Posted inالخبر الأبرز هذا الصباح

المركزي المصري يرفع الفائدة 100 نقطة أساس ويرجئ مستهدف التضخم إلى الربع الأخير من 2027

قررت لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي المصري يوم الخميس رفع أسعار الفائدة الأساسية بمقدار 100 نقطة أساس، لتكون هذه أول زيادة منذ مارس 2024، ولينهي البنك بتلك الخطوة دورة التيسير النقدي التي شهدت خفض الفائدة بواقع 825 نقطة أساس على مدار 6 اجتماعات منذ أبريل 2025. بهذا يرتفع سعر عائد الإيداع لليلة واحدة إلى 20.0%، وسعر عائد الإقراض لليلة واحدة إلى 21.0%، وسعر العملية الرئيسية وسعر الائتمان والخصم إلى 20.5%، وفق بيان البنك المركزي (بي دي إف).

لماذا لم يؤثر التباطؤ الحالي لوتيرة التضخم في قرار البنك؟ عزا البنك المركزي قراره إلى معدلات التضخم الشهرية وليست السنوية. فرغم تراجع معدل التضخم السنوي العام في سبتمبر إلى 13.9%، وتراجع المعدل الأساسي إلى 14.1%، ارتفعت الأسعار على أساس شهري بنسبة 1.3% في سبتمبر، مقارنة بنسبة 0.1% في أغسطس، كما بلغ معدل التضخم الأساسي 0.8% مقارنة بنسبة 0.3%، وهو ما أرجعه المركزي بشكل أساسي إلى "ارتفاع أسعار الغذاء الأساسية وتطوراتها الموسمية".

ووصفت لجنة السياسة النقدية هذا القرار بالاستباقي، إذ تهدف من خلاله إلى تثبيت التوقعات واحتواء ضغوط الأسعار المستوردة قبل انتقالها إلى السوق المحلية. كما أرجأ البنك المركزي موعد تحقيق مستهدفه للتضخم، متوقعا وصوله إلى مستوى 7% (± 2 نقطة مئوية) "في الربع الرابع من عام 2027 في المتوسط"، مقارنة بتوقعاته السابقة خلال النصف الثاني من 2027 التي أعلنها في اجتماع سبتمبر، ليضيق بذلك النطاق الزمني المتوقع لتحقيق مستهدفه مقارنة بما كان يعلنه خلال فترات تثبيت الفائدة.

ما الذي تغير في بيان اللجنة؟

يكمن التغير الأكبر في حجم المخاطر التي يمكن للبنك المركزي تحملها، وهو ما يتضح في صياغة البيان. ففي سبتمبر، أبقى البنك على أسعار الفائدة دون تغيير لأن التقييد النقدي كان "يتيح حيزا للحد من المخاطر" التي أشار إليها آنذاك، أما يوم الخميس فأشار إلى "تزايد حدة المخاطر وعدم اليقين مقارنة باجتماع لجنة السياسة النقدية السابق"، مضيفا أن الحفاظ على مسار تراجع التضخم يتطلب "انتهاج سياسة نقدية أكثر تقييدا" مقارنة بسياسته السابقة التي كان يراها ملائمة للوضع. كما عاد المركزي لاستخدام العبارات التي تخلى عنها في السابق مجددا؛ فبعدما حذف بيان سبتمبر الإشارة إلى عودة التضخم لمستهدفه "في المدى القريب"، وتوقف عن صياغة السياسة النقدية حول تحقيق هامش موجب لأسعار الفائدة الحقيقية، أعاد بيان الخميس استخدام عبارة "في المدى القريب" مجددا.

بيد أن الرؤية المتعلقة بالطلب لم تتغير؛ إذ لا يزال البنك المركزي يرى أن الناتج المحلي دون طاقته القصوى، مرجحا أن "تظل الضغوط التضخمية الناجمة عن جانب الطلب محدودة على المدى القصير"، وهو المبرر ذاته الذي تبناه عقب اجتماع سبتمبر الذي خلص فيه إلى تثبيت أسعار الفائدة. وعند قراءة البيانين معا، نستنتج أن الاقتصاد لا يحتاج إلى تشديد نقدي، بخلاف ما يحتاجه سعر الصرف والتوقعات.

ولم يتطرق البيان إلى سعر صرف الجنيه، إذ أشارت لجنة السياسة النقدية إلى عزوف المستثمرين عن المخاطرة، وتشديد الأوضاع المالية العالمية، والتضخم المستورد، دون التطرق لسعر الصرف، ليترك لنا مهمة الربط بين وضع العملة وبين هذا القرار.

