يتطلب نقل الكهرباء عبر حدود مصر نقلها أولا داخل البلاد. فبوسع محطات الغاز ومشروعات الطاقة المتجددة توفير الكهرباء، وقريبا ستفعل ذلك أيضا المفاعلات النووية. غير أن تحويل هذه الإمدادات إلى تجارة إقليمية يتطلب شبكة محلية قادرة على نقلها بين المحطات وإلى المستهلكين المصريين وعبر الحدود، حتى خلال أوقات الضغط.
وتعتمد كل الصفقات على هذه الشبكة؛ إذ يحتاج التصدير إلى قدرات توليد وإلى مسار يصل إلى الحدود، فيما يحتاج الاستيراد إلى مسار ينقل الكهرباء من الحدود إلى المستهلكين الذين يحتاجونها. أما نقل الكهرباء عبر مصر من سوق إلى آخر فيتطلب الأمرين معا.
💡 المسألة تتعلق بثلاثة أنواع من القدرات في الوقت ذاته. تقيس قدرات التوليد ما يمكن لمحطات الكهرباء إنتاجه، فيما تحدد قدرات النقل كمية الكهرباء التي تستطيع الشبكة نقلها بأمان. أما قدرات الربط الكهربائي فتضع الحد الأقصى الفعلي لمشاركة الكهرباء مع دولة أخرى، لكن الكمية التي يمكن تداولها فعليا تتوقف على القدرات الثلاث معا.
كما أن الوقود والشبكات يمثلان قيودا مختلفة. فالمحطات العاملة بالغاز يمكن أن تكون متصلة بالشبكة وجاهزة للتشغيل، لكنها غير متاحة لتصدير الكهرباء بسبب شح إمدادات الوقود. وفي المقابل، لا يعني تأمين الغاز بالضرورة أن الشبكة قادرة على نقل الكهرباء إلى الوجهة المطلوبة.
أضف إلى هذا أن موقع إمدادات الكهرباء لا يقل أهمية عن حجمها. فقدرات التوليد المتاحة في منطقة ما من مصر لا يمكنها تلقائيا تلبية متطلبات التصدير في منطقة أخرى، لأن حجم الكهرباء الإضافية التي يمكن للشبكة نقلها يتحدد بالخطوط ومحطات المحولات الفرعية على امتداد كل مسار. كما يتعين أن تواصل الشبكة عملها إذا تعطلت محطة كهرباء كبرى أو خط نقل رئيسي. وحجم الكهرباء الممكن تداولها في حالة جاهزية جميع الأصول ربما يكون أكبر من قدرة الشبكة في حالات الأعطال أو زيادة الطلب المحلي، أو حين نأخذ في الاعتبار الاحتياطيات اللازمة للحفاظ على استقرار المنظومة.
إتاحة الشبكة تحدد من يجني الأرباح
توسع الشبكة يتيح أيضا خيارات بشأن طريقة استخدامها. فزيادة قدرات النقل قد تتيح نقل المزيد من الكهرباء التي تشتريها الشركة المصرية لنقل الكهرباء وتعيد بيعها، وقد تسمح كذلك لعدد أكبر من المنتجين بالبيع مباشرة للعملاء مقابل سداد رسوم نقل الكهرباء عبر الشبكة. وبذلك فبينما يمكن للاستثمارات أن تنمي قدرات الشبكة، إلا أن قواعد استخدامها هي التي تحدد من يستطيع تحويل إمداداتها إلى نشاط تجاري.
وما زالت مساعي تحرير شبكة الكهرباء تخضع لقيود صارمة؛ فالإطار الذي نشره جهاز تنظيم مرفق الكهرباء وحماية المستهلك يضع حدا أقصى للمرحلة الأولى من المشروعات التجريبية لبيع الكهرباء مباشرة بين كيانات القطاع الخاص، ويبلغ هذا الحد 500 ميجاوات موزعة على 5 مشروعات، على ألا تتجاوز قدرة أي مشروع 100 ميجاوات.
كما أصبح استخدام الشبكة أكثر تكلفة؛ فقد ارتفعت رسوم استخدام شبكة النقل في وقت سابق من شهر أكتوبر الجاري إلى 0.15 جنيه لكل كيلووات ساعة بالنسبة للجهد الفائق، و0.27 جنيه للجهد العالي، و0.34 جنيه للجهد المتوسط، بزيادات بلغت نحو 113% و65% و80% على الترتيب. وبالنسبة للمنتجين والعملاء الذين سيتعاقدون مباشرة بمجرد السماح ببيع الكهرباء بين كيانات القطاع الخاص، باتت تكلفة نقل الكهرباء تمثل حصة أكبر من الفاتورة.
وإتاحة الشبكة على هذا النحو ستخفف أيضا من العبء التمويلي الملقى على كاهل الدولة. فإذا تمكن المطورون من القطاع الخاص من تمويل المحطات وبيع الكهرباء مباشرة للمشترين بالقطاع الصناعي، يمكن لمصر إضافة قدرات توليد جديدة دون أن تمول الدولة كل المشاريع أو تلتزم بشراء إنتاجها، بينما ستواصل الشركة المصرية لنقل الكهرباء تحصيل رسوم النقل عبر الشبكة القومية.
ماذا يعني ذلك؟ يحتاج أي مركز إقليمي للكهرباء إلى توفر القدرات وإبرام صفقات مجدية من الناحية الاقتصادية. فالمعيار ليس حجم قدرات التوليد أو عدد الحدود التي تعبرها الكابلات، بل كمية الكهرباء التي تستطيع الشبكة المحلية نقلها باستقرار مع تلبية الطلب المحلي، وما إذا كانت العقود وترتيبات التسعير تسمح باستخدام هذه القدرات حين يسهم تداول الكهرباء في خفض التكلفة.
نظرة أشمل: تمتلك مصر بالفعل المقومات اللازمة لتصبح مركزا إقليميا للطاقة، من فائض في القدرات يتجاوز ذروة الاستهلاك، والمشروعات التوسعية في الطاقة المتجددة التي ستوفر الغاز للصناعة، وسلاسل التوريد القادرة على تحمل الصدمات، ورؤوس الأموال الخاصة المستعدة لمشاركة الدولة، إلى جانب مشروعات الربط الكهربائي مع الدول المجاورة. لكن تحول الدولة فعليا إلى مركز للطاقة يتطلب أن تعمل جميع هذه المقومات كمنظومة واحدة.