مصر مرشحة جيدة لتطبيق تقنية خلط الهيدروجين الأخضر في الشبكة القومية للغاز الطبيعي، مع العدد الكبير من مشاريع الهيدروجين الأخضر قيد التنفيذ داخل البلاد، وقدرات الشبكة القومية للغازات الطبيعية، التي تمتد على مسافة 100 ألف كيلو متر تقريبا، وتوصيل الغاز الطبيعي لأكثر من 14 مليون منزل و25 ألف وحدة تجارية و3 آلاف وحدة صناعية.

استكمالا لما نشرناه الأسبوع الماضي، ننظر في سبب كون مصر مرشحا جيدا لخلط الهيدروجين الأخضر، ونتناول التحديات والحلول المتعلقة باعتماد هذه التقنية محليا من خلال التحدث إلى خبراء الصناعة للحصول على نظرة من الداخل.

لكن، ما المقصود بخلط الهيدروجين في شبكات الغاز؟ مزج الهيدروجين الأخضر ينطوي على مزج الهيدروجين الناتج من مصادر طاقة نظيفة — مثل الرياح والطاقة المائية — مع الغاز الطبيعي في أنابيب الغاز الطبيعي الحالية. وهو يمثل طريقة جذابة لتنويع مزيج الطاقة في بلد ما وتخضيره، وهي طريقة تدريجية بتكاليف أولية قليلة لأنها تستفيد من البنية التحتية القائمة. وباعتباره مصدر وقود نظيف، فكلما زاد الهيدروجين الأخضر المرسل عبر الأنابيب كلما قلّت الانبعاثات الناتجة عن استخدام الغاز الطبيعي في المزيج.

خلط الهيدروجين بالغاز ليس سوى حل انتقالي مؤقت: يعتبر خلط الهيدروجين الأخضر بالغاز، حلا مؤقتا للانتقال الطاقي في مصر، حيث يلزم على المدى الطويل العمل على إنشاء شبكة متخصصة لنقل الهيدروجين. تعمل دول الاتحاد الأوروبي بالتوازي مع خلط الهيدروجين في شبكة الغاز على إنشاء شبكة خطوط مخصصة لنقل الهيدروجين الأخضر باستثمارات ضخمة تفاديا لحدوث تسريب، نظرا لكونه أقل كثافة من الغاز.

بالأرقام.. إنتاج مصر من الهيدروجين الأخضر: منذ عام 2021، وقعت مصر نحو 32 مذكرة تفاهم لإنتاج الهيدروجين الأخضر، تحول 15 منها لعقود ملزمة مع الحكومة المصرية، وانقضى أجل نحو 17 مذكرة تفاهم بعد مرور عام على توقيعها لعدم الجدية، حسبما أوضح مؤسس منصة هيدروجين إينتليجنس أسامة فوزي لإنتربرايز. وأضيفت اتفاقيتان على هامش ملتقى الاستثمار الأوروبي في مصر، ليصبح لدى البلاد 17 اتفاقية ملزمة بحجم استثمارات إجمالي 83 مليار دولار وبحجم إنتاج 3 ملايين طن من الهيدروجين الأخضر، بينما تستهدف مصر الاستحواذ على نسبة تتراوح بين 5-8% من السوق العالمية للهيدروجين بحلول عام 2040.

فرص واعدة: تتمحور فرص مصر في تعزيز كفاءة مزيج الطاقة لديها عبر خلط نسبة من الهيدروجين الأخضر في الشبكة القومية للغاز الطبيعي، في حجم الإنتاج المحتمل الكبير من جانب مطوري المشاريع العالميين، بالإضافة إلى القدرة على إنتاج المزيد من الهيدروجين الأخضر بفضل حجم إنتاج الطاقات الجديدة والمتجددة اللازمة لعملية التحليل الكهربائي. يضاف إلى ذلك البنية التحتية المتميزة للشبكة القومية للغازات الطبيعية التي تغطي معظم أنحاء البلاد وتعد الأكبر في منطقة الشرق الأوسط.

