? في عالم تحركه التكنولوجيا بشتى صورها، أصبحت الهواتف الذكية جزءا لا يتجزأ من حياتنا اليومية وكأنها امتداد لأجسامنا. هذه الهواتف تتعقب كل تحركاتنا سواء على الإنترنت أو في العالم الحقيقي، وهو ما يمثل تناقضا واضحا: كيف نقلق من انتهاك خصوصيتنا ونحن لا نتردد في مشاركة معلوماتنا الشخصية بسهولة؟ أصبحت هذه المسألة بمثابة إشكالية كبيرة في عالمنا الرقمي اليوم، ما يؤثر على الجميع بداية من المستخدم الفردي وحتى الشركات الضخمة وصناع القرار والسياسات.
كل المنصات تجمع معلومات المستخدم لتقديم تجربة مفصلة على مقاسه، من أصغر التفاصيل إلى أكبرها. هذه الممارسات من جانب منصات التواصل تخلق مجتمعات تتمحور حول المستهلك، مدعومة برؤى توفرها بصماتنا الرقمية في كل مكان. دائما ما تطلب تطبيقات الأجهزة الذكية السماح بالوصول إلى بيانات الموقع والمايكروفون وحتى الكاميرات لجمع معلومات مختلفة (وبيعها لمن يدفع أكثر)، وكل ذلك مقابل تقديم تجربة " ملائمة ومريحة " للمستخدمين. يبدو أن البيانات أصبحت الدافع والمحرك للنمو الاقتصادي والابتكار التكنولوجي والعملة الرسمية للعصر الحديث، حسبما تشير دراسة أجرتها مؤسسة ماكينزي.
غالبا ما يستهين المستخدمون بمخاطر الوصول إلى بياناتهم أو سرقتها في بعض الحالات، خصوصا أن المستخدم العادي لا يدرك الطرق الملتوية المستخدمة لجميع بياناته الرقمية، مثل نظام ري كابتشا الخاص بجوجل، والذي يضمن بنقرة زر بسيطة الوصول إلى سجل التصفح الخاص به. هذه البيانات تباع لشركات أخرى مهتمة بإرسال إعلانات مخصصة للمستخدمين، وهو ما يفسر أن ثلاثة أرباع إيرادات جوجل تأتي من الإعلانات.
كل هذا ليس سرا، فلماذا إذن نستمر في المخاطرة بمشاركة البيانات الشخصية؟ الإجابة تكمن في حيلة نفسية يشعر بها معظم الأفراد، وهي الميل إلى التقليل من مخاطر انتهاك الخصوصية لصالح حصولهم على تجربة سهلة وسلسة عبر الإنترنت. نادرا ما يدرك أي مستخدم أهمية خصوصية البيانات حتى يقع في مشكلة حقيقية، مثل سرقة الهوية أو اختراق البيانات أو غيرها. فبدون التعرض لتجربة قاسية على أرض الواقع، تبقى هذه المخاطر بعيدة ونظرية، وتصبح أقرب للنسيان والتغافل منها إلى الأخذ بعين الاعتبار.
مصر ليست بمنأى عن الخطر: في عام 2023، تعرضت شركة فوري عملاقة التكنولوجيا المالية المدرجة بالبورصة المصرية لاختراق جزء من "بيئة اختبار التطبيقات والبرامج"، ما أسفر عن تسريب البيانات الشخصية لبعض العملاء وإثارة الجدل بشأن واقع الأمن السيبراني في مصر وتأثيره على ثقة الجماهير في مقدمي الخدمات الرقمية.
الثقة تلعب دورا محوريا في قرارات مشاركة البيانات مع منصات الإنترنت، إذ أن المستخدمين يكونون أكثر استعدادا لمشاركة بياناتهم مع العلامات التجارية ذات السمعة الطيبة، غير أن الثقة تتراجع بسرعة ملفتة في أعقاب الحوادث الأمنية. كما يؤثر السن على استجابة الأفراد لمشاركة البيانات، فالمستخدمين الأصغر - والذين نشأوا في ظل وسائل التواصل - يعطون الأولوية للتجربة المريحة على حساب الخصوصية، بعكس الأجيال الأكبر التي تميل إلى حماية معلوماتها الشخصية بشكل أكبر، وفقا لفايننشال تايمز.
المساءلة ضرورة وليست رفاهية: ينبغي على الشركات أن تعتمد تدابير قوية لحماية البيانات، وأن تكون صارمة في ما يتعلق بممارسات استخدام البيانات المتاحة لديها، كما تخلص دراسة جامعة كامبريدج، فبدون هذه الضمانات قد يجد المستخدمون أنفسهم محاصرين بين اعتمادهم على الخدمات الرقمية ومخاوفهم من الاستغلال. وعلى الأفراد كذلك أن يكونوا أكثر وعيا بشأن الأذونات التي يمنحونها للمواقع والمنصات، فمع تغلغل التكنولوجيا في حياتنا، يتحتم علينا إيجاد نقطة توازن بين مشاركة البيانات والاستمتاع بتجربة مرضية، وهو أمر يجب على كل من المستخدمين ولاعبي القطاع التعاون لتحقيقه من خلال الوعي الكامل والتطوير المسؤول.