هل تراجع معدل المواليد يعني تقليص الإنفاق على التعليم؟ يبدو الأمر بحاجة لإعادة النظر. انخفاض معدل المواليد يعني أن عدد الطلاب الملتحقين بجميع مراحل التعليم العام سيكون على مسار تنازلي بحلول عام 2035. وفي حين خصصت الدولة نحو 294.6 مليار جنيه (6.06 مليار دولار) للإنفاق على التعليم خلال العام المالي الحالي - بزيادة قدرها 28.2% على أساس سنوي - مع خطط لتوظيف 150 ألف معلم وإنشاء 16 ألف فصل دراسي، يواجه قطاع التعليم فجوة تمويلية قدرها 7 مليارات دولار في العام المالي 2025/2024.

بحلول عام 2035، تشير التوقعات إلى أن الإنفاق العام لن يكون كافيا لتحقيق أهداف البلاد بقطاع التعليم الأساسي، حتى في ضوء انخفاض عدد المواليد، وفقا لتقرير (بي دي إف) حديث لمنظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) يستند إلى بيانات وزارة التربية والتعليم والجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء. كما توجد حاجة إلى المزيد من الاستثمارات - لا سيما من القطاع الخاص - لتحقيق أهداف وزارة التربية والتعليم وتزويد الطلاب بالمهارات اللازمة لمواكبة الاقتصاد العالمي المتغير. نستعرض التقرير بالتفصيل فيما يلي:

كيف ستعدل التغيرات الديموغرافية احتياجات التوظيف والفصول الدراسية؟

انخفاض معدلات المواليد بالأرقام: تراجع معدل الخصوبة في مصر خلال السنوات الأخيرة، من أعلى مستوى له عند 3.4 طفل لكل إمرأة في الفترة من عام 2013 إلى 2015 إلى 2.9 طفلا لكل امرأة في عام 2022. وتشهد مصر بالفعل تأثير هذا الانخفاض في الالتحاق بالمدارس الحكومية، إذ انخفض عدد الأطفال الملتحقين بالمدارس الحكومية للمرحلة قبل الابتدائية بنسبة 10.7% بين عامي 2019/2018 و2023/2022، من 1.04 مليون إلى 927 ألف طالب.

معدل الالتحاق بمرحلتي رياض الأطفال والابتدائية بلغ ذروته بالفعل: مع انتقال الفئات الأصغر سنا عبر المراحل التعليمية، تشير توقعات الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء التي استندت إليها اليونيسف إلى أن عدد الطلاب الجدد في كل مرحلة من مراحل التعليم - ما قبل الابتدائية والابتدائية والإعدادية والثانوية العامة - سيكون في انخفاض بحلول عام 2035. كما بلغ معدل الالتحاق بالمرحلتين قبل الابتدائية والابتدائية بلغ ذروته بالفعل، إذ من المتوقع أن يتراجع الالتحاق بمرحلة رياض الأطفال بنسبة 16% إلى 3.8 مليون طالب والمرحلة الابتدائية بنسبة 29% تقريبا إلى 11.7 مليون طالب بين عامي 2025 و2035، بحسب تقديرات اليونيسف.

في المقابل، قد تبلغ مرحلتا التعليم الإعدادية والثانوية العامة ذروتها في عام 2027: بالنسبة للمدارس الإعدادية، من المتوقع أن يرتفع عدد الطلاب الجدد من 6.8 مليون تقريبا في عام 2025 إلى 7.3 مليون في عام 2027، قبل أن ينخفض إلى 6.8 مليون طالب في عام 2035. وفي الوقت نفسه، من المرجح أن يرتفع عدد الطلاب الملتحقين بالمدارس الثانوية من 6.1 مليون في عام 2025 إلى 7.3 مليون في عام 2027، قبل أن ينخفض إلى 7 ملايين طالب في عام 2030.

لكن، ما المشكلة في ذلك؟ اختارت اليونيسف استخدام نموذج معدل النمو السكاني المنخفض للجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء عند تقدير التغيرات في معدل التحاق الطلاب الجدد بالمراحل التعليمية، لذلك من المحتمل أن تقلل هذه الأرقام من حجم الفئات الواردة إلى المنظومة التعليمية. وإذا كان الأمر كذلك، فقد نصل إلى ذروة الالتحاق في أبكر مما تشير إليه هذه التقديرات.

