هل يستحوذ الذكاء الاصطناعي على وظائفنا؟ تعدنا تلك التقنيات بأتمتة الأعمال الروتينية، ورفع إنتاجيتنا، وإحداث تغيير جذري في طريقة اتخاذ المؤسسات لقراراتها. لكن بينما تتسابق الشركات لدمج الذكاء الاصطناعي في عملياتها، يبرز سؤال أكثر تعقيدا: ماذا سيحدث لمن يديرون هذه العمليات؟ وكيف يمكن بناء فريق ناجح في وقت تتغير فيه المهارات والإجراءات، بل وطبيعة اتخاذ القرار نفسها؟
لم تُحسم بعد الاحتمالية التي يخشاها الجميع أكثر من غيرها، ألا وهي أن تحل تلك التقنيات محل الموظفين. وإنما الأرجح أننا في المستقبل سنعيد النظر في طريقة عملنا، حسبما اتفق المشاركون في حلقتنا النقاشية، وهم تود ويلكوكس، الرئيس التنفيذي ونائب رئيس مجلس إدارة بنك "إتش إس بي سي مصر"، وعمر خشبة، الشريك الإداري في شركة ألجبرا فينتشرز، وخليل البواب، الرئيس التنفيذي للأسواق المحلية والإقليمية في شركة بلتون القابضة.
فمن المستبعد أن يتسبب الذكاء الاصطناعي في موجة تسريح فورية للعمالة، خاصة في القطاعات الخاضعة لرقابة صارمة مثل الخدمات المالية، لكنه سيغير المهارات المهمة في نظر الشركات وطريقة تدريبها للموظفين الجدد. كما ستحتاج الشركات في جميع القطاعات إلى تحديد حجم المسؤولية التي تستعد لإسنادها إلى الآلات.
ذلك أن الذكاء الاصطناعي قادر على تحديد المشكلة، لكن حلها لا يزال بيد البشر. ففي بنك "إتش إس بي سي مصر"، يساعد الذكاء الاصطناعي بالفعل في الكشف عن مشكلات تشغيلية كان من الصعب رصدها بوضوح قبل ذلك. وضرب ويلكوكس مثالا بمركز الاتصال التابع للبنك، الذي يتلقى آلاف المكالمات من العملاء يوميا، إذ ظل البنك لسنوات يراكم بيانات هذه المكالمات دون أن يتمكن من تحديد الأسباب الكامنة وراء الشكاوى المتكررة.
ويقول ويلكوكس إن البنك "تمكن من بناء نموذج ذكاء اصطناعي داخلي لفحص جميع البيانات التي جمعناها على مدار السنوات الخمس الماضية"، مضيفا أن هذا أتاح لهم أن يتساءلوا عن "السبب الجذري للشكاوى واتصالات العملاء وآثارها"، ثم ربطوا ذلك بإجراءات البنك بعد إضافتها جميعا في محرك الذكاء الاصطناعي. وبذلك نجح النظام في تحديد مشكلات تشغيلية بعينها تدفع العملاء إلى الاتصال، من بينها إجراء واحد يتسبب في 5% من المكالمات.
غير أنهم واجهوا تحديا غير متوقع؛ إذ انبهر الفريق بما كشفته التكنولوجيا إلى حد كاد يصرفه عن الهدف الحقيقي، وهو حل المشكلة. وقال ويلكوكس عن ذلك: "أعتقد أن هناك خطرا في الانغماس في البيانات والهالة المحيطة بالذكاء الاصطناعي إلى درجة أن ننسى أن لدينا عملا يجب إنجازه".
الدرس المستفاد من ذلك أن الذكاء الاصطناعي يستطيع استخلاص الرؤى بسرعة غير مسبوقة، لكن على المسؤولين التنفيذيين أن يواصلوا التدقيق في هذه النتائج، وتحديد كيفية التعامل معها، وتحمل المسؤولية عن عواقبها. وحذر ويلكوكس قائلا إنه "في حالة ضعف الحوكمة وغياب المساءلة، فإن ذلك سيقودك ببساطة إلى اتخاذ قرارات سيئة بوتيرة أسرع".
