الكتابة كفعل تمرد وخدمة عامة: في كتابه The Day the Pagers Exploded يقدم الطبيب الفلسطيني اللبناني هشام شيخ حسن شهادة استثنائية توثق الحرب الإسرائيلية الشاملة على لبنان في خريف 2024، التي بدأت بالصدمة المروعة لتفجيرات أجهزة النداء اللاسلكي وامتدت إلى اجتياح بري وقصف عنيف للجنوب والضاحية ونزوح واسع، في وثيقة وجودية وسردية شديدة الحساسية والعمق.
نظرة عامة: ينطلق الكاتب من قلب طوارئ مستشفيات بيروت ونطاق الضاحية الجنوبية ليضعنا عبر لغة حميمية ومشهدية في مواجهة مباشرة مع الأحداث، وكأننا نعيش التفاصيل لحظة بلحظة برفقته، في مواجهة قاسية ومفتوحة مع الجفاف التقريري لنشرات الأخبار العالمية وشاشات التلفزة، إذ يفكك تناول التاريخ والقصص الإنسانية في العالم العربي من حروب استعمارية ومقاومة وحزن وأغان لعقود طويلة، عبر عدسات المراسلين الغربيين وتأويلاتهم الاستشراقية وقرارات غرف الأخبار المؤسسية التي صنعت انعكاسا مشوها لواقع يتحول فيه الضحية إلى مصدر تهديد، بينما تمنح الاعتداءات صكوك البراءة التلقائية من وجهة نظر طبيب عاد إلى بيروت في عام 2023 بعد 24 عاما قضاها في التدريب والممارسة الطبية بين أستراليا وكندا ونيوزيلندا وأيرلندا.
يتجاوز السرد حدوده كيوميات حرب عادية ليصبح قراءة إثنوجرافية وتاريخية عابرة للأجيال، إذ يحمل حسن الذاكرة الحية لعائلته التي هجرت قسرا تحت تهديد السلاح من حيفا وصفد عام 1948 وسلكت الوديان نحو لبنان، ليرى المشهد ذاته يتكرر اليوم مع النبطية وصيدا والضاحية. يربط الكاتب بين الحاضر والماضي بنعومة متنقلا بين أشجار الزيتون التي حرمت القذائف شقيقه من جني محصولها في الجنوب، ومآذن القرى التي نحت جده النجار حجارتها بيده واليوم تجرفها الآليات العسكرية. هذا التتبع جعل من المكان شاهدا حيا، وحول القصف العنيف من مجرد ركام عشوائي إلى محاولة منهجية لمحو جغرافيا كاملة تحفظ أثر الأجداد.
ما أعجبنا: اعتمد الكاتب لغة حساسة ذات طابع سينمائي آسر تضع القارئ في قلب المشهد دون ابتذال، جامعا بين دقة الملاحظة الطبية والرقة الإنسانية الخالصة بلا متاجرة بالألم أو استعطاف، إذ لا ينقل الحدث كأرقام أو بيانات طوارئ جافة، بل عبر تفاصيل دقيقة وموجعة.
أحببنا أيضا إصرار النص على نزع صفة الضحية المستكينة وإعادة الفاعلية والكرامة لأهل المكان، إذ لا تظهر الشخصيات كتل بشرية مسلوبة الإرادة تنتظر الشفقة، بل كذوات فاعلة تصنع تضامنها المقاوم في تفاصيل الحياة اليومية.
رأينا النهائي؟ لا يقدم الكتاب مجرد يوميات طبيب عاين جحيم الحرب، بل وثيقة وجودية مشحونة بالغضب الصادق، الكبرياء والحب، بأسلوب ينتشل القارئ من مقعد المتفرج، ليضعه في مقام الشاهد الذي يرى ويلمس ثقل الواقع وكرامة الإنسان معا، رافضا الصمت والاستسلام، ومبرهنا على أن السرد النزيه والذاكرة الحية هما خط الدفاع الأول والأخير ضد محو التاريخ.
أين تقرأونه: النسخة الإنجليزية متاحة عبر مكتبة الجامعة الأمريكية بالقاهرة ومكتبات ديوان، والنسخة الرقمية متاحة عبر أمازون.