رائد الأسبوع - رائد الأسبوع فقرة أسبوعية كل ثلاثاء، نتحاور خلالها مع أحد المؤسسين عن كيفية النجاح في مجتمع الشركات الناشئة المصري، كما نعرف المزيد عن تجربتهم في إدارة الأعمال التجارية ونصائحهم لرواد الأعمال الناشئين. ويتحدث إلينا هذا الأسبوع أحمد أمين (لينكد إن) مؤسس كيوب أركيتكتس.
اسمي أحمد أمين، وأنا مؤسس شركة كيوب أركيتكتس ومدير العلامة التجارية للشركة. تخرجت في كلية الفنون الجميلة عام 2006 بدرجة البكالوريوس في الهندسة المعمارية.
حين أفكر في اللحظة التي بدأت فيها حياتي المهنية، أجد نفسي أستعيد ذكريات طفولتي لأكتشف أن الهندسة المعمارية كانت تحتل مساحة من خيالي دائما. لم يكن ذلك مبينا على معرفة واعية أو قصد بطبيعية الحال، لكن التوجه نحو بناء الأشياء وتشكيلها كان رغبة أصيلة في نفسي منذ كنت صغيرا. لم أدرك هذا إلا بعدما كبرت، فقد كنت مولعا بألعاب الليجو ومكعبات البناء واستخدام الصلصال لصنع الأشياء.
اثنان من أعمامي عملا في الهندسة المعمارية، والآخر كان مصمما، وكنت أحب زيارتهم في مكاتبهم لمشاهدة أعمالهم والمواد التي يستخدمونها. ومن حسن حظي أن أحدهم كان صغيرا إلى حد ما، وهو ما سمح لي بمساعدته في مشروعاته الجامعية، ولذلك أعتقد أنه كان مقدرا لي أن أتخصص في الهندسة المعمارية وأكمل دراستي العليا في هذا التخصص أيضا. وقد حرصت على التدرب في بعض الشركات أثناء دراستي الجامعية وبعد التخرج. وعملت لست سنوات في شركة أيه يو جي، التي كانت واحدة من أكبر اللاعبين في مجال الهندسة المعمارية والتصميم الحضري بمصر.
بعد فترة شعرت أن علي التعبير عن نفسي ورؤيتي بطريقة مختلفة، فاتجهت إلى تأسيس شركتي الخاصة. ورغم أني تعلمت كثيرا من التجارب السابقة، كان الالتحاق ببيئة عمل غريبة إلى حد ما دافعا رئيسيا وراء تأسيس الشركة. السبب الآخر يرجع إلى رغبتي في التركيز على العمارة الكلاسيكية المتوسطية المشهورة في مصر، وذلك لأني درست الطراز الحديث وكنت أبحث عن مساحة من الحرية لأجرب ما أريد. وفي النهاية أفضى ذلك إلى تجربة اتجاهات جديدة وتجاوز الحدود والمعايير المعتادة من خلال شركتي.
شغفي بفعل ما أحب أخذني إلى هذا الاتجاه، فأنا أحب مثلا تجربة أشياء جديدة من خلال النماذج المعيارية والخطوط، كما أحب الهندسة الرياضية وأفكر باستخدام مصطلحاتها. كما أني دائما ما كنت أفضل الأشكال على الكلمات والحروف، ويمكنني صناعة بناء من الأشكال الهندسية أسرع من صياغة جملة بالكلمات، لذا أخذت ذلك الشغف إلى أرض الواقع. كان تأسيس كيوب أركيتكتس ترجمة لكل ذلك، بل إن الاسم نفسه (cube = مكعب) أتى من أحد الأشكال الهندسية البسيطة، والذي اعتقد أنه أقدم شكل في الهندسة الرياضية على الإطلاق.
الدخول إلى السوق كان تحديا، فأنا مهندس معماري ولا أعرف شيئا عن تأسيس مشروع تجاري. كان كل ما يتعلق بتدشين مشروع خاص آنذاك خارج نطاق قدراتنا، إذ لم نكن نفقه سوى في التصميم، بينما غابت عنا مسؤوليات أخرى مثل خطوات التأسيس وإدارة الشركة واستقطاب العملاء وخلافه. لو كنت أعرف حينها ما تتطلبه مهام الإدارة، لكنت طلبت النصيحة أو المساعدة في هذا الشأن.
نسعى لنكون خارج المنافسة، وقد تطلب ذلك بذل الكثير من العمل، وما زال. اجتذاب العملاء كان تحديا، ولكننا تمكنا من الاعتماد على شبكتنا الصغيرة وترشيحات الأشخاص الذين عملت معهم لدخول السوق. في مرحلة ما، قابلت عميلا صممت منزله بنفسي على الطراز المودرن، الذي يختلف كثيرا عن أسلوب الشركة حاليا، وقد منحنا العميل فرصة تصميم مكتبه. أخذنا فكرته وحولناها إلى واقع، وقد كانت فكرة جديدة ومختلفة وصممناها خصيصا من أجل هذا المكتب. كنا لا نزال نجرب ما نريد فعله في كيوب أركيتكتس حينها، لكن التصميم المعد خصيصا كان جذابا للكثيرين، مما سمح لنا بالتميز في السوق.
أدين لأساتذتي بقدرتي على قراءة الناس. من المهم التركيز على الإيماءات والكلمات الصغيرة التي تعني أكثر بكثير مما تبدو عليه، والاستماع إلى المشكلة بتركيز حقيقي، لأن عملنا في نهاية المطاف يقوم على حل المشاكل وتلبية الاحتياجات. هذا المزيج من الاستماع والاستشفاف وقراءة الطرق التعبيرية هو ما يجعلها تجربة مخصصة تحلق بخيال عملائنا إلى أقصى الحدود، وأعتقد أن هذا يلخص ما نفعله.
من الصعب تعريف النجاح، لكني بعد التفكير قليلا أدركت أن توصية العملاء شركتنا للآخرين علامة على النجاح، لأنها تعني أنهم يثقون بنا لتلبية توقعاتهم العالية، وهو مؤشر على أننا نفعل شيئا صحيحا.
لدي الكثير من الخطط للسنوات الخمس المقبلة. باعتباري مصمما معماريا، لدي العديد من الاهتمامات والأذواق التي أريد أن تعكسها كيوب أركيتكتس، لتصبح دار تصميم متعددة التخصصات تشمل صنع المنتجات والأثاث وأي شيء آخر نركز عليه. أتصور أن نركز على النسيج والتصميم، ولكن ليس فقط في الهندسة المعمارية والديكورات الداخلية، بل نهدف للتوسع أبعد من ذلك.
التحمل وتوسيع الأفق هو شعارنا خلال هذه المرحلة المليئة بالاضطرابات والتحديات الاقتصادية. انتهزنا هذه الفرصة لتشجيع الإبداع والاستفادة من الأفكار التي كانت حبيسة الأدراج كالمشروعات الجديدة. إذا لم يكن الناس قادرين على تحمل تكلفة الديكورات في الوقت الحالي، إذن سنخصص المزيد من الوقت للعمل على تصميمات جديدة أو دخول مسابقات التصميم، أو أي أنشطة ربما لم نجد لها وقتا من قبل. في مثل هذه الأوقات، من المهم العثور على الجانب المشرق والاستفادة من قدرتنا على التصميم، بالطبع في حالة قدرتك على السيطرة على الشعور بالتوتر.
أكثر ما أستمتع به في عملي هو رؤية الفكرة تتحول إلى حقيقة. العمل في جوهره عبارة عن منحوتة صغيرة تتحول إلى منتج يمكن تجربته مكانيا وفيزيائيا، وهي تجربة أجدها مثيرة حقا.
الجزء الأصعب من العمل هو التصميم، خاصة في يوم تسليم المشروع حين تفقد سيطرتك على كل ما أنجزته. قبل التسليم تكون المسؤول عن كل شيء، وكل الناس يطلبون توجيهاتك. لكنه بعد خروجه للنور تصير ضيفا على شيء عملت عليه لفترة طويلة. لكني أصبحت أحب هذا الجزء في النهاية، لأنه يعني أن انتهاء المشروع.
الحياة الشخصية كانت موجودة في السابق ضمن دائرة صغيرة، حين كنا نسهر طوال الليل للعمل على مشروعات الكلية أثناء الدراسة، وهو النمط الذي استمر لاحقا، قبل أن أدرك أنه يمكن وضع المزيد من الحدود من أجل التعامل بشكل أفضل وتحقيق توازن أكثر صحة. أعترف أن الفصل بين حياتك المهنية والشخصية صعب للغاية حين يكون لديك عملك الخاص، وهي مسألة ما زلت أعمل عليها.
أقضي وقت فراغي في ممارسة الهوايات الإبداعية، ومن المهم أن يكون لدي هوايات خارج العمل. أحب الرسم والتلوين والقراءة كي أنمي إبداعي طوال الوقت، وآخر كتاب قرأته كان السيرة الذاتية لستيفن كينج بعنوان " عن الكتابة ".
لو لم أكن قد أسست كيوب أركيتكتس، كنت سأجعل الرسم جزءا أكبر من يومي، لأنه شيء أنا متحمس له بالفعل، وقد بدأت في ممارسته مؤخرا.
لو كان بإمكاني إسداء نصيحة لنفسي حين كنت أصغر، ستكون دراسة الأعمال، لأننا كما ذكرت لم نفكر في البداية سوى في التصميم وحسب. لم نكن نعلم أن هناك الكثير من المسؤوليات الأخرى التي تستغرق الكثير من الوقت، وأننا نحتاج إلى تلقي المساعدة و/أو توظيف من يمكنهم ذلك. لن تحصل على كل ما تحتاج إلى معرفته حين تطلب المشورة، لذلك كنا لنستفيد لو كان لدينا المعلومات اللازمة بأنفسنا.
عند التفكير في الشخصيات المؤثرة في حياتي أجد نفسي أعود إلى وظيفتي الأولى، إذ عملت مع مديري تصميم ساعدوني على المغامرة بالتفكير خارج الصندوق، وهو ما كان مهما جدا بالنسبة لي. كما أدين بالفضل لأستاذين ساعداني أثناء الجامعة، هما الدكتور يحيى الزيني والدكتور الغزالي قصيبة، اللذين علماني التصميم ومبادئه. كل هؤلاء ساعدوني حقا على تحرير نفسي من قيود المجتمع في التصميم والإبداع، وأنا مدين لهم بذلك.