هل تستفيد الشركات إذن من الذكاء الاصطناعي بأقصى قدر ممكن؟ يرى خشبة أن الشركات لم تستغل سوى قدر ضئيل من إمكانات الذكاء الاصطناعي. فاستخدام تلك التقنيات في التحضير للاجتماعات أو صياغة المستندات مفيد بالطبع، لكن إمكاناتها الحقيقية تكمن فيما يسميه "أنظمة التقدير". ذلك أن برمجيات المؤسسات التقليدية مثل سيلزفورس وساب صُممت لرصد ما يحدث داخل المؤسسات، لكنها تعجز عموما عن تحديد أسباب اتخاذ القرارات.
وهذا السياق الغائب قد يكون من أثمن الأصول في أي شركة. لذا يرى خشبة أنه على المؤسسات ألا توثق فحسب القرارات والمهام المطلوبة، بل أيضا المبررات والنقاشات والمفاضلات التي أدت إلى تلك القرارات. وأشار إلى نظام أوبن برين الذي طوره بنفسه لتوثيق طريقة تقديره للأمور، باعتباره مثالا على كيفية تمكين الذكاء الاصطناعي من الاطلاع على الخبرات المتراكمة والبناء عليها.
بالتالي فإن أكبر استغلال لإمكانات الذكاء الاصطناعي يقوم على بناء ذاكرة مؤسسية، تتيح لتلك التقنيات فهم الطريقة التي تقدر بها المؤسسة الأمور المختلفة، بما في ذلك الاستثناءات التي تقرها، والعملاء الذين تمنحهم الأولوية، والظروف التي تؤثر في قراراتها. ويقول خشبة إن "هذا هو ما يتميز به الموظفون أصحاب الخبرة عن الموظفين الجدد. فليست لديهم بنية إدراكية مختلفة، وإنما فهم أفضل لكيفية تقدير المؤسسة للأمور".
لكن إلى أي مدى ينبغي للشركات أن تفوض الذكاء الاصطناعي في اتخاذ القرارات؟ يرى خشبة أن ذلك يجب أن يتحقق تدريجيا، بمنح الذكاء الاصطناعي مزيد من المسؤوليات كلما زادت ثقة الشركة في مخرجاته، مع الإبقاء على الإشراف البشري وآليات الرقابة والضوابط.
وبالنسبة للمسؤولين التنفيذيين بقطاع البنوك والخدمات المالية اللذين شاركانا ذلك الحوار المفتوح، فالمساءلة أمر غير قابل للتفاوض. إذ أوضح البواب أن بلتون تنظر إلى الذكاء الاصطناعي كما لو كان موظفا جديدا، يحتاج إلى التدريب والإشراف وأن تكون له مسؤوليات واضحة قبل أن يُوثَق به في المهام الحيوية. وهذا هو الفرق بين استخدام الذكاء الاصطناعي لدعم القرارات والسماح له باتخاذها. ففي بلتون، يمكن للذكاء الاصطناعي المساعدة في تحليل الأسهم والصناديق وغيرها من الاستثمارات، لكن قرار الاستثمار النهائي يجب أن يظل بيد العميل. ويعود هذا الحذر جزئيا إلى القواعد التنظيمية، إذ أشار البواب إلى حساسية البيانات المالية للعملاء والقيود المفروضة على تخزينها، مؤكدا أن تبني هذه التكنولوجيا يجب أن يتقدم بالتوازي مع تطوير الأطر التنظيمية.
وأبدى ويلكوكس المخاوف نفسها، مشيرا إلى أنه رغم قدرة الذكاء الاصطناعي على كشف الأنماط وتحسين عملية اتخاذ القرار، يظل المسؤولون التنفيذيون هم من يتحملون المسؤولية أمام المساهمين والعملاء والجهات التنظيمية. ولا يتعارض هذان النهجان بالضرورة، إذ اتفق خشبة على أن المسؤولية ينبغي أن تظل على عاتق البشر، لكنه رأى أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يتولى تدريجيا مزيدا من مسؤوليات اتخاذ القرار مع تطوير المؤسسات للأنظمة اللازمة للإشراف عليه.
