تعتمد مساعي مصر للتحول إلى مركز إقليمي للطاقة على تطوير شبكة الكهرباء القومية، إلى جانب تعزيز مساهمة القطاع الخاص لدعم توسع الشبكة وزيادة قدرتها الاستيعابية. وقد أجرينا حوارا حول هذه المساعي مع باكينام كفافي (لينكد إن)، الرئيسة التنفيذية لشركة طاقة عربية، ننشره على جزأين. تحدثنا كفافي في الجزء الأول عن توسع الشبكة لتلبية الطلب الجديد، والدور الذي يمكن أن يلعبه القطاع الخاص إلى جانب الدولة، وكيف تخطط طاقة عربية لأعمالها في قطاع الغاز في ظل تغير مزيج الإمدادات في مصر. أما الجزء الثاني، الذي ننشره الأسبوع المقبل، فيتناول خطط التوسع لدى طاقة عربية داخل مصر وخارجها.
إنتربرايز: أين تكمن أوجه القصور الفعلية في الشبكة؟ ومن واقع خبرتكم في تشغيل شبكات التوزيع وتطوير مشروعات التوليد، أين تتركز أبرز التحديات اليوم؟
باكينام كفافي: تتكون البنية التحتية للكهرباء من 3 عناصر، هي التوليد وشبكة النقل والتوزيع. ومن المفترض أن تتوسع هذه العناصر الثلاثة بالوتيرة نفسها، لكن تظهر مشكلات حين يسبق أحدها العناصر الأخرى. وتستهدف مصر رفع حصة الطاقة المتجددة في مزيج الطاقة إلى 42% بحلول عام 2030، وأكثر من 60% بحلول عام 2040. لكن رغم تدفق الاستثمارات إلى قطاعات توليد الكهرباء ونقلها وتوزيعها، يظل التطور متفاوتا بينها. والأولوية الآن هي تسريع تطوير الشبكة، وتوسيع قدراتها حيث يتزايد الطلب، وإنشاء ممر أخضر قادر على استيعاب مشروعات الهيدروجين الأخضر والطلب المستقبلي. ويدعم البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية وشركاء دوليون آخرون مشروعات كبرى في مصر مرتبطة بالطاقة والشبكة، بحزم تمويلية تبلغ قيمتها مئات الملايين من الدولارات.
إنتربرايز: تستثمر شركة طاقة عربية بالفعل في البنية التحتية لتوزيع الكهرباء وتشغلها في مصر. فإلى أي مدى يمكن توسيع هذا النموذج في أنحاء الدولة؟ وما الدور الذي ينبغي أن يؤديه القطاع الخاص في الشبكة؟
كفافي: يجب أن تظل الشبكة القومية للكهرباء مملوكة للدولة وخاضعة لتنظيمها، بينما يمكن للقطاع الخاص أن يسهم في تحديث الشبكة ورفع كفاءتها، عبر تحسين متابعة الأحمال ورصد الأعطال، إلى جانب المشاركة في أعمال الإنشاء والتشغيل والصيانة عبر نماذج عمل مثل نموذج البناء والتشغيل ونقل الملكية. أما مجالي التوليد والتوزيع فيمكن للقطاع الخاص تولي إدارتهما وتشغيلهما. كما ينبغي إعادة هيكلة شركات التوزيع التابعة للقطاع العام تمهيدا لخصخصتها مستقبلا. ونحن من أوائل الشركات الخاصة التي حصلت على ترخيص لتوزيع الكهرباء، ونواصل حاليا توسيع شبكتنا. ومع تزايد الطلب مدفوعا بمراكز البيانات والتقنيات الجديدة والسيارات الكهربائية، ينبغي أن تتطور شبكات التوزيع تطورا كبيرا لاستيعاب هذا النمو.
إنتربرايز: إلى أي مدى اقتربنا من إنشاء سوق للبيع المباشر للكهرباء؟
كفافي: تتخذ الحكومة خطوات في هذا الاتجاه. وهي تطبق بالفعل رسوما على نقل الكهرباء عبر الشبكة، لكنها لا تزال تقتصر حتى الآن على التعاملات بين شركات التوزيع وشركة نقل الكهرباء. ويجري حاليا دراسة نظام للتعامل بين كيانات القطاع الخاص، بحيث يمكن على سبيل المثال إنشاء محطة طاقة شمسية أو محطة رياح أو أي مشروع آخر لتوليد الكهرباء وربطه بالشبكة، ثم توصيل الكهرباء مباشرة للعميل وتحمل رسوم النقل، وإتمام عملية البيع مباشرة بين الطرفين. ولم يبدأ تطبيق هذا النظام بعد، لكنه قيد الدراسة وهناك خطة لتطبيقه. أما النظام المطبق حاليا فيتضمن تحديد سعر لنقل الكهرباء، أي تعريفة لنقل الطاقة عبر الشبكة بين الجهات الحكومية.
