية، وجعل مصر نقطة رئيسية في سلاسل التوريد العالمية منخفضة المخاطر.

هل تعود مشروعات الطاقة الكهرومائية بنظام الضخ والتخزين؟

في رحلة البحث عن استقرار إمدادات الطاقة، نفضت الحكومة الغبار عن أحد أقدم ملفاتها: الطاقة الكهرومائية بنظام التخزين والضخ. فبعد سنوات من التأجيل، يُطرح مرة أخرى مشروع الطاقة الكهرومائية بنظام الضخ في جبل عتاقة. وفي وقت لاحق من العام، كشفت رينيرجي جروب بارتنرز، التي لا يُعرف الكثير عنها، عن خطة لبناء مشروع هجين للطاقة المتجددة بقيمة 17 مليار دولار في سيناء يتضمن محطة كبيرة لإنتاج الطاقة الكهرومائية بنظام التخزين والضخ.

كل هذا التقدم يصطدم بحائط واحد بقيمة 45 مليار دولار: البنية التحتية لشبكة توزيع الكهرباء

تمثل الجغرافيا، عند ربطها بطفرة الطاقة المتجددة في مصر، كابوسا لمخطط شبكة التوزيع. إذ إننا نبني قدرات توليد هائلة على ساحل البحر الأحمر، حيث تتوفر الرياح، لكن مراكز الأحمال تقع على بعد مئات الكيلومترات في القاهرة والدلتا.

ومع أننا نوجد حلولا لمشكلة العرض، فإننا بحاجة أيضا إلى العمل على معالجة مشكلة التوصيل. فمن المعلوم أن خطوط التوزيع الحالية مزدحمة، ونفتقر إلى البنية التحتية للتيار المباشر عالي الجهد اللازمة لنقل هذه الإلكترونات الجديدة بكفاءة عبر مسافات طويلة.

تلمح الحكومة إلى إدراكها لهذا التحدي، فقد أوضح وزير الاستثمار حسن الخطيب هذا الشهر أننا نحتاج إلى استثمارات بقيمة 45 مليار دولار في البنية التحتية لشبكة التوزيع إذا أردنا دمج القدرات النظيفة الجديدة في مزيج الطاقة.