سيؤدي الذكاء الاصطناعي بذلك عمل الموظف المبتدئ، فكيف ستدرب الشركات إذن الجيل القادم من القادة؟ كان من أبرز مخاوف المشاركين في الحلقة النقاشية مصير الموظفين حديثي التخرج، حين يتولى الذكاء الاصطناعي تلك المهام التي كانت تعلمهم عادة أساسيات العمل. وتذكر ويلكوكس خلال الحوار كيف تعلم العمل المصرفي من خلال تحليل القوائم المالية بنفسه وإجراء الأبحاث على القطاعات، وهي أعمال يستطيع الذكاء الاصطناعي الآن إنجازها في جزء يسير من الوقت. ويرى ويلكوكس أن هذه التمارين لم تكن مجرد مهام إدارية، بل ساعدت المصرفيين الشباب على بناء المعرفة الأساسية التي يحتاجونها لاتخاذ القرارات المعقدة في نهاية المطاف. لذا قال إنه "سيتعين علينا إعادة ابتكار طريقة تدريب المصرفيين الجدد"، مشيرا إلى الحاجة إلى برامج تدريب وتطوير جديدة.
ومن المرجح أن تتغير المهارات التي يبحث عنها أصحاب العمل. فيتوقع خشبة أن يواصل سوق العمل مكافأة أصحاب المعارف الشاملة، إلى جانب من يتمتعون بقدرات تحليلية ومنطقية قوية، ويستطيعون التفكير بمنظور الأنظمة المتكاملة. ويتمثل التحدي أمام أصحاب العمل في ضمان ألا يقضي الذكاء الاصطناعي على فرص التعلم التي يحتاجها الموظفون لتطوير قدرتهم على التقدير، وهي قدرة تزداد قيمتها مع اختفاء الأعمال الروتينية.
أما بالنسبة لتأثير الذكاء الاصطناعي على حجم الفرق، فهو لن يؤدي بالضرورة إلى تراجع أعداد الموظفين، على الأقل ليس قبل نهاية عام 2027. فعند سؤال المشاركين في الحوار عما إذا كانت مؤسساتهم ستوظف عددا أكبر أو أقل مقارنة بنهاية العام الجاري، أبدوا تفاؤلا عاما بشأن أعداد الموظفين، وإن كانوا قد توقعوا تغيرات كبيرة في التوصيفات الوظيفية.
وتوقع ويلكوكس أن تظل القوى العاملة في "إتش إس بي سي مصر" مستقرة إلى حد كبير، مع تحول الموظفين من أداء المهام الروتينية إلى تولي مسؤوليات ذات قيمة أعلى. وبالمثل، يتوقع خشبة أن يطال التغيير طبيعة العمل نفسها، لا مستويات التوظيف عموما. أما بلتون فقد تتجه إلى توظيف المزيد من الأشخاص، إذ قال البواب إن التحول الرقمي والتحاق العملاء بمنصات الشركة رقميا يوسعان قدرتها على الوصول إليهم، مما يخلق فرصا للنمو في ظل تحسن الكفاءة بفضل الأتمتة.
كما أن بعض العملاء لا يريدون لتجربتهم أن تكون رقمية بالكامل. ويقول البواب عن ذلك إن "الجيل زد وجيل ألفا لا يرغبان على الأرجح في التحدث إلى موظفين بشريين، لكن العملاء من أصحاب الثروات الكبيرة والضخمة سيحتاجون بالتأكيد إلى العنصر البشري".
الخلاصة: قد يصبح الذكاء الاصطناعي عضوا دائما في فرق العمل، لكن هذا لا يعني اختفاء البشر من المعادلة. وستزيد مع الوقت أفضلية المؤسسات القادرة على الجمع بين سرعة الذكاء الاصطناعي وقدراته التحليلية من جهة وبين التقدير البشري والمساءلة والقدرة على التكيف من جهة أخرى.
للاطلاع على نص الحوار بالكامل، اضغط هنا.