هوسنا الدائم بالصحة أصبح سببا يدفعنا باستمرار إلى تبني أحدث الصيحات الغذائية، بغض النظر عن ماهيتها. كل اتجاه جديد يعد بتقديم الحل السحري لكل مشاكلنا الصحية، حتى تحولت العادات الغذائية العادية إلى شيء أقرب لموضة الأزياء، التي سريعا ما تتغير وتتبدل.
**اضغط على عنوان الفقرة بالأعلى لقراءتها كاملة مصحوبة بكل الروابط**
ترجع جذور هذا الهوس إلى مخاوفنا المجتمعية المتعلقة بالوزن والشيخوخة والأمراض المزمنة. وقد تجلت هذه المخاوف عبر التاريخ في ممارسات غريبة، بدءا من موضة استهلاك رفات المومياوات المصرية وصولا إلى عمليات نقل البلازما من المراهقين إلى كبار السن. ولكن ذلك الهوس الجماعي بالصحة ليس جديدا على البشرية بأي حال.
يعود تاريخ الاهتمام بالحمية الغذائية إلى اليونان القديمة، حيث كانت تعتبر وسيلة لتحسين الصحة الجسدية والعقلية. ولكن الاهتمام بتقليل وزن الجسم بشكل خاص لم يظهر إلا في القرن التاسع عشر، مع ظهور نظريات غذائية جديدة مثل نظام ويليام بانتينج منخفض الكربوهيدرات، والذي استهدف الرجال الذين يشعرون بالقلق بشأن ليونة أجسادهم في زمن انتشار المصانع.
شهد القرن العشرين تطورات كبيرة في صيحات الحمية الغذائية. ففي العشرينات، انتشرت موضة النحافة لتبدأ فكرة حساب السعرات الحرارية التي يستهلكها الإنسان يوميا. وفي الستينات ظهرت أنظمة غذائية سريعة مثل حمية الجريب فروت وحساء الملفوف (الكرنب). ومع نهاية القرن، ترسخت ثقافة الحمية الغذائية في ظل بروز علامات تجارية مثل ويت ووتشرز، وباتت النحافة هي الصورة المثالية في الوعي الجمعي الحديث.
تدوير الحميات الغذائية مستمر: تعود العديد من الاتجاهات القديمة لتظهر مجددا في حلة جديدة خلال عصرنا الحديث، مثل حمية أتكينز سيئة السمعة التي لاقت شهرة واسعة في السبعينات من خلال تقليل الكربوهيدرات وزيادة البروتين، واليوم عادت إلى الواجهة تحت مسميات مختلفة مثل الكيتو أو الكارنيفور الأكثر تشددا. وكما شهدنا في الماضي أدوية تعد بقمع الشهية وفقدان الوزن بسهولة - مثل إيفيدرا في السبعينات - لدينا اليوم أوزمبك، وهو حقن أسبوعية تقدم وعودا مشابهة. كلا الدوائين يُستغل لأغراض تختلف عن الغرض الأصلي من تصنيعه، فإيفيدرا كان يعتمد على مادة الأمفيتامين التي استخدمت لمساعدة جنود الحرب العالمية الثانية على البقاء مستيقظين، أما أوزمبك فيستخدم أساسا لعلاج مرض السكر من النوع الثاني.
اليوم، عادت موضة النحافة الشديدة التي انتشرت في أوائل الألفية الجديدة، مدفوعة بأدوية مثل أوزمبك الذي اكتسب شهرة واسعة بسبب فعاليته في فقدان الوزن، إلى جانب عودة بعض الاتجاهات الأخرى. ويأتي هذا بعد عصر التركيز على الجسد الممشوق والقوي في العقد الأول من الألفية الجديدة، مما يدل على الطبيعة الدورية لتلك الصيحات التي غالبا ما تتكرر في أشكال تصحح إفراطها السابق. والشاهد في كل ذلك أن السعي الدائم عن الجسم المثالي المقبول اجتماعيا يكاد لا يتوقف أبدا.
