يحتاج أي مركز لوجستي إلى بنية تحتية قادرة على الصمود في أسوأ الظروف، وهو المعيار الذي باتت الموانئ والمستودعات وشبكات التوزيع في مصر تخضع له الآن. فعلى مدى سنوات، كانت جودة الموانئ تُقاس بنقلها للبضائع بسرعة، وجودة المستودعات تعتمد على تفريغها. أما الاختبار اليوم فصار قدرة الموانئ والمستودعات على الاستمرار في نقل الوقود والبضائع حين تُغلق الطرق وترتفع التكاليف. وعن ذلك يقول وولفجانج ليماخر، الرئيس السابق لقطاع سلاسل التوريد والنقل في المنتدى الاقتصادي العالمي، إن ما تحقق حتى الآن هو "طبقة مكلفة من الخدمات اللوجستية الاحتياطية، وليس إعادة تصميم هيكلية للتجارة العالمية".
يبدأ التحول من أسس المنافسة بين الموانئ؛ إذ يقول ليماخر إن "سرعة العمليات لا تزال مهمة، لكن الموانئ التي تركز على المرونة تنافس أيضا بناء على قدرتها على استيعاب المخاطر". ويعني ذلك توفير ساحات تخزين واسعة ومستودعات جمركية، والارتباط بالسكك الحديدية والطرق، حتى لا يؤدي تعطل السفن إلى شل سلاسل التوريد الداخلية.
خضعت شبكة الطاقة في مصر لهذا الاختبار بالفعل؛ فعندما استهدفت مسيرة سفينة إنرجوس وينتر في دمياط في يوليو الماضي، توقفت إحدى المحطات الأربع لإعادة التغويز عن العمل في وقت ذروة الاستهلاك. ولأن المحطات الأربع موزعة بين البحرين المتوسط والأحمر، جرى تحويل الشحنات إلى ميناء العقبة الأردني، ورفعت مصر تدفقات الغاز الإسرائيلي الواردة إليها عبر خطوط الأنابيب إلى حدها الأقصى، فيما غطت بقية الاحتياجات عبر شحنات زيت الوقود الفورية. ورغم أن توزيع المحطات جغرافيا بهذا الشكل يكلف الدولة أكثر من تجميعها في مكان واحد، فإنه حافظ على استمرار الإمدادات حين تعطلت إحداها.
ويمتد المنطق نفسه إلى عمليات التخزين؛ إذ وافق مجلس إدارة شركة طاقة عربية على إنشاء مستودع للمنتجات البترولية في القاهرة الكبرى باستثمار يبلغ 1.4 مليار جنيه، ليضاف إلى محطتي الشركة في السويس (بسعة 18 مليون لتر) والإسكندرية (بسعة 25 مليون لتر).
وتسير الموانئ على النهج ذاته فيما يخص الحاويات؛ إذ افتتحت شركة موانئ دبي العالمية في يوليو الماضي ما تصفه بأنه أول مركز توزيع لوجستي متكامل في مصر، داخل منطقة السخنة اللوجستية التابعة لها والممتدة على مساحة 300 ألف متر مربع، ويستهدف ذلك المركز الشركات الراغبة في الاحتفاظ بمخزونها داخل مصر. كما استثمرت شركة إيجيترانس 310 مليون جنيه في سلسلة خدماتها الممتدة من الموانئ إلى المستودعات خلال النصف الثاني من العام، وشملت تلك الاستثمارات ساحة للشاحنات في بورسعيد على مساحة 114 ألف متر مربع، ومستودع في العين السخنة على مساحة 17 ألف متر مربع.
لكن حسابات شركات الشحن مختلفة؛ إذ بدأت شركة يانج مينج ومعها بقية أعضاء تحالف بريمير ألاينس في العودة إلى قناة السويس بسبب تكاليف الوقود وليس تحسن الأوضاع الأمنية، وفقا لأحمد مصيلحي، مدير تطوير الأعمال في شركة فينمار. وأضاف لنا أن "القفزة في أسعار وقود السفن جعلت المسار الأطول يضغط على الحسابات الاقتصادية للعمليات، وبات هذا الاعتبار الآن يحظى بالأولوية على المخاوف الأمنية".
ولا يعني طول فترات بقاء الحاويات أن الشركات قررت الاحتفاظ بمخزون أكبر؛ ففي مستودعي شركة أركاس مصر لخدمات المستودعات في الإسكندرية، ارتفعت فترات بقاء الحاويات جزئيا لأن شركات الشحن تولي الأولوية للحاويات التي ستسلك المسارات الأطول ذات أسعار الشحن الأعلى، وفقا لمصيلحي. أما في السخنة، فقد ارتفعت هذه الفترات خلال الصيف، ثم عادت إلى مستوياتها الطبيعية بعد أن بدأت شركات الشحن في إعادة الحاويات الفارغة إلى آسيا.
وتكتسب هذه المسألة أهميتها لأن المرونة لها تكاليف مستمرة حتى في غير حالات الطوارئ، إذ تخصص الشركات أموالا "لرأس المال العامل المحبوس في المخزونات الاحتياطية، والذي يسدد كذلك التكاليف الأعلى للاحتفاظ بالشحنات، والرسوم الإضافية التي تفرضها شركات الشحن"، وفقا لليماخر، الذي أضاف أن الحل يكمن في الاتفاق مسبقا على الرحلات البديلة وأسعار المناولة والنقل البري، فدون الاتفاق المسبق على تقاسم التكاليف "تتحول المسارات البديلة إلى خلافات تجارية لا تنتهي خلال الأزمات".
الخلاصة هي أن الاستثمارات تتجه حاليا إلى شبكات النقل الداخلية، نحو "الممرات متعددة الوسائط والموانئ الجافة الداخلية والمراكز القريبة من نقاط الاختناق الرئيسية"، وفقا لليماخر، وأضاف أن المستثمرين وبنوك التنمية يفضلون "التخزين الجمركي وتطوير الروابط الداخلية المؤتمتة على مشروعات توسعة الأرصفة". ومع سعي شركات الشحن لتوفير الوقود واستمرار الشاحنين في الارتجال، فإن وتيرة تطوير البنية التحتية تحاول أن تسبق التغيرات الفعلية في نقل البضائع، وهذا هو ما سيحدد ما إن كانت هذه النفقات تمثل تكلفة باهظة أم خطوة استباقية حكيمة.