تلقت مصر شريحة جديدة بقيمة 2.3 مليار دولار من صندوق النقد الدولي أمس، وفق ما صرح به مصدر حكومي بارز لإنتربرايز. وتأتي التمويلات الجديدة بعد أن اجتازت البلاد المراجعتين الخامسة والسادسة لبرنامج تسهيل الصندوق الممدد، والمراجعة الأولى لـ "تسهيل الصلابة والاستدامة".
وفي غضون ذلك، استقر الجنيه أمام الدولار عند مستوى 50.14 أمس، بعد أن سجل تراجعات حادة في وقت سابق من هذا الأسبوع في أعقاب اندلاع الحرب في الخليج. وبلغت أحجام التداول في سوق الإنتربنك نحو 848 مليون دولار أمس (بزيادة قدرها 20% تقريبا مقارنة بـ 700 مليون دولار في اليوم السابق). وقال مصرفيون لإنتربرايز إن البنوك لم تواجه أي صعوبة في تلبية طلب السوق أمس.
أين ستوجه هذه الأموال؟ سيحتفظ البنك المركزي بالسيولة الدولارية، فيما سيوجه ما يعادل نحو ملياري دولار بالجنيه إلى وزارة المالية لاستخدامها في دعم الموازنة وسد الفجوة التمويلية. وستخصص الـ 297 مليون دولار المتبقية لدعم جهود الدولة لتعزيز كفاءة المناخ والامتثال البيئي من أجل الاستدامة.
هذا ليس كل شيء: "من الممكن أن تكون الأموال قد وصلت وتمت مقاصتها مباشرة لسداد الديون، وليس لدعم سعر الصرف أو أي غرض آخر"، وفق ما صرح به رئيس قطاع البحوث في شركة الأهلي فاروس هاني جنينة لإنتربرايز، مضيفا أنه "حتى هذه اللحظة، لا توجد مؤشرات على وجود مضاربات أو نشاطات غير طبيعية في السوق".
ورغم أن هذه الدفعة جاءت في الوقت المناسب، إلا أن الأموال الساخنة واصلت الخروج من السوق. وسحب المستثمرون الأجانب نحو ملياري دولار من أدوات الدين المصرية منذ اندلاع الحرب في عطلة نهاية الأسبوع الماضي، وفق ما صرح به مصدر مصرفي بارز لإنتربرايز. وقال المصرفي إن التدفقات الخارجة لا تزال "في الحدود الآمنة"، وتعد بمثابة مؤشر على "استمرار الثقة في الاقتصاد" بالنظر إلى تعامل البنك المركزي مع الأزمة حتى الآن.
وأعرب أحد المصرفيين الذين تحدثنا إليهم عن قلقه من أن المزيج المكون من ارتفاع أسعار النفط وتكاليف الشحن قد يضغط بقوة على الجنيه في الفترة المقبلة، لكن عضو مجلس إدارة البنك المصري الخليجي محمد عبد العال يتوقع أن يستقر الدولار حول مستوى 50 جنيها إذا لم يتفاقم الصراع. "إذا انتهت الحرب سريعا، فقد يعود الجنيه تدريجيا إلى مستويات 48 ثم 46 جنيها" أمام العملة الخضراء، ولكن إذا اتسعت رقعة الحرب وتبخرت إيرادات السياحة وقناة السويس؟ حينها ستتغير كل الحسابات، حسبما يرجح.
الحرب تلقي بظلال ثقيلة على مستهدفات الموازنة
تخضع مسودة مشروع الموازنة العامة للعام المالي المقبل 2027/2026 للمراجعة في ضوء التطورات الحالية، مع إعادة تقييم مستهدفات النمو والاستثمار والإنفاق الحكومي وتوقعات استثمارات القطاع الخاص وتكلفة شراء السلع والخدمات، وفق ما صرح به مصدر حكومي بارز لإنتربرايز. وستأخذ المراجعة في الاعتبار أيضا ارتفاع تكلفة خدمة الدين مع تحول الدولة نحو التمويل المحلي، وإعادة النظر في تكاليف الاقتراض التجاري من الأسواق العالمية، خاصة مع ارتفاع تكلفة التأمين على الديون السيادية، بحسب المصدر.
