Posted inصنع في مصر

المراكز التجارية تراهن على المحلي، وكلمة السر؟ جيل زد

لطالما كانت الوصفة الناجحة لبناء مركز تجاري محليا أو إقليميا واضحة وبسيطة: جذب المستأجرين الرئيسيين من العلامات التجارية العالمية، وملء الممرات بعمالقة الأزياء السريعة مثل إنديتكس و"إتش أند إم"، وإنشاء مجمعات المطاعم التقليدية، وهكذا دواليك. لكن تخلى بعض المطورين في القاهرة عن هذه الوصفة، وبنوا وجهات تجزئة مزدهرة تقوم على العلامات التجارية المحلية، ليعيدوا بذلك صياغة النموذج الاقتصادي لهذا القطاع.

نحو النمو

الصدمة: عندما فقد الجنيه نحو نصف قيمته في الأسابيع التي تلت قرار التعويم في نوفمبر 2016، واجهت الماركات العالمية المستأجرة لمساحات في المولات المصرية أزمة حقيقية، بينما صارت العلامات المحلية الأقل تأثرا بتكاليف الاستيراد في وضع أفضل بكثير. "كانت تلك اللحظة الأولى التي أدركنا فيها أهمية وجود العلامات التجارية المحلية، خاصة في أوقات الاضطرابات، فوجودها ميزة أساسية وليس عرضا لأزمة"، حسبما قال أشرف مقلد، الرئيس التنفيذي للشؤون التجارية في "مراكز" المطورة لمول العرب وديستريكت 5، لإنتربرايز.

جاءت جائحة كورونا لتؤكد ذلك، إذ عانت السلاسل الدولية مجددا في ظل شح العملة الصعبة وتأخر الشحنات واضطرار بعض المتاجر لإغلاق أبوابها، ما أبرز فرصة سانحة استغلتها الشركات المحلية. "بعد الجائحة، طرح فريق الإدارة ذلك السؤال الذي شكل ملامح ديستريكت 5: هل يمكن بناء مركز تجاري يقوم بالكامل على العلامات التجارية المصرية"، وفقا لما قاله نائب الرئيس التنفيذي لشركة مراكز داشا بدراوي، لإنتربرايز.

هذا التحول لم يكن مجرد خطوة تحوطية، حسبما أضاف الرئيس التنفيذي السابق للشركة باسل رمزي، فحتى قبل فرض القيود على الاستيراد، لاحظت الشركة تناميا في إقبال المستهلكين على المنتجات المحلية. وكان المصممون المصريون قد أضافوا مزيدا من الإبداع على الملابس والمجوهرات والمنتجات الجلدية والأثاث والإكسسوارات المنزلية، وبالنسبة للعلامات التجارية الجديدة فأسست حضورها أولا على إنستجرام، ثم طرحت منتجاتها في عدد قليل من متاجر التجزئة الصغيرة المتناثرة في أنحاء القاهرة.

تجربة أثبتت نجاحها

تشكل أول تجمع بارز للعلامات التجارية المحلية عندما افتتحت مراكز مشروع ديستريكت 5 عام 2022. صمم ذلك المشروع — الذي تبلغ مساحته 75 ألف متر مربع — منذ البداية ليقدم تجربة مختلفة، إذ يضم شوارع متعددة الاستخدامات مخصصة للمشاة ذات طابع صناعي، وساحات خارجية ومساحات عمل مشتركة، مستهدفا بالأساس المستهلكين الشباب الباحثين عن التجربة.

كان الرهان الحقيقي يكمن في استراتيجية اختيار المستأجرين، فبدلا من السعي وراء شركات التجزئة متعددة الجنسيات، بحثت مراكز عن العلامات التجارية المألوفة حتى بين فريق عمل الشركة من الشباب.

شرح لنا مقلد المستويات الثلاثة للتعامل مع العلامات التجارية في مراكز، الأول يضم أكثر من 80 علامة تجارية يستضيفها متجر "جو نيتيف" متعدد الأقسام، الذي يحتضن علامات الأزياء المحلية الناشئة. تأسست جو نيتيف على يد عمر أبو زيد، الذي ضمته مراكز إلى مشروعها من ورشته الواقعة في قبو فيلته بمدينة السادس من أكتوبر.

أما المستوى الثاني فهو "ديزاينر هب"، المساحة المؤقتة المرنة التي صممت لتكون مركزا للمصممين، إذ تتيح للعلامات التجارية القائمة على القنوات الرقمية وذات الحضور القوي على شبكات التواصل أن تختبر مدى رواج منتجاتها في المتاجر دون تحمل تكاليف تأسيسها كاملة. العلامات التي تحظى بإقبال كبير، تنتقل إلى متاجر مستقلة دائمة، مثل علامة "إن يور شو" التي حققت هذه القفزة مؤخرا. ولدى مراكز قائمة تضم حاليا ما بين 200 و300 علامة تجارية تنتظر دورها للمشاركة، في حين تعمل الشركة المطورة على مضاعفة مساحة المستوى الثاني.

صار مشروع ديستريكت 5 بذلك ركيزة أساسية لتوجه أوسع في مجال البنية التحتية لقطاع التجزئة، إذ افتتحت منصة لوكالي — التي تدير صالات عرض تضم علامات تجارية متعددة — افتتحت فرعها الثامن هناك في شهر مايو، في حين أشارت جو نيتيف إلى أن أداء متجرها هناك هو أبلغ دليل على اتساع قاعدة عملائها لتتجاوز جيل زد.