لكن السوق ربطت بينهما بالفعل: تجاوز الجنيه مستوى 55 جنيها للدولار لأول مرة يوم الخميس 22 أكتوبر، متخطيا ذروته السابقة البالغة 54.73 جنيها والتي سجلها يوم 7 أبريل. ثم وصل إلى 55.89 جنيها للدولار في البنك المركزي يوم الأحد الماضي، وتجاوز 56 جنيها للدولار بحلول يوم الثلاثاء. وأغلق سعر البيع في المركزي يوم الخميس عند 56.12 جنيه للدولار، وذلك قبل إعلان قرار لجنة السياسة النقدية بنهاية اليوم، مما يعكس الضغوط التي كانت تتفاعل معها اللجنة وليس استجابة السوق لقرارها. واستقرت الأسهم في يوم رفع الفائدة، إذ أغلق المؤشر الرئيسي للبورصة (EGX30) مرتفعا بنسبة 0.64% ليبلغ نحو 49.6 ألف نقطة، ويعوض بذلك جزءا من خسائره البالغة 3.56%، والتي تكبدها يوم الأحد الماضي 25 أكتوبر.

وواصل المستثمرون الأجانب مبيعاتهم، والتي تركز معظمها في أسبوع واحد. فبحسب التقارير الأسبوعية للبورصة، سجل الأجانب صافي بيع بقيمة 115.1 مليار جنيه في أذون وسندات الخزانة خلال الأسبوع الممتد من 18 إلى 22 أكتوبر (بي دي إف)، أي نحو 2.05 مليار دولار بسعر الصرف الحالي، وفق حساباتنا. وجاء ذلك بعد صافي شراء بلغ 14.7 مليار جنيه في الأسبوع من 11 إلى 15 أكتوبر (بي دي إف)، وصافي بيع بقيمة 15.8 مليار جنيه في الأسبوع من 4 إلى 8 أكتوبر (بي دي إف). وبذلك يبلغ صافي مبيعات الأجانب في شهر أكتوبر حتى الآن نحو 116.2 مليار جنيه، أو ما يقرب من 2.07 مليار دولار على مدار الأسابيع الثلاثة المنشورة. ولم تنشر البورصة بعد بيانات الأسبوع الممتد من 25 إلى 29 أكتوبر، والذي يغطي قرار أسعار الفائدة واليوم الذي صوت فيه مجلس النواب لتفويض الرئيس باتخاذ "كل ما يلزم من تدابير" لدعم السعودية.

ورغم ذلك، شهدت سوق أذون الخزانة إقبالا كبيرا من المشترين في يوم رفع الفائدة. ففي عطاء 29 أكتوبر، طرح المركزي أذونا لأجل 364 يوما بقيمة 80 مليار جنيه، وتلقى طلبات اكتتاب بقيمة 152.5 مليار جنيه، قُبل منها ما قيمته 56.3 مليار جنيه، في حين جذبت الأذون لأجل 182 يوما طلبات بقيمة 65.4 مليار جنيه مقابل طرح بقيمة 30 مليار جنيه، وقُبل منها ما قيمته 22.5 مليار جنيه، وفق نتائج البنك المركزي. وتجاوزت طلبات الاكتتاب حجم الطرحين بنحو الضعف، لترفض الدولة تلبية معظم هذا الطلب. ويبدو هنا أن العائق كان السعر وليس شهية المستثمرين، إذ بلغت العوائد المقبولة 25.46% لأجل 182 يوما و26.08% لأجل 364 يوما، وهو ما يزيد بنحو 5.5-6.1 نقطة مئوية عن سعر الإيداع البالغ 20.0% الذي حددته لجنة السياسة النقدية في اجتماعها يوم الخميس.

تكلفة الفائدة

زاد سعر الفائدة الحقيقي ليصل إلى مستوى يؤثر على الموازنة العامة. فوفقا لحساباتنا، أصبح سعر الإيداع البالغ 20.0% أعلى بمقدار 6.1 نقطة مئوية من معدل التضخم العام المسجل في سبتمبر، مقارنة بنحو 5.1 نقطة قبل اجتماع المركزي، في حين يتجاوز سعر الإقراض البالغ 21.0% معدل التضخم بمقدار 7.1 نقطة. وتتجاوز أسعار الكوريدور بالفعل معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي الاسمي بنحو 500 نقطة أساس، إذ تستهلك مدفوعات الفوائد نحو 60% من إيرادات الحكومة المركزية رغم تحقيق فائض أولي بنسبة 4.9% في العام المالي 2025-2026، حسبما صرح هاني جنينة، رئيس قسم البحوث في الأهلي فاروس، لنشرة إنتربرايز قبل صدور القرار.

