أمام منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا فرصة بتريليوني دولار لتصبح رائدة البيئة المبنية المستدامة عالميا: تعتزم دول الخليج ومصر مجتمعة استثمار نحو تريليوني دولار في مشاريع البناء بحلول عام 2035. تمثل هذه الطفرة البنائية الكبيرة - إضافة إلى التزام المنطقة الطموح بخفض الانبعاثات والتحول إلى مصادر الطاقة المتجددة - فرصة فريدة من نوعها لأن تصبح المنطقة رائدة في البيئات المبنية المستدامة بحسب تقرير (بي دي إف) صادر عن وحدة الاستشارات الاستراتيجية لشركة "بي دبليو سي"، وشركة دار الهندسة للاستشارات.
هناك نحو 30 مشروعا بيئيا ضخما قيد التنفيذ في مختلف أرجاء المنطقة، منها مدينة نيوم السعودية التي ستحقق صافي الانبعاثات الصفري، ومدينة لوسيل الترفيهية القطرية المخطط إنشاؤها، إلى جانب مشروع إعادة تطوير ميناء راشد الذي تقوم به شركة إعمار وهيئة موانئ دبي العالمية في الإمارات.
تمثل هذه الاستثمارات المخطط لها أكثر من 10% من الناتج المحلي الإجمالي للمنطقة بأكملها، ويمكنها خلق 4.3 مليون وظيفة سنويا، حسبما أشار التقرير.
ولكن أولا.. ماذا تعني البيئة الحضرية أو المبنية؟ يوضح التقرير أنها "البيئة التي يصنعها الإنسان لتلائم حياته ونشاطاته، بما في ذلك المباني والأحياء والمدن وما يدعمها من أنظمة البنية التحتية مثل شبكات المياه والطاقة".
تستنفد البيئة المبنية مواردنا، فهي تستحوذ على 37% من استهلاك الطاقة، و40% من استخدام المواد عالميا، و39% من إجمالي البصمة الكربونية.
الفرصة مواتية للتقدم على الجبهة الخضراء: حدد التقرير أربع فئات مستهدفة في نطاق البيئة المبنية، لتخفيض انبعاثات الكربون -المنبعث والتشغيلي على حد سواء- وتشمل: قطاع التشييد ومواد البناء، والأنظمة، وإدارة الطاقة في المباني وكفاءتها، والطرق والنقل.
الانبعاثات المتجسدة x الانبعاثات التشغيلية: يشير مفهوم الانبعاثات الكربونية المتجسدة إلى جميع الانبعاثات الناتجة عن عملية البناء، بما فيها عمليات استخراج مواد البناء، وإنتاجها ونقلها وتلك الصادرة عن الآلات المستخدمة. "تمثل الانبعاثات الكربونية المتجسدة في المباني وحدها نحو 39% من انبعاثات الكربون المرتبطة بالطاقة على مستوى العالم"، وفقا للتقرير. بينما تعد الانبعاثات الكربونية التشغيلية هي تلك الصادرة عن الطاقة المستخدمة لتشغيل المبنى، مثل التدفئة والمصاعد وغيرها.
باستخدام بدائل في المواد والبناء تتحقق مكاسب مناخية كبيرة: يشير التقرير إلى أن المنطقة تستطيع تقليل ما بين 5 إلى 15% من انبعاثات دورة الحياة في البيئة المبنية عن طريق تغيير مواد وطرق البناء، إذ تنتج مواد البناء ما بين 65 إلى 85% من انبعاثات دورة حياة المبنى.
البدائل: يقدم التقرير عددا من الطرق المبتكرة لتقليل الانبعاثات الناجمة عن أعمال ومواد البناء، وهي كالآتي:
# 1- التوجه نحو تصميم "من المهد إلى المهد": في هذا التصميم، يجري دمج البلاستيك المعاد تدويره في مواد البناء كبديل عن الصلب كثيف الكربون، إذ "تساعد هذه الطريقة في تقليص عدد الموارد اللازمة لإنتاج الخرسانة، والنتيجة النهائية أقوى بخمسة أضعاف من الصلب مقارنة بالوزن"، وفق التقرير.
# 2- والبناء المعياري: تقوم هذه الطريقة، التي تعرف أيضا بالبناء خارج الموقع أو الوحدات مسبقة التجهيز، على تصميم المباني وتنفيذها خارج الموقع، ومن ثم تجميعها في الموقع لتقليل الهدر وتحسين الكفاءة. تساهم هذه الطريقة في تقليل انبعاثات الكربون بنحو 20%، وتقليص التكلفة بنحو 30%.
# 3- الاعتماد بشكل أكبر على المواد الخام الطبيعية: يقوم التكنيك المعروف بالتربة المضغوطة، على استخدام المواد الخام الطبيعية، مثل التربة والطباشير والجير والحصى، لتشييد الأساسات والأرضيات والجدران. "تقلل هذه الابتكارات من الانبعاثات الكربونية المجسدة بنسبة تتراوح بين 30% إلى 50%، مع وجود إمكانيات توطين هائلة في المنطقة".
