لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد مفهوم مستقبلي بعد أن تحولت التكنولوجيا لتصبح جزءا لا يتجزأ من حياتنا اليومية. وقد بات ذلك الوافد الجديد يشكل الطريقة التي نتفاعل بها مع العالم من حولنا وصار له تأثير واضح ومتعدد الجوانب بدءا من تقديم الدعم العاطفي إلى تغيير التعليم وحتى إعادة تعريف المعايير الاجتماعية. ومع ذلك، ومع اعتمادنا المتزايد عليه، تزداد المخاوف بشأن تأثيره المحتمل بشكل فردي شخصي.
**اضغط على عنوان الفقرة بالأعلى لقراءتها كاملة مصحوبة بكل الروابط**
من آلة إلى صديق: لقد امتد تدخل الذكاء الاصطناعي في حياتنا ليصبح صديقا أو مستشارا يعتد برأيه. فبدلا من اللجوء إلى الأصدقاء والعائلة أو المعالجين النفسيين، بدأ كثيرون في التوجه لأدوات مثل تشات جي بي تي أو بريبلكستي بحثا عن نصيحة في مختلف الأمور من المشكلات الزوجية إلى القرارات المهنية. ولكن من يلجأ إلى ذلك الطريق هم في الأغلب من يعانون من الحزن أو الرهاب الاجتماعي، إذ توفر لهم تلك الأدوات مساحة آمنة متاحة بأسعار مقبولة حتى يتمكنوا من الحديث عن أفكارهم.
لكن لكل فعل عواقب، وقد تكون في حالتنا تلك وخيمة تستحق النظر. فقد أظهر استطلاع عالمي أجراه منتدى أوليفر وايمان أن 32% من المستطلعة آرائهم أبدوا اهتماما باستخدام الذكاء الاصطناعي للحصول على الدعم النفسي، وسجلت الهند النسبة الأعلى بنحو 51% من المشاركين في الاستطلاع. وقد تؤدي مثل تلك التوجهات إلى تفاقم الشعور بالوحدة والعزلة. إذ أن الإفراط في الاعتماد على الذكاء الاصطناعي قد يضعف قدرتنا على التفاعل البشري بشكل عام والذي يقوم على التعاطف والتجارب المشتركة والروابط الحقيقية، وهي صفات لا يمكن للذكاء الاصطناعي مهما تقدم أن يأتي بمثلها.
ثورة في التعليم: بات الطلاب يستخدمون الآن أدوات الذكاء الاصطناعي للإجابة على أسئلة تطرح عليهم في الفصول الدراسية وكذلك لكتابة المقالات وإعداد محتوى مناسب لتطوير القدرات بحسب كل طالب. وقد ذهب المعلمون في ذلك الطريق أيضا وأصبحوا يستخدمون الذكاء الاصطناعي لوضع خطط الدروس وتصحيح الواجبات وتتبع تحسن الطلاب وهو ما ساهم في رفع كفاءة التعلم كفاءة وجعله ملائما لاختلافات الطلاب. وتشير البيانات إلى أن 77% من طلاب في مراحل التعليم المتوسطة والثانوية و86% من طلاب في مرحلة التعليم العالي يستخدمون أدوات الذكاء الاصطناعي لإنجاز التكليفات، بينما أقر 51% من المعلمين بالاعتماد على مساعدة الذكاء الاصطناعي للمساعدة.
لكن هذه الاعتمادية لا تخلو من مخاطر: قد يؤدي الاعتماد على الذكاء الاصطناعي إلى إضعاف التفكير النقدي والتضييق على القدرات الإبداعية لدى الطلاب، أما المعلمون فهم يعانون من مسألة الغش والسرقة العلمية. وربما تمتد تلك الآثار السلبية إلى العمل كذلك، فقد تحل كفاءة الذكاء الاصطناعي محل الإبداع البشري وتحط من قيمته، وهو ما يهدد على المدى البعيد كلا من الابتكار والتوظيف.
الأرقام لا تكذب: أظهرت الإحصائيات أن 35 مليون شخص حول العالم قد تبنوا نمط العمل الحر عن بعد، وما دفع الشركات إلى معالجة تلك التوجهات الجديدة بطرق عدة منها إتاحة أدوات الذكاء الاصطناعي التي تسهل العمل دون الحاجة إلى الإشراف المباشر.
الأطفال في خطر: قد يجد الأطفال في المستقبل القريب صعوبة في التمييز بين المحتوى الحقيقي والمحتوى المولَد آليا، مما قد يؤثر سلبا على فهمهم للعواطف والتفاعلات الاجتماعية. كما يحتمل أن يحاكي الأطفال طريقة الذكاء الاصطناعي في الحديث من دون وعي كامل بالسياق وطبيعة التفاعل مع تلك الأدوات وهو ما سيؤثر على نموهم العاطفي. وتظهر عدد من الدراسات أن الأطفال الذين يتفاعلون مع الذكاء الاصطناعي يميلون غالبا إلى استخدام لغته " المهذبة " معتقدين أن هذه هي الطريقة الصحيحة والمقبولة في المحادثات بوجه عام.
تطبيقات المواعدة لم تنجُ أيضا: أظهرت البيانات أن 69% من الحسابات على تطبيقات المواعدة تنطوي على بعض التدخل من الذكاء الاصطناعي وهو ما يبدأ من كتابة العبارات التعريفية وانتهاءا بالرد على الرسائل بغرض ضمان العثور على شريك. وبات المحتوى الذي تنشئه أدوات الذكاء الاصطناعي على وسائل التواصل الاجتماعي مقنعا للغاية، حتى أن 27% من المستخدمين في استطلاع حديث لم يتمكنوا من التمييز بين المنشورات التي كتبها البشر وتلك التي أنشأها الذكاء الاصطناعي.
ما الحل؟ يكمن الحل في تحقيق التوازن بين الاستفادة من الذكاء الاصطناعي والحفاظ على الجوانب الإنسانية. إذ يجب استخدام الذكاء الاصطناعي كأداة مساعدة، وليس باعتباره بديلا عن العمل البشري والعلاقات الإنسانية حتى يمكننا الاستفادة من قوة الذكاء الاصطناعي بشكل مسؤول. ومع تطور المجتمع وتكيفه مع التكنولوجيا الجديدة، ستتشكل حدود واضحة لاستخدام هذه التكنولوجيا على نحو يعزز قدراتنا البشرية بدلا من تقويضها.