بالأرقام: بلغت مدفوعات الفائدة 512.2 مليار جنيه في شهري يوليو وأغسطس، ارتفاعا من 478.8 مليار جنيه خلال نفس الشهرين العام الماضي، حسبما يظهر التقرير المالي الشهري (بي دي إف) الصادر عن وزارة المالية في أكتوبر. ويأتي هذا قبل انعكاس أثر الزيادة التي أُقرت هذا الأسبوع على رصيد الدين.

واعتبر جنينة في الأسبوع الماضي أن رفع الفائدة يجتذب النوع الخاطئ من الأموال؛ موضحا أن تعويض المستثمرين الأجانب عن مخاطر العملة "سيكلف الاقتصاد ثمنا باهظا"، وحتى لو جذبت الفائدة المرتفعة مزيدا من الأموال الأجنبية، فمن المرجح أن تحتفظ بها البنوك التجارية في الخارج ضمن صافي أصولها الأجنبية، وهو ما لن يخفف الضغط على الحساب الجاري. وأشار إلى أن التكلفة الأكبر لرفع الفائدة ستقع على عاتق المطورين العقاريين من الشركات الصغيرة والمتوسطة، والتي تعتمد على تمويل المشروعات وتعاني بالفعل من تباطؤ المبيعات.

وتبنى اثنان آخران من المشاركين في استطلاع إنتربرايز لأسعار الفائدة وجهة نظر مماثلة من منظور التضخم؛ إذ ترى الخبيرة الاقتصادية آيتن المرجوشي أن رفع الفائدة لن يجدي نفعا في مواجهة التضخم المدفوع بارتفاع التكاليف العالمية، مشيرة إلى أن هذا المصد النقدي لا يصمد إلا مع استمرار تدفق العملات الأجنبية. من جانبها، أرجعت الخبيرة المصرفية سهر الدماطي تلك المشكلة إلى جانب العرض؛ إذ لا يزال المعروض من العملة الأجنبية أقل كثيرا من الطلب، في ظل تضرر الصادرات والسياحة وإيرادات قناة السويس جراء اضطرابات الشحن وتكاليف التأمين في البحر الأحمر، إلى جانب ارتفاع أسعار الفائدة الأمريكية الذي يجذب استثمارات المحافظ نحو الولايات المتحدة.

من توقع هذا القرار؟

لم يتوقع هذا القرار سوى محلل واحد فقط من بين المشاركين في استطلاع إنتربرايز لأسعار الفائدة. فقد رجح ماجد فهمي، الرئيس السابق لبنك التنمية الصناعية، رفع أسعار الفائدة لكونه سيسهم في الحد من تراجع تدفقات استثمارات المحافظ الأجنبية والحفاظ على جاذبية أدوات الدين المحلية مقارنة بالأسواق المنافسة، ولأن ارتفاع سعر صرف الدولار يزيد إجمالي احتياجات الاقتصاد من العملة الأجنبية فضلا عن تكاليف الاستيراد. وجاء القرار متوافقا مع توقعاته، وإن كان بيان المركزي قد أرجع خطوته إلى التضخم المستورد وتوقعات التضخم.

وكان لدى الفريق المؤيد لقرار تثبيت أسعار الفائدة حجة منطقية أيضا. فقد توقع محمد أبو باشا كبير الاقتصاديين لدى شركة "إي إف جي هيرميس" أن قرار تثبيت أسعار الوقود "سيبقي التضخم تحت السيطرة"، واعتبر أن ضعف الجنيه يمثل خطرا، وإن كان "من المبكر الحكم على ذلك في ظل التقلبات المستمرة والمخاطر الجيوسياسية". وأشار منصف مرسي ، العضو المنتدب ورئيس قسم البحوث في "سي آي كابيتال"، إلى قراءتي التضخم الشهري الأخيرتين وقرار لجنة التسعير التلقائي بتثبيت أسعار المنتجات البترولية حتى ديسمبر، وهو المبرر نفسه الذي استند إليه أبو باشا.