..وفوائد كثيرة: إضافة الهيدروجين إلى الغاز الطبيعي يؤدي إلى زيادة القيمة الحرارية للمزيج، مما يعني إنتاج كمية أكبر من الطاقة من نفس الحجم من الوقود، ويمكن للهيدروجين أن يحسن عملية احتراق الغاز الطبيعي، مما يقلل من التلوث الناتج عن الاحتراق غير الكامل حسبما أوضح فوزي. كما يساهم الخليط في خفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بشكل كبير، ويساعد في تقليل الاعتماد على واردات الوقود الأحفوري ويزيد من مرونة نظام الطاقة في البلاد، كما يوفر فرص عمل جديدة في قطاعات الطاقة المتجددة وإنتاج الهيدروجين، ويمكن البلاد من استغلال البنية التحتية القائمة للغاز الطبيعي على وجه أمثل، مما يقلل من تكاليف الاستثمار.

مشاريع الهيدروجين الأخضر قريبة من المناطق الصناعية والمشاريع السياحية الكبرى: يتوزع عدد من المشاريع المرتقبة لإنتاج الهيدروجين الأخضر من المناطق الصناعية والمشاريع التنموية الكبرى. فعلى سبيل المثال، يمكن تزويد مصانع الزجاج والسيراميك والأسمدة والأسمنت والكيماويات في شرق بورسعيد والسخنة ومشروع رأس الحكمة من مشاريع الهيدروجين المتفق على إقامتها في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس ودمياط وجرجوب، بخطوط تتراوح أطوالها بين 40-50 كيلو مترا كمرحلة انتقالية لحين إنشاء شبكة مخصصة للهيدروجين الأخضر فقط، حسبما يعتقد فوزي. لكن، الأولوية ستكون للصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، التي تسعى بالفعل إلى التحول الأخضر، ومحطات إنتاج الكهرباء يليها القطاع التجاري الذي يعتمد على التكييفات المركزية وأخيرا القطاع السكني الذي يستهلك أقل من 5% من الغاز الطبيعي في البلاد، حسبما أضاف فوزي.

لكن، التحديات بالجملة أيضا: ينبغي على الحكومة تحفيز توريد الهيدروجين الأخضر للسوق المحلية من خلال إبرام عقود توريد طويلة الأجل مع المستثمرين لصالح وزارة الكهرباء بهدف تغذية محطاتها، حسبما يعتقد فوزي. وتتفق مجموعة بوسطن الاستشارية BCG مع هذا الرأي، مشيرة إلى أن عملية تأمين عقود الاتفاق ضرورية لاستدامة مشاريع إنتاج الهيدروجين الأخضر، حيث يدرك أصحاب المصالح القيمة الاستراتيجية له ودوره الفعال في تقليل الانبعاثات الكربونية.

بحلول عامي 2028-2029 سيكون إنتاج مصر من الهيدروجين الأخضر موجه بالكامل للتصدير، "بينما تلتزم 15 شركة عالمية بضخ استثمارات ضخمة لإنتاج الهيدروجين الأخضر من مصر بموجب الاتفاقيات الإطارية الموقعة على هامش "COP27" في نوفمبر 2022، إلا أنها غير ملزمة بتوريد أي حصة من إنتاجها إلى السوق المحلية ما يعتبر "خطأ جسيما" يشوب تلك العقود"، بحسب فوزي.

حد أقصى لكميات الهيدروجين الممكن خلطها في الشبكة: لا يمكن زيادة نسبة خلط الهيدروجين الأخضر بالشبكة القومية للغازات الطبيعية عن 25%؜، وفقا لما قاله فوزي، موضحا أن تجاوز هذه النسبة سيؤدي لهشاشة أنابيب نقل الغاز.

