قدرة العلامات المحلية على التصميم ترتبط وثيقا بالإجابة على أربعة أسئلة: من سيبدع المنتجات؟ من سيتولى الإدارة الإبداعية؟ ما العمليات التي تنفذها العلامة بنفسها؟ وكيف توظف الأشخاص المناسبين؟ حاليا، تعمل اثنتان من أبرز الشركات المحلية الناشئة على إجابة تلك الأسئلة، لكن من منطلق مختلف تماما، هما "فوفا" و"إن يور شو".
المواهب تصنع مسارها
لم يسلك أي من مديري التصميم في أبرز العلامات التجارية المحلية المسارات المعتادة للاستوديوهات التقليدية، إذ قضت مؤسسة علامة فوفا فرح العشيري جانبا كبيرا من طفولتها ترسم: "كلما وجدت ورقة وقلما أمامي، كنت أرسم فساتين صغيرة وتنانير وبعض الأنماط من وحي خيالي"، حسبما قالت لإنتربرايز. صقلت فرح هذه الموهبة بالدراسة في الأكاديمية الإيطالية للأزياء عام 2010، بينما كان عمرها 19 عاما: "تعلمت رسم الأشكال المتناسقة وتصميم الفساتين وكيفية جعل الأقمشة واقعية، إلى جانب رسم الطبقات المتعددة".
أما كبير الراسمين والمصممين في "إن يور شو" عمرو بدر المعروف باسم شنوار، فقد اتخذ مسارا معاكسا: "ليست لدي خلفية أكاديمية في الفن، فقد تخرجت في كلية إدارة الأعمال بالجامعة البريطانية في مصر. لكنني علمت نفسي فنون الرسم وتطورت مهاراتي بمرور الوقت من خلال العمل والخبرة العملية"، حسبما قال لإنتربرايز.
لا يعد أي من هذين المسارين غريبا بالنسبة للعلامات المحلية التي برزت خلال الطفرة الراهنة، فالرابط بينهما هو أن القدرات التصميمية التي تعتمد عليها العلامات المصرية تبنيها كل علامة على حدة، دون وجود مسار مؤسسي مشترك يغذي هذا القطاع.
المؤسس = المدير
في فوفا، تقود فرح المراحل الأولى لعملية التصميم، ثم يتولى فريقها وضع التفاصيل النهائية، لكن نمو العلامة التجارية غير نظرتها للمجموعات الجديدة: "أفكر باستمرار في طرح تصميمات جديدة، لكن هذه قد لا تكون فكرة جيدة، لأني بحاجة إلى الحفاظ على نجاح المنتجات الحالية، لذا، غيرت الطريقة التي نطرح بها المجموعات مؤخرا، من خلال التركيز على القطع الأكثر رواجا وإعادة تصميمها بما يتماشى مع المجموعة".
أما "إن يور شو"، فتمثل الاستقلالية الإبداعية ركيزة أساسية لتطور العلامة التجارية. بعد وقت قصير من انضمام بدر عام 2020، صمم المجموعة الشتوية بأكملها بنفسه، وهي تجربة أثمرت عن بعض من أبرز أفكار الشركة، بما في ذلك تميمتها المعروفة باسم كاتشي. "جاءت الكثير من أفكارنا البديعة والبارزة خلال تلك الفترة، إذ أدركت حينها أنني أقدم أفضل ما لدي عندما أحظى بالاستقلالية الإبداعية، وأعتقد أن المؤسسين أدركوا ذلك أيضا. ورغم نمو الشركة وتوسع أقسامها بمرور الوقت، ما زلت أتمتع بنفس مستوى الحرية الإبداعية في عملية التصميم التي حظيت بها منذ يومي الأول".
تتشابه العلامتان في نماذج التشغيل رغم اختلاف النهج التصميمي، إذ تبدأ عملية التصميم في فوفا بالبحث عن المواد الخام، لأن الأقمشة والأنسجة تؤثر في تطور التصميم، حسبما قالت العشيري. ثم تدخل تشكيلات الألوان الموسمية ضمن المعادلة في هذه المرحلة، ثم منصة بينترست: "يعد موقع بينترست منبع الإلهام الرئيسي لكل المصممين، إذ يغذي عينيك باستمرار بأحدث الصيحات العالمية، ما يؤثر بشكل أو بآخر في التصميم الذي تبتكره"، حسبما أضافت.
في المقابل، تسلك "إن يور شو" نهجا مختلفا: "نميل أكثر إلى ابتكار الصيحات بدلا من تقليدها، بالطبع ندرس السوق ونبقى على اطلاع بما يحدث في المجال، لكننا نعتمد في النهاية بدرجة كبيرة على ابتكار منتجات نراها رائعة ومثيرة للاهتمام على المستوى الشخصي. وقد أثبت هذا النهج مرارا وتكرارا أفضليته في جذب الجمهور"، حسبما أوضح بدر. ما يغذي هذا الحس لا يأتي فقط من عالم الأزياء، إذ أكد بدر أن "امتلاكك لمجموعة واسعة من الاهتمامات المتخصصة يساعدك بطبيعة الحال على ابتكار أعمال رائعة دون الحاجة إلى اتباع أحدث الصيحات".
