رغبة البشر في الخلود قديمة قدم الحضارة نفسها. من البحث عن ينبوع الشباب قبل الميلاد، مرورا بأكل المومياوات المتحللة في القرن السادس عشر، وصولا إلى محاولات التبريد في ستينات القرن العشرين وعمليات نقل البلازما من المتبرعين الشباب اليوم، لطالما كانت هزيمة الموت هاجسا يؤرق الجنس البشري منذ وجوده على الأرض.
على مدار 120 عاما مضت، زاد متوسط عمر الإنسان بأكثر من الضعف، ويقف وراء تلك الرغبة في إطالة عمر الإنسان أسباب متنوعة. بالنسبة للعلماء يعد الفضول هو المحرك الرئيسي، أما عند رجال مثل براين جونسون الذي يدفع ملايين الدولارات سنويا أملا في تحقيق ذلك الحلم (ويستخدم عدة لترات من دم ابنه البالغ 18 عاما) فهي مسألة شخصية.
هل يحقق التقدم العلمي أحلام الخلود؟ لا يرجع الفضل في زيادة متوسط عمر الإنسان من 32 إلى 72 عاما إلى أي ابتكارات تكنولوجية، بل يعود الفضل كله إلى التقدم في علم الطب وتطور الصرف الصحي والنظافة العامة. أما المحاولات الأولى لتحقيق الخلود المنشود عن طريق تجميد أجساد البشر أملا في العثور على "علاج للموت" فكان مصيرها الفشل، وانتهت بتحول تلك الأجسام بركة مجمدة من السوائل البشرية، لذا يركز العلماء اهتمامهم منذ عام 1984 على تجميد الدماغ وحده.
الدماغ هو أقل أجزاء الجسد تأثرا بالتجميد، بينما تتعرض الأجزاء الأخرى للتلف سريعا، إذ تتفتت الأعضاء وتتحلل العظام وينقطع الحبل الشوكي. لذلك يراهن العلماء على التوصل في المستقبل إلى طريقة آمنة تمكنهم من إعادة توصيل الدماغ بالجسد وإعادته للحياة مرة أخرى.
زراعة الدماغ نجحت مع القردة في الماضي، لكن بشكل مؤقت. في أوائل السبعينات، أجرى جراح الأعصاب الأمريكي روبرت وايت ما أسماه عملية "تبادل رأس ". خلال العملية، قطع وايت رأس قرد وربطه بجسم قرد آخر. وكانت النتيجة أن الرأس أصبح واعيا وقادرا على الرؤية لبضعة أيام، لكن الجسم أصيب بالشلل ثم مات.
العلم تقدم كثيرا منذ ذلك الحين، لذا حين أعلنت شركة برين بريدج نجاح عملية زرع الرأس، صدق الناس الأمر. واقتنع كثيرون بالفعل ومنهم وسائل إعلام مثل صحيفة نيويورك بوست بأن الشركة توصلت بطريقة ناجحة لزراعة الرأس، قبل أن يكتشف الناس أن أول حل سحري لقهر الموت لم يكن للأسف سوى مجرد خدعة كبيرة.
ماذا لو صار حلم الخلود حقيقة؟ ربما يصبح القضاء على الشيخوخة أو حتى بلوغ المئة عام مسألة كارثية على المستوى المجتمعي. إذا توقف الموت عن طرق أبواب الناس مجددا، فمن أين لنا بموارد تكفي حاجتنا؟ وكيف يمكن استيعاب الزيادة السكانية؟ هل سيظل هناك سن تقاعد نتطلع إليه؟ هل ستظل هناك قيمة للحياة أصلا؟
فلسفيا، الموت هو ما يمنح للحياة معنى، فهو المبدأ الوحيد الذي ينظم طريقة اختيارنا للعيش. وإذا كانت الندرة مصدر القيمة، فهل سيكون للوجود أي قيمة بعد الخلود؟ وهل سيكون للموت دور في تشكيل القيم والسلوكيات الإنسانية؟ وبفرض أننا تمكنا من تطوير أدوات علمية للخلود، هل سنكون مستعدين وجوديا لعالم بلا موت؟
ربما يكمن الجواب في إعادة تعريف معنى العيش. في مثل ذلك العالم الجديد، ستكون كل أسئلتنا وأفكارنا عن الوجود قد تجاوزها الزمن. وفي عصر وسائل التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي، قد يعني الخلود شيئا مختلفا عن أفكارنا التي تكونت وتطورت منذ آلاف السنين، أو حتى قبل عقود قليلة خلت.
تكنولوجيا الحزن أو السلوى تتطور باستمرار حتى تساعد الناس على تجاوز ألم فراق الأحباء، وذلك من خلال الحفاظ على ذكرياتنا معهم في عالم رقمي. وتعمل الشركات في هذا المجال مثل ليف فوريفر مود وهير أفتر أيه أي على جمع بيانات المتوفى واستخدام الذكاء الاصطناعي لصناعة شخصية موازية في عالم افتراضي. كما تستخدم تطبيقات المحادثة المدعومة بالذكاء الاصطناعي مثل ديب برين وتشات جي بي تي لخدمة نفس الغرض. ربما لا يكون الطب مفتاح الخلود، إنما الحل على الأرجح في عالم التكنولوجيا، أو هو على الأقل أقرب فرصة محتملة لتحقيق جزء من ذلك الحلم.