حاليا، تزيد تكلفة إنتاج الهيدروجين الأخضر على تكلفة إنتاج الغاز الطبيعي بنحو ثلاثة أضعاف نظرا للتكاليف التكنولوجية، ومن المتوقع أن تنخفض هذه التكلفة لتصبح ضعف تكلفة الغاز الطبيعي فقط بحلول عام 2030، ومن ثم يمكن أن تتحقق التنافسية من حيث التكلفة في الفترة ما بين 2040 وحتى 2050، بحسب مجموعة بوسطن الاستشارية BCG.

على الجانب الفني، فكرة الخلط تحتاج إلى تقييم جدواها فنيا وبيئيا بدقة، لا سيما وأن الربط مع شبكة الغاز يرتبط أيضا بمشكلة رئيسية أخرى وهي السلامة، وفقا ما قاله أحد الاستشاريين، موضحا أنه على الجانب التقني، سيكون للمزيج قيم حرارية أقل من الغاز الطبيعي المستقل عند نفس الضغط، والذي لا يمكن تعويضه إلا بالضغوط الأعلى ما يعني المزيد من الطاقة وبالتالي المزيد من الوقود الأحفوري، ما يرفع البصمة الكربونية لتلك الفكرة. وشدد الاستشاري أيضا على أهمية النظر إلى قدرة المستخدم النهائي على التكيف بالنسبة للتوربينات والضواغط والأفران وغيرها.

بالنسبة للتمويل: معظم مشاريع إنتاج الهيدروجين الأخضر المخطط لتنفيذها في مصر، ممولة من قبل الاتحاد الأوروبي والمؤسسات التمويلية بهدف تصدير كامل الإنتاج إلى أوروبا التي تسعى إلى تسريع وتيرة التحول الأخضر للتخلص من الوقود الأحفوري كمصدر للطاقة، ما يحرم المشاريع التي تهدف إلى توفير إنتاجها للسوق المحلية من الحصول على التمويل، وفقا لما قاله فوزي، مضيفا أن الحل يكمن في التوجه إلى مؤسسات التمويل الإقليمية مثل بنك التنمية الأفريقي وأفريكسيم بنك وبنك التنمية الجديد التابع لمجموعة بريكس والبنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية. كما تمنح اتفاقية الشراكة الاستراتيجية الموقعة بين الاتحاد الأوروبي ومصر، البلاد قدرة أكبر على الوصول للتمويل من المؤسسات التمويلية الأوروبية بما في ذلك البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية، الذي يعمل مع البلاد بالفعل على تحويل محطات إنتاج الكهرباء للعمل بالغاز الطبيعي، بحسب فوزي.

العصا والجزرة: يمكن للحكومة إجبار الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة على التحول الأخضر، تدريجيا باستخدام الهيدروجين المخلوط في شبكات الغاز، من خلال فرض ضريبة الكربون، وعلى الجانب الآخر تشجيع منتجي الهيدروجين بتخصيص حصة من الإنتاج للسوق المحلية عبر توفير تكلفة الشحن التي تمثل 1.25 دولار للطن، على أن يباع الإنتاج في السوق المحلية بسعر 3.25-3.5 دولار لكيلو الهيدروجين، حسبما يقترح فوزي، مشيرا إلى أن فيرتيجلوب ستورد الأمونيا الخضراء إلى ألمانيا بسعر 1000 يورو للطن، ما يقدر تكلفة الكيلو من الهيدروجين الأخضر في هذا الاتفاق بـ 4.25 يورو للكيلو الواحد من الهيدروجين الأخضر حتى ميناء روتردام، وإذا تمكنت الدولة المصرية من دعم توريد الهيدروجين للصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة وتشجيع مطوري مشاريع الهيدروجين في مصر من خلال منحهم علاوة على سعر التكلفة، الذي يعد الأرخص عالميا، ستحصل على كمية من الإنتاج.