أثبتت معدلات الإقبال والإيرادات نجاح هذا النموذج، "اندهشت الكثير من العلامات التجارية المحلية من حجم الإقبال والمبيعات التي تحققها"، بحسب رمزي، كما حققت المكاتب الإدارية نسبة إشغال كاملة، لينضم الباحثون عن المساحات إلى قوائم انتظار، كما امتلأ موقف السيارات عن آخره لدرجة أن دفعت مراكز إلى العمل على بناء ساحات انتظار تحت الأرض ومبان مخصصة للسيارات لمواكبة الطلب.

على نفس الخطى

في الغرب: صمم مشروع أركان بلازا التابع لمجموعة بدر الدين بحيث يركز على العلامات التجارية المحلية منذ افتتاحه عام 2012. واليوم، تشكل العلامات المحلية نحو 85% من مستأجري المشروع متعدد الاستخدامات في قطاعي التجزئة والأغذية والمشروبات. "نؤمن بالعلامات التجارية المحلية ومن يديرونها"، حسبما قال الرئيس التنفيذي للمجموعة أحمد بدر الدين، لإنتربرايز.

يقدم مشروع أركان دعما تسويقيا للعلامات التجارية الجديدة، إلى جانب أسعارا تفضيلية وفترات سماح، كما يستضيف أسواقا مؤقتة شهريا، التقليد الذي حافظ عليه المشروع منذ أيامه الأولى. وقد أثبت هذا النموذج نجاحا كبيرا لدرجة أن مشروع بدر الدين المقبل المعروف باسم 205 سيخصص مناطق كاملة للعلامات التجارية المحلية.

.. وفي الشرق: وصل مشروع يو فنيوز التابع لشركة السويدي للصناعات إلى النتيجة ذاتها، لكن من منطلق مختلف، إذ أوضح الرئيس التنفيذي للعمليات أحمد السويدي أنه لم يخطط في البداية لدعم العلامات التجارية المصرية، بل كان هدفه بناء مكان يتيح للمستهلكين الاستمتاع بيومهم، على غرار وجهات مثل ذا جروف في لوس أنجلوس.

لكن عندما قيم فريقه العلامات التجارية التي ستقدم أفضل منتج وتجربة، تبين أن الغلبة دائما للشركات المحلية. "عندما تواصلت معنا علامة تجارية عالمية في ظل أسعار صرف الدولار الحالية، كنت أتساءل: ما الذي يجعلنا نأتي بمتجر تجزئة إلى مركزنا التجاري ليبيع أريكة بثلاثة ملايين جنيه، في حين أن البديل المحلي بنفس الجودة؟"، بحسب السويدي. لذا أصبحت جميع العلامات التجارية في مجمع الأثاث هناك علامات مصرية خالصة، وكذلك متاجر الأزياء بالمركز والغالبية العظمى من مطاعمه ومقاهيه.

"زد" محرك الطلب

سر نجاح هذا النموذج هو المستهلك، إذ يشير المطورون الثلاثة إلى الظاهرة ذاتها، وهي أن المستهلكين من جيل زد لا يشترون المنتجات المحلية لرخص ثمنها، بل لأنها أكثر عصرية وجاذبية، وقد بدأت الأجيال الأكبر سنا تحذو حذوهم. عملاء ديستريكت 5 مثلا أصغر سنا بكثير مما قد تجده في المراكز التجارية التقليدية، بحسب ما قاله بدراوي، لافتا إلى أن ابنته التي تدرس بمجال الأزياء في باريس تتجه فور عودتها إلى القاهرة مباشرة إلى جو نيتيف وديزاينر هب: "دعم العلامات التجارية المحلية صار الآن توجها وجزءا من ثقافة الشباب، وهو توجه مستمر في التوسع".

الجودة تواكب التطلعات: لم يعد العملاء يدخلون هذه المتاجر بوازع من دعم المنتج المحلي فحسب، وإنما لمعاييرها عالمية ونماذجها الاقتصادية الأكثر مرونة وتحررا من أعباء تكاليف الاستيراد ومخاطر تقلبات العملة، بحسب السويدي. في الوقت ذاته، أضاف بدر الدين أن المنتجات المحلية تكون أحيانا أغلى من بعض خيارات الأزياء السريعة، لكنها تحظى بتقدير أكبر، وتعتبر أكثر رقيا ومواكبة لأحدث صيحات الموضة.

الخطوة التالية

البناء للمستقبل: تستعد مراكز لاستضافة منتدى الأزياء المصري في الربع الأخير من العام، الذي يمثل مساحة تستهدف العلامات التجارية لاكتساب خبرات في التصميم والتسويق وإدارة سلاسل التوريد. كما سيفتتح مشروع 205 التابع لأركان مرحلته الأولى في الربع الأخير أيضا، وهو مشروع متعدد الاستخدامات يعادل مساحة أركان بلازا 10 مرات، وتروج له الشركة باعتباره نسخة وسط البلد بالنسبة لغرب القاهرة. أما السويدي للصناعات فتتطلع لتوسعة مشروع يو فنيوز في غرب القاهرة وربما الساحل الشمالي.

العلامات: