Posted inحوار مفتوح

كيف يغير الذكاء الاصطناعي من طبيعة العمل في الشركات؟

بدأ الذكاء الاصطناعي بالفعل يغير طبيعة يوم العمل لدى معظمنا، إذ نوكل يوما بعد يوم المزيد من مهامنا الأكثر استهلاكا للوقت والأشد رتابة إلى كلود و"تشات جي بي تي" وجيميناي، وربما إلى وكلاء ذكاء اصطناعي طورناهم بأنفسنا. لكن إلى أي مدى تبدو الشركات مستعدة حقا لإسناد المسؤولية إلى الآلات؟

ناقشنا هذه المسألة وغيرها خلال جلسة الوظائف ضمن منتدى إنتربرايز مصر لهذا العام، نسخة الذكاء الاصطناعي. استضفنا في الجلسة كلا من نيلز باختلر، الرئيس التنفيذي لشركة كليفر، ونادر سليمان، نائب رئيس شركة فيزا ورئيس قسم المنتجات والحلول لمنطقة شمال أفريقيا والمشرق وباكستان، ويوسف رزق، الرئيس التنفيذي لشركة ويندفول، وحاورناهم حول كيفية استخدامهم لتلك التقنيات، والمجالات التي بدأ وكلاء الذكاء الاصطناعي يتولونها، وتلك التي ما زالت تتطلب قدرة البشر على التقدير واتخاذ القرار.

مهد المشاركون للحوار بتوضيح أن تسريع وتيرة العمل لا يعني بالضرورة العمل لوقت أقصر. فجدول باختلر لا يزال مزدحما، لكن الذكاء الاصطناعي غير الطريقة التي تعمل بها كليفر وتوزع بها المهام وتتخذ بها القرارات. وأوضح باختلر أن الشركة الناشئة في مجال الائتمان تستخدم تلك التقنيات منذ يومها الأول، مما ساعدها على النمو بوتيرة أسرع وتحسين أدائها. أما بالنسبة لسليمان، فقد تمثل التغيير الأكبر في تقليص الوقت الذي يقضيه في جمع المعلومات وتصنيفها، مقابل تخصيص مزيد من الوقت لتمحيصها والمفاضلة بين الاستراتيجيات وقضاء الوقت مع العملاء. وهو يرى أن الذكاء الاصطناعي "يضاعف القدرات"، إذ يتيح له التركيز على اتخاذ القرارات والابتكار في المنتجات، موضحا أنه هو "من يتحمل مسؤولية النتيجة النهائية".

وتصل تلك التحولات إلى مدى أبعد بكثير في الشركات الناشئة القائمة على الذكاء الاصطناعي. إذ قال رزق، الذي يشغل أيضا منصب الرئيس التنفيذي للتكنولوجيا في شركة واندركرافت المدعومة من مسرعة الأعمال واي كومبيناتور، إن هناك شركة يعتمد مهندسوها على كلود وكودكس، بينما تعتمد فيها أيضا أنشطة التسويق والمبيعات وتحسين نتائج محركات البحث على الذكاء الاصطناعي، قائلا إن "ما كنت تحتاج سابقا إلى 10 أشخاص لإنجازه، يمكنك الآن إنجازه فعليا بنحو شخصين أو 3 أشخاص". ويتولى هؤلاء الموظفون مسؤولية التخطيط لمهامهم، فيما ينفذ الذكاء الاصطناعي جزءا كبيرا منها.

لا تزال معظم الشركات تستخدم الذكاء الاصطناعي في الاطلاع على المعلومات فقط، فمن خلال عمل ويندفول في مساعدة الشركات على توظيف أدوات الذكاء الاصطناعي، يلاحظ رزق أن استخدامها يتركز على تلخيص المعلومات وترجمتها واسترجاعها. ورغم أن ذلك يوفر الوقت بالفعل، تكمن الفرصة الأكبر في قدرة تلك الأنظمة على التصرف بناء على ما تتعلمه. ولذلك يقوم إطار العمل الذي يتبناه رزق على 3 عناصر، هي الذكاء وتوفر البيانات والأدوات اللازمة للتفاعل مع العالم الخارجي. إذ يتيح الربط بين هذه العناصر للذكاء الاصطناعي إنجاز المهام تلو بعضها، مع تدخل البشر بدرجات متفاوتة.

يبدأ الوصول إلى تلك المرحلة بأن يفهم الذكاء الاصطناعي طبيعة عملك. إذ أوضح رزق أن الشركات الراسخة لا تستطيع إعادة تصميم نماذج عملها بناء على الذكاء الاصطناعي بالسهولة نفسها التي تتمتع بها شركات البرمجيات الناشئة. لكن منح الذكاء الاصطناعي إمكانية الاطلاع على بيانات الشركة يعد نقطة البداية، إذ يتيح للموظفين رؤى كانت تتطلب في السابق لوحات بيانات ومهام متخصصة، أما الخطوة التالية فهي تزويد الذكاء الاصطناعي بالقدرة على اتخاذ الإجراءات.

ولا يمثل توفير الأدوات سوى جزء من المهمة، إذ أوضح سليمان أن فيزا لديها أكثر من 1200 من رواد الذكاء الاصطناعي حول العالم، يساعدون الموظفين على تطوير مهاراتهم عبر العروض التوضيحية وهاكاثونات البرمجة والتطبيقات العملية، قائلا إن "معرفة كيفية استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي لا تقل أهمية عن الإلمام بالمهارات الرقمية الأساسية في الوقت الحالي". ويرى سليمان أن نقطة البداية يجب أن تكون تحديد المشكلة والنتيجة المرجوة، بدلا من تبني الذكاء الاصطناعي لمجرد استخدامه فحسب دون هدف واضح.

في كليفر، تجاوز دور وكلاء الذكاء الاصطناعي تحسين العمليات القائمة. فبعدما استخدمت الشركة في البداية نماذج الذكاء الاصطناعي في تقييم الائتمان واستراتيجيات التحصيل ومكافحة الاحتيال، بات وكلاؤها الأحدث يساعدون في تصميم نماذج العمل وتسريع وضع السياسات واستراتيجيات التحصيل وحملات جذب العملاء. وأوضح باختلر أن المجالات الحساسة، ومنها تقييم الائتمان والتحصيل، لا تزال تخضع لموافقة بشرية، كما أن الشركة تختبر أداء الوكلاء مقارنة بفرق عملها قبل منحهم مزيدا من الاستقلالية.

ويتعامل العملاء بالفعل مع أدوات الذكاء الاصطناعي الخاصة بالشركة. إذ أجاب وكيل الذكاء الاصطناعي المخصص لخدمة عملاء كليفر عن أكثر من 40 ألف استفسار خلال الشهر السابق للجلسة الحوارية، وهي أسئلة كانت ستذهب لولا ذلك إلى مركز الاتصال التابع للشركة، وفقا لباختلر. وتعمل الشركة أيضا على تشغيل وكيل في مركز الاتصال، وترى أن الذكاء الاصطناعي قادر على تحسين أداء عمليات التحصيل وتعزيز فهم العملاء لالتزامات السداد.

ويطمح باختلر إلى أن يتولى وكلاء الذكاء الاصطناعي الحملات والرسائل والعروض الموجهة للعملاء دون الحاجة إلى موافقات في كل مرة، إلى جانب الاستعانة بالوكلاء للإشراف على الحوكمة، مع استمرار وجود مستوى بشري لمراقبة الأداء. أما رزق فيرى أن تحديد توقيت الاستغناء عن الإشراف البشري المباشر يتطلب تقييم أداء العمليات، ثم اختبار الوكلاء ومقارنة أدائهم مع تلك التقييمات، والتحقق مما إذا كان بوسعهم تقديم أداء أفضل. وحذر رزق من أن الذكاء الاصطناعي ما زال غير قادر على تقديم بديل مستدام حتى الآن.