لكن، ما الذي قد يحفز توريد الهيدروجين إلى السوق المحلية؟ توفير تكلفة النقل للمنتجين. يمكن للمنتجين الذين لن يستفيدوا من حوافز إنتاج الهيدروجين الأخضر في مصر، حيث تقتصر على خمس سنوات فقط، منح حصة من الإنتاج للسوق المحلية بسبب ارتفاع تكلفة الشحن، بحسب فوزي الذي أشار إلى أن تكلفة الشحن البحرى لطن الأمونيا، المحمول عليها الهيدروجين الأخضر، من ميناء السخنة إلى ميناء روتردام في هولندا مثلت نسبة 14%؜ من قيمة أول مناقصة لتوريد الأمونيا إلى الاتحاد الأوروبي من مصر، والتي فازت بها شركة فيرتيجلوب الإماراتية بعقد قيمته 397 مليون يورو لمدة 20 عاما مع شركة إتش تو جلوبال الممولة من الحكومة الألمانية. وأضاف فوزي أنه لا يمكن أيضا إغفال تكلفة تحويل الهيدروجين الأخضر إلى أمونيا خضراء والتى تتراوح بين 35-40%؜ على حسب سعة خطوط الإنتاج من الهيدروجين الأخضر والأمونيا الخضراء، كما تصل تكلفة طن الهيدروجين الأخضر على أرض المصنع في مصر تقريبا إلى 2.95 دولار للكيلوجرام، ما يعني تكلفة إضافية لتحويل الهيدروجين إلى الأمونيا ثم شحنها إلى موانئ أوروبا.

أبرز التوصيات: يمكن للدولة تحقيق الهدف من خلط الهيدروجين الأخضر مع الغاز الطبيعي مع الالتزام بعدة توصيات ينبغي العمل عليها بما في ذلك إجراء دراسات جدوى شاملة لتحديد المواقع الأنسب لدمج الهيدروجين في شبكة الغاز الطبيعي، وبناء شراكات بين القطاع العام والخاص لتسريع وتيرة تنفيذ المشاريع، والاستثمار في البحث والتطوير لتطوير تقنيات إنتاج وتخزين ونقل الهيدروجين، بالإضافة إلى تنفيذ برامج توعية واسعة النطاق لتعريف الجمهور بفوائد الهيدروجين الأخضر. تكتل أوابك (اتحادات للدول العربية المنتجة للهيدروجين الأخضر)، قد يساعد في تحديد سعر توريد عادل للمنتجين بدلا من مساومتهم من الدول الأوروبية للحصول على أرخص سعر، بما يضمن للمنطقة تحقيق أعلى قيمة مضافة لمواردها من الطاقة المتجددة، حسبما أفاد فوزي.


فيما يلي أهم الأخبار المرتبطة بالحفاظ على المناخ لهذا الأسبوع:

  • جمعت شركة رابيت موبيليتي الناشئة للنقل الأخضر بالسكوتر الكهربائي1.3 مليون دولار في جولة تمويلية جديدة، بقيادة شركة جلوبال 500 لرأس المال المغامر، وشركة تمويل الأصول الذكية "أن تابد جلوبال". سيساعد التمويل الشركة على النمو في مصر وشمال أفريقيا إلى جانب توسيع أسطولها من المركبات الكهربائية، وتعزيز تجربة المستخدم، وجعل الحصول على وسائل تنقل صغيرة أكثر سهولة محليا.
  • تستعد المنطقة الاقتصادية لقناة السويس لإطلاق خمسة مشروعات ضخمة لإنتاج الهيدروجين الأخضر خلال عام، ومن المتوقع الانتهاء من المشروعات خلال أربع سنوات. من المقرر أيضا إطلاق أول شراكة مع القطاع الخاص لتحلية المياه في المنطقة، والتي ستخدم عمليات إنتاج الهيدروجين الأخضر في المنطقة.
  • ستقوم مصر بتوريد وتركيب محطة للطاقة الشمسية في جيبوتي بقدرة 276.5 كيلووات، وذلك بموجب اتفاقية ثنائية وقعت بين الجانبين. وتأتي المحطة في إطار الجهود المبذولة لتعزيز خطط التنمية المستدامة في جيبوتي، وستقوم وزارة الكهرباء أيضا بتقديم برامج تدريبية وتصميم دورات تدريبية متخصصة لنقل الخبرات المحلية إلى جيبوتي.