دور المصمم المستقل
تعتمد كلتا الشركتين على مصممين مستقلين لإنجاز مهام متخصصة، كما تحافظان في الوقت نفسه على إبقاء عملية التصميم قريبة من عمليات الإنتاج داخل المؤسسة. "يمكن تعلم بعض القدرات وتطويرها داخليا، في حين تتطلب قدرات أخرى الاستعانة بأطراف خارجية. ويعد بناء شبكة قوية من المصممين المستقلين وتوطيد العلاقات معهم أمرا ضروريا لتحقيق نتائج ممتازة دون أعباء الرواتب الشهرية، فأحيانا كل ما تحتاجه هو مهمة بسيطة، تعرف أن أي مصمم مستقل موهوب يمكنه إنجازها بكفاءة أكبر"، حسبما أكدت العشيري، مشددة على ضرورة بقاء بعض الأدوار داخل الشركة: "هناك مصممين يجب وجودهم في المكتب لمتابعة سير العمل، واستلهام الأفكار من عملية التصنيع، وفهم التفاصيل الفنية ليتمكنوا من أداء المهام المطلوبة. هذه الكوادر لابد من تكوينها وتطويرها داخل المؤسسة".
أما هوية علامة "إن يور شو" فيتولى تشكيلها الفريق الداخلي: "لطالما فضلنا بناء فريق إبداعي داخلي قوي للحفاظ على اتساق لغة العلامة وهويتها الإبداعية، بالطبع نتعاون ونجرب العمل مع مبدعين آخرين في مشاريع محددة، لكن مجموعاتنا الخاصة وهويتنا الأساسية نتولاها بالكامل داخل الشركة"، حسبما قال بدر.
العلاقات والتوظيف
ما يثير الاهتمام أكثر عملية توظيف المصممين: "عادة ما أرشح فنانين اعرفهم جيدا من خلال المجتمعات الإبداعية والاهتمامات المشتركة، بدلا من الاعتماد على قنوات التوظيف التقليدية. ومن بين من ضممتهم إلينا صديق قديم تعرفت عليه أثناء ممارسة التزلج، وصدف أن لديه جانب فني قوي ويتمتع بحس دعابة جامح، يتناسب تماما مع هوية علامتنا، لذا رتبت لقاء بينه وبين المؤسسين، وبعدها سارت الأمور بشكل جيد"، بحسب ما أكده بدر.
على الجانب الآخر.. كشفت تلك العملية على فجوة حقيقية في السوق المحلية: "تتمتع مصر بقاعدة قوية متنامية من المواهب الإبداعية، وقد تطور المجال كثيرا، وهناك العديد من المصممين الموهوبين أصحاب الرؤى الفريدة والقدرات الفنية القوية. لكن التحدي الرئيسي في رأيي لا يكمن بالضرورة في العثور على المواهب، بل في إيجاد المبدعين المناسبين لهوية العلامة التجارية ورؤيتها وثقافة العمل بها. فالموهبة وحدها مهمة، لكنها تحتاج أيضا إلى إطار وتوجيه واتساق، وإلى البيئة المناسبة لتنمو حقا وتنتج عملا ذا قيمة"، وفق ما قاله بدر.
فجوة القطاع
أما عن الفجوة الهيكلية الكبرى في السوق، فيمكن حلها بإتاحة المزيد من الدورات التدريبية في إدارة الأعمال بمجال التصميم، حسبما قالت العشيري. "قد تكون فنانا موهوبا للغاية، لكنك لا تعرف كيف توظف موهبتك مطلقا. معاناتي الأكبر لا تكمن في ابتكار التصاميم، بل في كيفية إدارة عمل تجاري بناء على تلك التصاميم".
تشبه هذه الفجوة ما أشرنا إليه سابقا، ألا وهو المعاناة التي يواجهها المصممون المصريون في العثور على منشآت التصنيع المتوفرة بالفعل داخل البلاد، فكلا هذين التحديين وجهان لمشكلة بنيوية واحدة: مصر تمتلك المواهب التصميمية والقدرات الإنتاجية، لكنها تفتقر إلى حلقات الوصل التي بإمكانها تحويل القدرات الإبداعية الفردية إلى بنية تحتية متكاملة على مستوى القطاع، كالمدارس وقواعد البيانات وشبكات الخدمات المهنية.
والعمل؟
تتفق فرح مع بدر على الحل نفسه، الذي يتمثل في وجود بنية تحتية أقوى للمبدعين، كصالات العرض والمراكز الإبداعية وورش العمل والفعاليات التي تتيح للفنانين والمصممين التواصل، إذ رأى بدر أنه سيكون من الرائع لو امتدت تلك البنية خارج القاهرة إلى مختلف المدن والمحافظات.