وقد يتولى وكلاء الذكاء الاصطناعي عمليات الشراء قريبا؛ إذ أشار سليمان إلى أن التجارة القائمة على الوكلاء تعد من أبرز التطبيقات المرتقبة، ولن يكتفي الذكاء الاصطناعي حينها بالبحث عن خيارات للعطلة أو المقارنة بين المنتجات، وإنما سيتم عملية الحجز أو الشراء. وأضاف أن "خدمة فيزا للتجارة الذكية صُممت لإتاحة إتمام هذه المعاملات، لكن السداد هو الجزء السهل، والأصعب هو التأكد من أن الوكيل يتصرف وفقا لنوايا العميل ورغباته".

سيتعين حينها على الشركات التمييز بين وكلاء التسوق المشروعين والوكلاء المحتالين، فحظر جميع الوكلاء قد يكلفها قدرا من المبيعات، بينما السماح لهم جميعا سيفاقم المخاطر. وفي هذا الصدد يقول سليمان إن "بروتوكول الوكيل الموثوق من فيزا صُمم لمساعدة الوكلاء الموثوقين على التواصل بأمان مع التجار". لكن الضوابط اللازمة باتت تتجاوز التحقق من هوية حامل البطاقة، لتشمل ما إذا كان الوكيل مخولا بالتصرف، وما إذا كانت معاملاته تتوافق مع نية العميل.

وتزداد أهمية التخطيط مع هذا التسارع في وتيرة التنفيذ، إذ يتوقع رزق أن يتحول المزيد من الأشخاص إلى مخططين ومنسقين لأنظمة الذكاء الاصطناعي، غير أن التخطيط البشري قد يواجه صعوبة في مواكبة قدرة تلك الأنظمة على التنفيذ. ويتوقع أن تبذل الشركات جهدا أكبر في التجريب وابتكار التطبيقات الجديدة، قائلا إنه "أكثر تفاؤلا بمستقبل الشركات، وبأنها ستنجز المزيد بالذكاء الاصطناعي، لا العكس".

ولا تقتصر المكاسب هنا على الشركات الكبرى، إذ يرى سليمان أن الذكاء الاصطناعي يتيح للأفراد والمهنيين والشركات الصغيرة قدرات كانت تتطلب في السابق وقتا ومالا وجهدا كبيرا، كما يقلص المسافة بين الفكرة وتنفيذها في حالة فرق تطوير المنتجات. وبالنسبة لرزق فهو متحمس لمدى السهولة التي يضفيها الذكاء الاصطناعي على مهام التطوير والابتكار، إذ تختفي الصعوبات التي كانت تصاحب بدايات تلك المهام حين يكون بإمكانك ببساطة أن تطلب من نظام ما بدء العمل عليها. وتصبح العقبات حينها متعلقة أكثر بالقدرة على المواكبة.

سلاح ذو حدين: رغم التفاؤل العام الذي أبداه المشاركون في الجلسة إزاء مستقبل الذكاء الاصطناعي في الشركات، فإنهم أبدوا بعض المخاوف. إذ يخشى باختلر من تأخر التعليم عن الركب، قائلا إن "النظام التعليمي لا يزال بحاجة إلى المواكبة. فالأطفال حاليا لا يتعلمون بالقدر اللازم، وقد يكون لذلك تأثير في المستقبل". فيما سلط سليمان الضوء على الفجوة بين الابتكار والحوكمة، وأشار رزق إلى العبء المتزايد لمراجعة الأكواد التي يولدها الذكاء الاصطناعي، والهجمات الإلكترونية التي لا تتقيد بساعات عمل الفرق البشرية.

للاطلاع على نص الحوار بالكامل، اضغط هنا.