لا تكاد تخلو أية تصريحات حكومية حول مستقبل مصر من التطرق إلى التحول الأخضر بوصفه ركيزة أساسية. وبدءا من مشروعات الطاقة الشمسية العملاقة على ساحل البحر الأحمر، مرورا بالأهداف الطموحة — وإن كانت مؤجلة — للهيدروجين الأخضر، ووصولا إلى تحول الشركات نحو خطوط إنتاج صديقة للبيئة، تدور السردية الرسمية دائما حول حتمية النمو في هذا المسار.

ولا يقتصر هذا النمو على الاقتصاد فحسب، بل يمتد ليشمل فرص العمل أيضا؛ إذ تشير التقديرات الواردة في أحد تقارير البنك الدولي (بي دي إف) إلى أن هذا التحول سيخلق مليوني فرصة عمل سنويا بين عامي 2020 و2050 وفقا للسيناريو الافتراضي. وفي تقرير آخر (بي دي إف)، يرى البنك أن هذا الرقم قد يصل "وفق معايير معينة" إلى 3.8 مليون سنة عمل تراكمية.

نحن بحاجة إلى وظائف مستدامة، لا إلى طاقة فحسب

قد تبدو أرقام سنوات العمل التراكمية المتوقعة التي سيخلقها هذا التحول مبشرة حقا، لكن الرؤية بشأن الوظائف الدائمة تظل غير واضحة. تخلق مزارع الرياح والطاقة الشمسية الضخمة غالبا عددا هائلا من الوظائف أثناء مرحلة البناء، ولكن بمجرد اكتمال المشروع وربطه بالشبكة، يختفي كثير من هذه الفرص؛ ففي أغلب الأحوال تنتهي وظائف الإنشاء والتطوير خلال عامين أو ثلاثة أعوام.

وعادة ما تكمن الوظائف الخضراء المستدامة وطويلة الأمد في أدوار التشغيل والصيانة. وتبرز الطاقة الشمسية بوصفها مصدرا رئيسيا لهذا النوع من الوظائف، إذ يُخصص 56% من وظائف الطاقة الشمسية لأدوار التشغيل والصيانة، وفقا للبنك الدولي. وتوفر طاقة الرياح هي الأخرى قدرا كبيرا من الوظائف الدائمة؛ ففيها تمثل أدوار التشغيل والصيانة 43% من الوظائف المباشرة التي يخلقها القطاع.

ويعد توطين تصنيع المعدات المستخدمة في مشروعات الطاقة المتجددة أحد السبل التي تمكننا من جني مكاسب توظيفية من التحول الأخضر. وفي حين تركزت صناعة مكونات الطاقة المتجددة تاريخيا في الصين والولايات المتحدة وعدد محدود من الدول الأوروبية — ويرجع ذلك في جزء كبير منه إلى حداثة التكنولوجيا — بدأت الكفة تميل الآن مع انتشار القواعد التصنيعية خارج الدول التي كانت رائدة في هذه التكنولوجيا.

وتشير الإعلانات الأخيرة إلى أن مصر تحرز تقدما في توطين تصنيع المكونات الرئيسية للطاقة المتجددة. ففي هذا الشهر فقط، كشفت شركة الخدمات الصناعية المحلية كيميت وشركة كورنكس الصينية لتصنيع بطاريات تخزين الطاقة عن خطط لإنشاء مصنع لخلايا بطاريات تخزين الطاقة باستثمارات 200 مليون دولار في مصر باستخدام مواد خام محلية، إلى جانب مشروع آخر مع مجموعة "جي سي إل" الصينية لإنشاء مصنع للخلايا والألواح الشمسية باستثمارات 500 مليون دولار. وعلى مدار عام 2025، أعلنت مشروعات مماثلة عدة جاءت جميعها تقريبا عبر شراكات صينية.

مشروعات الطاقة المتجددة تعاني للعثور على العمالة المناسبة في المكان المناسب

حتى في حالة توفر الوظائف، فهي في الغالب لا يشغلها مصريون. ولنضرب مثالا بقطاع طاقة الرياح، إذ إن كثيرا من الشركات التي تدير مزارع الرياح هي شركات أجنبية، بالإضافة إلى أن الفنيين الذين توظفهم غالبا ما يكونون أجانب أيضا، وفقا للبنك الدولي. وعزا البنك هذا إلى عاملين رئيسيين: نقص الفنيين المهرة برغم وفرة المهندسين المؤهلين، وحاجز اللغة، إذ تعد الإنجليزية اللغة الأساسية المستخدمة في معظم كتيبات دليل التشغيل الفني وبروتوكولات السلامة.

لكن طموحات الدولة في مجال السيارات الكهربائية تصطدم بأرض الواقع على نفس الشاكلة؛ والسبب في هذا أن مصر تتطلع لزيادة أعداد السيارات الكهربائية على الطرق وحجم المركبات التي تُجمع أو تصنع محليا بدرجة كبيرة، لكن "ميكانيكي السيارات التقليدي في مصر يفتقر إلى المعرفة الفنية اللازمة للتعامل مع هذه النوعية الجديدة من المركبات.

فضلا عن أن العمالة المناسبة تكون غالبا في المكان الخطأ. إذ يتركز معظم سكان مصر والقوى العاملة الماهرة في القاهرة والإسكندرية، مما يترك المشروعات في المناطق النائية بالصعيد والبحر الأحمر — حيث تقع غالبية مشروعاتنا للطاقة الشمسية والرياح — في مواجهة نقص حاد في العمالة المحلية المتاحة للتوظيف. ويتطلب جذب المهنيين الشباب للانتقال لهذه الوظائف تقديم رواتب وعلاوات ومصاريف انتقال كبيرة، التي تكون في أغلب الأحوال غي كافية لإقناع الكثيرين رغم سخائها.