وجاءت الأرقام الداعمة للتثبيت من هبة منير محللة الاقتصاد الكلي في "إتش سي لتداول الأوراق المالية"، التي أوضحت أن عائد أحدث طرح لأذون الخزانة لأجل 364 يوما بلغ 25.91%، ما يعادل عائدا حقيقيا بنحو 10.5% للمستثمرين الأوروبيين والأمريكيين بعد خصم الضريبة البالغة 15%، وذلك بناء على توقعاتها بتسجيل التضخم 11.5% في عام 2027. ووفقا لحسابات منير، أدى تثبيت أسعار الوقود إلى خفض توقعاتها لمتوسط التضخم في الربع الرابع من 2026 إلى نحو 13% من توقعاتها السابقة البالغة 14.5%، في حين رفعت منير توقعاتها لمتوسط 2027 إلى 11.5% من 10.9%. وتعد هذه وتيرة تراجع أبطأ مما يشير إليه مستهدف البنك المركزي الجديد للربع الرابع من 2027.

أما دويتشه بنك الذي توقع أيضا تثبيت الفائدة عند 19% فأشار إلى العملة باعتبارها العامل الوحيد الذي قد يغير توقعاته، وكان قد رفع بالفعل توقعاته للتضخم بنهاية 2026 إلى 15.7% صعودا من 14.7%. ويرى دويتشه بنك أن دورة التيسير النقدي ستُستأنف في الربعين الأول والثاني من عام 2027 وليس قبل ذلك، وهو إطار زمني يبدو أكثر منطقية مما كان عليه يوم الاثنين الماضي بالنظر إلى قرار رفع الفائدة الأخير يوم الخميس.

وخارجيا، تسير الظروف عكس اتجاه الجنيه أيضا. فقد رفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس في سبتمبر لتصل إلى نطاق 3.75-4.00%، وقرر تثبيتها في 28 أكتوبر، مع اعتراض عضوين في اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة لصالح إقرار زيادة إضافية. وتتوقع وحدة "بي إم آي" البحثية أن يجري تداول خام برنت فوق مستوى 100 دولار للبرميل حتى عام 2027، مقارنة بنحو 75 دولارا توقعتها الحكومة في موازنتها. وكل هذه العوامل تجعل من الصعب الحفاظ على استقرار الجنيه دون تحمل تكلفة أعلى.

ماذا بعد؟ تعقد لجنة السياسة النقدية اجتماعها المقبل يوم 17 ديسمبر. وفي غضون ذلك، تتواجد بعثة من صندوق النقد الدولي في القاهرة لإجراء المراجعة الثامنة والأخيرة لبرنامج تسهيل الصندوق الممدد البالغة قيمته 8 مليارات دولار، والمراجعة الأخيرة ضمن تسهيل الصلابة والاستدامة، والذي تبلغ قيمته الإجمالية نحو 2.3 مليار دولار. وتهدف البعثة للتوصل إلى اتفاق على مستوى الخبراء ورفع المراجعتين إلى المجلس التنفيذي للصندوق قبل انتهاء برنامج الصندوق الممدد في 15 ديسمبر، مع صرف شريحة أخيرة تبلغ نحو 2.33 مليار دولار، وفقا لما صرحت به مديرة التواصل بالصندوق يوم الخميس.

مطالب الصندوق معلنة وتتقاطع مع الخطوة التي اتخذها البنك المركزي يوم الخميس؛ إذ ستركز المراجعات على "الحفاظ على سياسة نقدية تقييدية" وخطة الضبط المالي، إلى جانب تعزيز الإيرادات للحد من مخاطر الديون، فضلا عن تقييم مدى التقدم في تنفيذ الإجراءات الهيكلية، المتمثلة في تسريع وتيرة برنامج الطروحات الحكومية، وتنفيذ سياسة ملكية الدولة، وتكافؤ الفرص، وتعزيز الحوكمة في الشركات المملوكة للدولة.

والمؤشرات التي ستحسم قرار البنك في ديسمبر محدودة، وتتمثل في مدى تباطؤ التضخم الشهري وصمود الجنيه تحت مستوى 56 جنيها للدولار. وتمنح الاحتياطيات البنك المركزي متسعا من الوقت للتريث (بلغ صافي الاحتياطيات الأجنبية 57.35 مليار دولار بنهاية سبتمبر)، غير أن هذا المصد — شأنه شأن مصد الفائدة — يعتمد بالأساس على استمرار التدفقات النقدية. وقد أنهى الجنيه تداولات الأسبوع الماضي عند 56.12 جنيها للدولار، وستكون جلسة تداولات اليوم أول جلسة كاملة منذ صدور القرار، لذا لا يوجد حتى الآن ما يؤكد نجاح قرار رفع الفائدة.