والحل؟ تقدير احتياجات التعليم العام وفقا للمعايير المصرية. يسعى تقرير اليونيسف إلى تقدير عدد المعلمين والفصول الدراسية والمدارس اللازمة لتحقيق مؤشرات الأداء الرئيسية المختلفة الواردة في خطة قطاع التعليملوزارةالتربية والتعليم للفترة 2023-2027، ولا سيما مؤشرات نسبة الطلاب إلى عدد المعلمين، وحجم الفصل، ومعدل الالتحاق الإجمالي المحددة لعام 2027. وتبدو هذه المؤشرات طموحة للغاية، إذ تهدف إلى تحقيق انخفاضات كبيرة في جميع المعايير عبر جميع مستويات التعليم العام قبل الجامعي. نظرا لأن التعليم الابتدائي والإعدادي هما المستويين التعليميين اللذين تحاول الحكومة تحقيق الالتحاق الكامل فيهما، فإننا سنركز على احتياجات كل مرحلة منهما بشكل خاص.

مصر بحاجة إلى زيادة عدد المعلمين في المدارس الابتدائية بنحو 60%: لخفض نسبة الطلاب إلى كل معلم الحالية البالغة 1:41 إلى مستهدف الوزارة البالغ 1:26 بحلول عام 2025، تحتاج وزارة التربية والتعليم إلى توظيف 197.7 ألف معلم بالإضافة إلى 357.7 ألف معلم مسجل لديها في العام الدراسي 2023/2022. وحتى مع انخفاض معدل الالتحاق بحلول عام 2035، ستكون هناك حاجة إلى 136.2 ألف معلم بالإضافة إلى 281.9 ألف معلم متوقع توظيفهم في ذلك الوقت، بالنظر إلى معدلات التسرب المحتملة.

بينما ارتفاع معدل التحاق الطلاب الجدد = المزيد من الفصول الدراسية: لتحقيق معدل الالتحاق الإجمالي الكامل وحجم الفصل المستهدف في المدارس الابتدائية البالغ 37.8 طالب بحلول عام 2025، يتعين على الحكومة بناء 140.8 ألف فصل دراسي إضافي، إلى جانب 230.8 ألف فصل مسجل في عام 2023/2022. ويتجاوز هذا عدد الفصول الدراسية في المدارس الابتدائية العامة المتاحة بنحو 62%. وفي حين أن عدد الفصول الدراسية المطلوبة سينخفض مع انتقال الفئات الأصغر سنا عبر المراحل الدراسية، إلا أن هناك حاجة ماسة إلى المزيد من الفصول حتى عام 2035 إذا كانت الحكومة عازمة على تحقيق مستهدفها بشأن معدل الالتحاق.

وكذلك بالنسبة للتعليم الإعدادي: من أجل الوصول إلى نسبة طلاب إلى معلمين 1:21 المستهدفة من قبل الوزارة، ستحتاج الدولة إلى توظيف 100.4 ألف معلم خلال عام 2025، و169.5 ألف في عام 2030، و124.6 ألف في عام 2035، مع الأخذ في الاعتبار معدلات التسرب المتوقعة للمعلمين. ويتكرر النمط نفسه بالنسبة لعدد الفصول الدراسية، في ظل الحاجة إلى 58.8 ألف فصل دراسي إضافي في عام 2025 بزيادة 53% عن 110.1 ألف فصل دراسي مسجل في 2023/2022- على أن يصل عدد الفصول الدراسية المطلوبة إلى ذروته عند 195.5 ألف في عام 2030 ثم يتجه للانخفاض.

فجوة التعليم العام فرصة للقطاع الخاص -

تعكس بيانات اليونيسف مؤشرات أداء رئيسية غير قابلة للتحقيق على الأرجح، وبالتالي ينبغي التعامل معها بحذر. ولكن تشير هذه التوقعات إلى وجود تناقض مهم داخل قطاع التعليم المصري - وهي أن زيادة عدد الطلاب في الفصول الدراسية لا تكون مفيدة إلا بقدر توفر المعلمين والموارد المادية والتعليمية لمساعدتهم على التعلم.

لكن التغيير يوفر المزيد من الفرص: يأتي التحول في التركيبة السكانية للبلاد أيضا مع سعي الحكومة إلى التحول نحو تشجيع استثمارات القطاع الخاص - بما في ذلك في قطاع التعليم. يوفر العجز في التعليم العام فرصة للقطاع الخاص للمشاركة - لصالح جميع أطفال مصر.