# 4- الصلب والأسمنت الأخضر: يشير التقرير إلى أن التحول نحو الوقود الأخضر وزيادة الإنتاج الموفر للطاقة، بمثابة "عاملين رئيسين لإحداث نقلة نوعية" يجب أن تشهدها منطقة الخليج العربي، ويمكن تحقيق كلاهما من خلال التحول إلى استخدام الصلب الأخضر والأسمنت الأخضر، الناتج عن تحويل الحرارة المهدرة إلى أسمنت معتمد على الطاقة (دبليو إتش بي). يمكن لاستخدام الصلب الأخضر - الناتج عن التحليل الكهربائي باستخدام مصادر الطاقة المتجددة - أن يقلل من الانبعاثات بنسبة تصل إلى 95%، في حين يساهم استخدام الأسمنت الأخضر - الناتج عن التقاط الحرارة المهدرة والمولدة أثناء عمليات الإنتاج وتحويلها إلى طاقة قابلة للاستخدام - في تقليل الانبعاثات بنسبة 90%.
# 5- الخرسان ذاتي التنظيف: تعتمد الخرسانات ذاتية التنظيف على ضوء الشمس لتنظيف نفسها، ما يزيد من عمرها الافتراضي ويحسن من جودة الهواء المحيط بها، وهي حاليا أغلى بكثير من الخرسانات التقليدية، ولكن يشير التقرير إلى إمكانية توطين صناعتها، للمساعدة في جعلها "أكثر ملاءمة من ناحية التطبيقات التجارية في المستقبل".
ماذا عن الانبعاثات التشغيلية؟ "يمكن الجمع بين الابتكارات الخاصة بالكربون التشغيلي لزيادة استخدام الطاقة المتجددة، وتشجيع الإدارة الديناميكية للطاقة مع تخزينها بشكل أفضل، وإنشاء نظام دائري للمياه"، وفقا للتقرير. يمكن تقليل الانبعاثات التشغيلية عبر عدة آليات، منها:
# 1- الهيدروجين الأخضر: يساهم إنتاج الهيدروجين الأخضر في تقليل الانبعاثات الناتجة عن توليد الطاقة، إذ يوفر طاقة متجددة لتشغيل المباني.
بالنسبة لمصر: تهدف الحكومة إلى توفير ما تتراوح نسبته بين 5 إلى 8% من احتياجات العالم من الهيدروجين، وخفض الانبعاثات الكربونية السنوية بنحو 40 مليون طن بحلول 2024، بما يخلق نحو 100 ألف وظيفة، ويضيف 10-18 مليار دولار لإجمالي الناتج المحلي، وقد وقعت الحكومة أيضا عددا من مذكرات التفاهم مع 23 مطورا، إلى جانب عدد من الاتفاقيات الإطارية مع تسع شركات طاقة دولية لتطوير مشاريع الهيدروجين الأخضر.
# 2- الإنتاج الثلاثي للطاقة: هي عملية تشمل إنتاج التبريد والتدفئة والطاقة من مدخل واحد. تساعد هذه العملية على تقليل تكاليف الطاقة بنسبة 30-40%، وخفض استهلاك الوقود، إلى جانب خفض هدر الطاقة، كما تساعد في تقليل الانبعاثات بنسبة قد تصل إلى 30.
إدارة الطاقة وكفاءتها لا تقل أهمية: يمكن تقليل ما بين 15 إلى 25% من انبعاثات البيئات المبنية، عبر اتخاذ خطوات واضحة نحو إدارة الطاقة وكفاءتها، ويشمل ذلك تصميمات الواجهات الديناميكية التي تمتص الكربون، إلى جانب السعي في توظيف حلول الذكاء الاصطناعي للتنبؤ بأنماط سلوك المستهلك وتحسينه وفقا للمناخ.
لا مدن خضراء دون وسائل نقل خضراء: يشير التقرير إلى أن التحول نحو "البنية التحتية مستدامة الشحن"، يمكنه أن يساهم في خفض الانبعاثات بنسبة 86%، إلى جانب دمج طرق حصاد الطاقة التي ستؤدي لتقليل الانبعاثات الدفيئة بنسبة كبيرة.
توصيات أخرى: ينبغي على المنطقة التوسع في جهود معالجة مياه الصرف الصحي، التي يمكنها تقليل انبعاثات الكربون بنسبة قد تصل إلى 90% من المستويات الحالية، وتقليل استهلاك الطاقة من مضخات المياه إلى محطات المعالجة، وفقا لما أكده التقرير.
فيما يلي أهم الأخبار المرتبطة بالحفاظ على المناخ لهذا الأسبوع:
- المتحف المصري الكبير ينضم لقائمة المباني الخضراء، وذلك بعد أن حصل على شهادة "إي دي جي إي" للمباني الخضراء والمستدامة، ليصبح بذلك أول متحف يحصل على هذه الشهادة في الشرق الأوسط وأفريقيا. (بيان)
- مجلس النواب يوافق على منحة بقيمة 500 مليون يورو من بنك الاستثمار الأوروبي لدعم مشروع الصناعة الخضراء المستدامة التابع لوزارة البيئة.
- الحكومة تسلم أرض محطة الرياح بسوهاج خلال أسابيع: من المقرر أن تسلم الحكومة التحالف المطور لمزرعة الرياح بقدرة 10 جيجاوات في سوهاج، قطعة الأرض المخصصة للمشروع لتطويرها بحلول مارس المقبل.