إنتربرايز: يتزايد الحديث عن إنشاء مراكز البيانات في مصر. فهل تستطيع طاقة عربية إمداد مركز بيانات بالطاقة على مدار الساعة؟
كفافي: مصر أمامها فرصة قوية لتصبح مركزا إقليميا لمراكز البيانات، بفضل موقعها الجغرافي وبنيتها التحتية القابلة للتوسع. وتمثل الكهرباء والتبريد نحو 65% من احتياجات مركز البيانات، ما يجعل توافر إمدادات الطاقة المستقرة بأسعار مناسبة ضرورة أساسية للحفاظ على تنافسية مراكز البيانات. ويمكن للطاقة المتجددة أن تساعد في خفض التكاليف، كما يساعد نموذج البيع المباشر بين كيانات القطاع الخاص على تلبية الاحتياجات الهائلة لمراكز البيانات من الكهرباء، وهو نهج ندرسه حاليا.
إنتربرايز: كيف تخططون لأعمال توزيع الغاز وسط حالة عدم اليقين بشأن الإمدادات؟ وما أثر التغيرات في توفير الغاز محليا على عملائكم من المصانع وعلى قراراتكم الاستثمارية؟
كفافي: يمثل عدم اليقين بشأن إمدادات الغاز تحديا عالميا، لكن مصر تستفيد من 3 مصادر، وهي الإنتاج المحلي وواردات الغاز الطبيعي المسال والواردات عبر خطوط الأنابيب من الدول المجاورة، وهي أقل تأثرا باضطرابات الشحن البحرية. ويُستهلك نحو 60-65% من الغاز في توليد الكهرباء، لذا فإن رفع حصة الطاقة المتجددة إلى 42% من مزيج الكهرباء بحلول الفترة 2028-2030 سيوفر الغاز للصناعة والزراعة وغيرها من الأنشطة الأعلى قيمة، مما يقلل الاعتماد على الواردات. ومع تراجع إنتاج الحقول المحلية بمرور الوقت، شجع سداد المستحقات المتأخرة لشركات النفط العالمية على استئناف أنشطة الاستكشاف. وحتى الاكتشافات الأصغر حجما يمكن أن تساعد في تعويض تراجع الإنتاج.
وبالنسبة لعملائنا، فهذا يعني أننا لا نعتمد على الغاز وحده. إذ نقدم مزيجا متكاملا من الغاز والطاقة المتجددة والديزل والحلول المرتبطة بالشبكة أو المستقلة عنها، كما ندرس استخدام الغاز الحيوي. ونفذنا أيضا أول مشروع تجريبي لنا مع الهيئة المصرية العامة للبترول لالتقاط غاز الشعلة وتحويله إلى كهرباء. وهذه التقنيات الجديدة ربما تكون مكلفة، كما أن السعر يظل عاملا مهما للعملاء، لذا نركز على المزج بين المصادر واستخدام الأنظمة الهجينة لخفض التكلفة الإجمالية.
إنتربرايز: هل يهدف استثماركم البالغ 1.4 مليار جنيه في مستودع للوقود بالقاهرة الكبرى إلى تأمين الإمدادات لمحطاتكم وخفض تكاليف النقل، أم تخططون أيضا لتقديم خدمات التخزين لأطراف أخرى؟
كفافي: كل ما سبق. فهناك طلب قوي على المستودعات الحديثة التي تُقام وفق أعلى معايير الكفاءة. وتتمثل خطتنا الخمسية في إنشاء شبكة من المستودعات تؤمن الإمدادات لمحطاتنا، وفي الوقت نفسه تخدم جهات أخرى. ونختار مواقعها بالقرب من الموانئ والمراكز اللوجستية، مما يسهل النقل ويمنحنا القدرة على الاستيراد إذا سمحت قواعد السوق بذلك. استحوذنا على مستودعنا الأول في السويس وطورناه لتغطية منطقة البحر الأحمر، ثم طورنا مستودع العامرية الذي يغطي الإسكندرية والدلتا. ويعد مستودع القاهرة الكبرى مستودعنا الثالث، إذ حصلنا على موافقة مجلس الإدارة وخُصصت الأرض وتجري دراسة المشروع حاليا. أما المستودع الرابع فسيكون في أسيوط على نهر النيل، حتى نتمكن من نقل الوقود عبر الصنادل النهرية بدلا من الاعتماد الكامل على الشاحنات. وبهذا نتوسع تدريجيا، مستودعا تلو الآخر، ونُشغِّل كل مستودع لمدة عام أو عامين حتى تستقر عملياته قبل الانتقال إلى المشروع التالي.