تشتد حاجة القطاع الخاص إلى دفعة لسد الفجوة: انخفضت مساهمة القطاع الخاص في الاستثمارات التعليمية إلى 9% من 10% في السنواتالأخيرة، بسبب عدم قدرة لاعبيه على مواكبة الطلب على المدارس الجديدة بسبب الزيادة السكانية، إلى جانب ارتفاع التكاليف الاستثمارية مع انخفاض الإيرادات من الرسوم الدراسية، وفقا لما قاله الرئيس التنفيذي لشركة سيرا للتعليم محمد القلا لإنتربرايز في وقت سابق.

كما يعد التمويل عثرة كبيرة، إذ أن بيئة أسعار الفائدة المرتفعة تصعب على لاعبي القطاع الخاص الحصول على تمويل للنفقات الرأسمالية على المرافق وشراء الأراضي. وشدد مستثمرون بقطاع التعليم على ضرورة تيسير حصول المدارس الخاصة والدولية، التي تعد استثمارا طويل الأجل، على التمويل المصرفي.

بينما تعمل الدولة على توفير حلول: تتخذ الحكومة بالفعل خطوات لجذب الاستثمارات الخاصة، بما في ذلك الاستعداد لطرح 24 مدرسةأمام القطاع الخاص كجزء من المرحلة الثانية من برنامج إنشاء المدارس بنظام الشراكة بين القطاعين العام والخاص. كما أعلنت مؤخرا تمديد حزمة من التخفيضات الضريبية بنسبة 30-50% على استثمارات التعليم حتى عام 2029.

هل تكفي كل هذه الحوافز؟ سيتطلب سد فجوة التمويل المزيد من الحوافز والتسهيلات. يحتاج صناع السياسات إلى الإبداع - والواقعية - حول كيفية تمويل التعليم العام في السنوات المقبلة.

أحد الاحتمالات - تشجيع القطاع الخاص على استغلال سوق الديون: يمكن للمدارس الخاصة والدولية استغلال الأدوات التمويلية الأخرى المتاحة في السوق، بما في ذلك توريق الحقوق المالية المستقبلية، كما فعلت شركة سيرا للتعليم، المدرجة في البورصة المصرية، عندما أتمت أول إصدار من هذا النوع في السوق بقيمة 800 مليون جنيه، وفقا لما قاله شريف سامي، عضو مجلس إدارة البنك التجاري الدولي، والرئيس الأسبق للهيئة العامة للرقابة المالية، لإنتربرايز في وقت سابق. وأوضح سامي أن إصدارات توريق الحقوق المالية المستقبلية توفر بديلا أرخص للقروض المصرفية مرتفعة التكلفة، لا سيما وأن أسعار الفائدة على سندات التوريق عموما أقل من أسعار الفائدة على غيرها من السندات. وقد تمنح أداة الدين هذه الشركات التي عانت لتأمين نمو رأس المال الوصول إلى الأموال بشكل أسرع. كما يمكن للكيانات المقبلة على الاستثمار في التعليم والتي تعاني من تكلفة دخول السوق حاليا، الاستفادة من صناديق الاستثمار العقاري لمساعدتها في المضي قدما في خطط التوسع الخاصة بهم، حسبما أضاف سامي.


أبرز أخبار قطاع التعليم في أسبوع:

  • العطلة الصيفية تقترب من الانتهاء: من المقرر أن يبدأ العام الدراسي الجديد 2025/2024 في المدارس الحكومية يوم السبت 21 سبتمبر، على أن يبدأ الفصل الدراسي الثاني في 8 فبراير 2025 وينتهي في 5 يونيو 2025.
  • هل تطمح لدراسة الماجستير في المملكة المتحدة: فُتحت أبواب التقديم لمنحة منحة تشيفنينج التابعة للحكومة البريطانية يوم الثلاثاء الماضي. تقدم المنحة دعما ماليا كاملا للطلاب للحصول على درجة الماجستير المؤهلة في عدد من الجامعات البريطانية.
  • ظهور نتائج الثانوية العامة: عقد وزير التربية والتعليم محمد عبد اللطيف مؤتمرا صحفيا الأسبوع الماضي للإعلان عن نتائج امتحانات الثانوية العامة.