ورجح المصدر أيضا أن تعيد الحكومة تقدير الإنفاق على بنود الدعم والمنح وشراء السلع والخدمات نتيجة ارتفاع أسعار النفط وتراجع قيمة الجنيه، متوقعا اتساع العجز الكلي للموازنة ليتراوح بين 6% و7%، ارتفاعا من المستهدف الأولي البالغ 4.9%.
تدابير مالية طارئة
ستلجأ وزارة المالية إلى السحب من حساب الاحتياطي للموازنة البالغ 140 مليار جنيه لتغطية الفجوات الطارئة، وفق ما قاله مصدر حكومي آخر لإنتربرايز، مشيرا إلى أن إطالة أمد الحرب قد تستدعي اتخاذ المزيد من الإجراءات الاستثنائية.
وقد تضطر الدولة أيضا إلى مواجهة موجة تضخم جديدة — إذ من المتوقع أن تؤدي زيادة أسعار الطاقة بنسبة 10% في الربعين الثاني أو الثالث إلى رفع الضغوط التضخمية بمقدار نقطة مئوية واحدة، وفق تقرير صادر عن مورجان ستانلي اطلعت عليه إنتربرايز. وقد يدفع هذا البنك المركزي إلى الإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير في الاجتماع المقبل للجنة السياسة النقدية، مما سيؤدي إلى تأجيل دورة التيسير النقدي التي طال انتظارها، بحسب التقرير.
الحكومة تلجأ إلى استخدام التيسيرات الجمركية كأداة لإدارة المخاطر مجددا، بما فيها:
- مددت وزارة الاستثمار العمل بالحظر المفروض على تصدير المواد الخام والخردة المعدنية لمدة عام للحفاظ على المدخلات الأساسية للصناعة المحلية.
- أصدرت الحكومة توجيهات بتسريع الإفراج الجمركي في الموانئ للحفاظ على تدفق البضائع وتجنب تكبد المستوردين لغرامات تأخير ورسوم أرضيات.
لكن الأمر برمته يتوقف على أمد الحرب
كما أكد غالبية من تحدثنا إليهم هذا الأسبوع، لا يزال من المبكر جدا تحديد التأثيرات طويلة المدى لهذه الحرب، إذ يتفاقم الوضع كلما طال أمد الصراع. ويتمثل السيناريو الأكثر تفاؤلا، بحسب مورجان ستانلي، في التوصل لوقف فوري لإطلاق النار وعودة المسار الدبلوماسي، ما قد يؤدي إلى انخفاض هوامش السندات بمقدار 20-30 نقطة أساس وارتفاع قيمة الجنيه بنسبة 4-5% بدعم من تعافي حركة المرور في قناة السويس وقطاع السياحة.
أما السيناريو الثاني الأقل سوءا، فيتمثل في أن تظل الضربة الموجهة لإيران محدودة، والذي يقول مورجان ستانلي إنه سيؤدي إلى تراجع مؤقت للجنيه بنسبة 1-2% واتساع هوامش السندات بمقدار 30-40 نقطة أساس.
سيناريو توجيه ضربة أوسع نطاقا، مثل ما نشهده الآن، من شأنه أن يوسع الهوامش بمقدار 70-80 نقطة أساس وانخفاض الجنيه بنسبة 3-4%، بحسب مورجان ستانلي. أما السيناريو الأسوأ، فيتمثل في اندلاع حرب واسعة النطاق تؤدي إلى انفلات الهوامش لتتجاوز 250 نقطة أساس، مما سيؤدي فعليا إلى عدم قدرة البلاد على الوصول إلى الأسواق الدولية. وهذا من شأنه أن يدفع الجنيه للتراجع بنسبة 8% أو أكثر مع مسارعة المستثمرين الأجانب لتصفية مراكزهم المالية في السوق.