يلعب التأثير الثقافي دورا كبيرا في استمرار هذه الدورة، مثل الترويج للحميات من قبل المشاهير - وإن كان دون قصد - ككلوي كارداشيان وإيلون ماسك، مما يزيد شعبيتها ويدفع الجميع إلى الحديث عنها. وهكذا تكتسب الأنظمة الغذائية مصداقية وتصبح مرغوبة من قبل ملايين المتابعين.
ومع تحول القيم المجتمعية، تتغير أيضا توجهاتنا الصحية. فمثلا، أدى تزايد الحديث عن الاستدامة وحملات الحفاظ على البيئة إلى تعظيم الاهتمام بالأنظمة الغذائية القائمة على النباتات والخضروات، ما يظهر مدى تأثير أولوياتنا على ما نأكله يوميا.
ثم - بالطبع - هناك العلم: من الأمثلة الحديثة على تأثير توصيات منظمات الصحة المتغيرة على اتجاهات الصحة، هو الموقف العام من الدهون المشبعة. لسنوات عديدة، ارتبطت الدهون المشبعة ارتباطا وثيقا بأمراض القلب، ما أدى إلى خلق حالة من التركيز العام على تجنب المأكولات التي تحتوي عليها. ومع ذلك، شهدت السنوات الأخيرة ظهور أبحاث علمية تشير إلى أنه ربما لا تكون العلاقة بين الدهون المشبعة وأمراض القلب واضحة ومؤكدة بما يكفي.
راجعت جمعية القلب الأمريكية إرشاداتها الغذائية هذا العام، مشيرة إلى أنه لم يعد هناك حاجة للحد من تناول الدهون المشبعة إلى أقل من 6% من إجمالي السعرات الحرارية اليومية. هذا التحول في التوصيات أدى إلى تجدد الاهتمام بالأنظمة الغذائية التي تشمل كميات معتدلة من الدهون المشبعة، مثل النظام الغذائي المتوسطي.
الجدال محتدم: يرى البعض أن التوصيات الجديدة قد تؤدي إلى زيادة استهلاك الدهون المشبعة غير الصحية، بينما يزعم آخرون أن التركيز يجب أن يوجه إلى الأنماط الغذائية الشاملة بدلا من العناصر الغذائية الفردية بحد ذاتها.
الحل هو المشكلة: تظهر الدراسات أنه في حين يمكن للعديد من الأشخاص فقدان الوزن نتيجة هذه التوصيات في البداية، إلا أنه من الممكن أن يكتسبوه مجددا في غضون سنوات نتيجة الاستجابات البيولوجية، مثل تباطؤ عمليات الأيض وانفتاح الشهية. هذه الحلقة المفرغة لا تحبط متبعي الحميات الغذائية فقط، بل إنها قد تتسبب في تأثيرات نفسية خطيرة، بما فيها اضطرابات الأكل التي يصاب بها البعض. إذ يمكن أن يؤدي الضغط الذي يشعر به الفرد لضرورة الامتثال لمعايير شكلية معينة إلى تطوير علاقة غير صحية مع الطعام.
اقتصاديا، تشكل هذه التوجهات صناعة هائلة: تعد صناعة إنقاص والتحكم في الوزن سوقا عالمية ضخمة بلغت قيمتها 224.27 مليار دولار في عام 2021، ومن المتوقع أن تتجاوز 405 مليارات دولار بحلول عام 2030.
هذه الصناعة تزدهر من خلال تقديم وعود براقة بنتائج سريعة عبر خطط أنظمة غذائية ومكملات ومنتجات تستبدل الوجبات، وهو ما يؤدي إلى ارتفاع أسعار العناصر التي قد لا تكون فعالة وآمنة. وفي بعض الحالات، يعاني الأفراد من آثار جانبية مميتة نتيجة الاستهلاك العشوائي للحبوب والمكملات أو الأنظمة الغذائية المتطرفة. يحذر الخبراء من السعي المتواصل لفقدان الوزن، ويدعون بدلا من ذلك إلى تبني عادات صحية ومستدامة تمنح الأولوية لعلاقة صحية وسوية بين الفرد والطعام والرفاهية العامة، سواء كان الهدف فقدان الوزن أم لا.