Posted inالخبر الأبرز هذا الصباح

المحللون يرجحون تثبيت الفائدة الخميس وخيار الرفع لا يزال مطروحا

يرجح معظم المحللين أن يبقي البنك المركزي المصري على أسعار الفائدة دون تغيير خلال اجتماع لجنة السياسة النقدية يوم الخميس المقبل، لاسيما بعد قرار الحكومة بتثبيت أسعار الوقود حتى ديسمبر، وهو ما ساعد في كبح التضخم في الوقت الحالي. ويبلغ سعر العائد على الإيداع لليلة واحدة 19%، فيما سجل معدل التضخم العام في المدن 13.9% في سبتمبر الماضي، مما يوفر هامشا للفائدة الحقيقية يبلغ نحو 5.1 نقطة مئوية. ومع تجاوز سعر صرف الدولار حاجز 55 جنيها واتجاه المستثمرين الأجانب إلى بيع أدوات الدين المحلية، ينقسم المحللون حول المدة التي يستطيع البنك المركزي خلالها الإبقاء على أسعار الفائدة، قبل أن يضطر إلى رفعها مجددا لمواجهة الضغوط.

ما الذي تغير منذ الاجتماع السابق؟ سجل الدولار مستوى قياسيا جديدا عند 55.89 جنيه في البنك المركزي أمس الأحد، وذلك بعد أيام من تجاوزه حاجز الـ 55 جنيها للمرة الأولى يوم الخميس الماضي، متخطيا ذروته السابقة البالغة 54.73 جنيه المسجلة في 7 أبريل. وباع المستثمرون الأجانب والإقليميون أدوات دين محلية بصافي 1.13 مليار دولار بين الاثنين والأربعاء من الأسبوع الماضي، فيما بلغت معاملات الإنتربنك لتمويل التخارجات من سوق الدين الثانوية 3.1 مليار دولار خلال الأسبوع، وفقا لما ذكره مصدر مصرفي لنشرة إنتربرايز الصباحية. وتراجع أيضا مؤشر EGX30 بنسبة 3.56% أمس الأحد إلى أدنى مستوياته منذ مطلع أبريل، بينما سجل الأجانب صافي شراء محدود من الأسهم المدرجة الأسبوع الماضي. كذلك تتسارع وتيرة ارتفاع الأسعار على أساس شهري، إذ بلغ معدل التضخم العام 1.3% في سبتمبر مقابل 0.1% في أغسطس، وارتفع التضخم الأساسي الشهري إلى 0.8% من 0.3%، وفقا لبيانات البنك المركزي.

مبررات التثبيت

تتفق معظم بنوك الاستثمار على توقعات التثبيت؛ إذ ترجح شركة "إي إف جي هيرميس" الإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير، بالنظر إلى أن قرار تثبيت أسعار الوقود "سيبقي التضخم تحت السيطرة"، وفقا لما قاله محمد أبو باشا، كبير الاقتصاديين بالشركة، لنشرة إنتربرايز الصباحية. وأوضح أبو باشا أن تراجع الجنيه قد يزيد الضغوط التضخمية، "ولكن من المبكر الحكم على ذلك في ظل التقلبات المستمرة والمخاطر الجيوسياسية". ويتوقع منصف مرسي، العضو المنتدب ورئيس قسم البحوث في "سي آي كابيتال"، سيناريو التثبيت أيضا، مستندا إلى بيانات التضخم خلال الشهرين الماضيين، مضيفا أن "الأهم من ذلك" هو قرار لجنة التسعير التلقائي للمنتجات البترولية بتثبيت أسعارها حتى ديسمبر.

وترجح شركة "إتش سي لتداول الأوراق المالية" خيار التثبيت كذلك، إذ ترى هبة منير، محللة الاقتصاد الكلي بالشركة، في مذكرة بحثية (بي دي إف) اطلعت عليها نشرة إنتربرايز الصباحية، أن أدوات الدين المصرية لا تزال جاذبة للمستثمرين الأجانب. فقد سجل عائد أحدث طرح لأذون الخزانة لأجل 364 يوما 25.91%، ما يعادل عائدا حقيقيا بنحو 10.5% للمستثمرين الأوروبيين والأمريكيين بعد خصم الضريبة البالغة 15%، في حين تشير توقعاتها للتضخم إلى بلوغه 11.5% في عام 2027. وكان الجنيه قد فقد نحو 14% من قيمته أمام الدولار منذ بداية العام ونحو 5% خلال الشهر الجاري، حتى قبل تراجعه أمس الأحد. وقالت منير: "رغم أننا نرى موجة التراجع هذه مؤقتة، فإنها قد تستمر للأسف حتى نهاية العام". وأضافت أن عدم الاستقرار الجيوسياسي يزيد صافي التدفقات الأجنبية الخارجة، في ظل فاتورة واردات مصر الضخمة من الطاقة والقمح، والتزامات ديونها الخارجية، والمستحقات المتأخرة لشركات النفط الأجنبية. وبعد قرار تثبيت أسعار الوقود، خفضت منير توقعاتها لمتوسط التضخم في الربع الأخير من عام 2026 إلى نحو 13% من 14.5%، في حين رفعت توقعاتها لمتوسط 2027 إلى 11.5% من 10.9%.

ويصف هاني جنينة، رئيس قسم البحوث في الأهلي فاروس، رفع الفائدة بأنه "رفاهية لا تستطيع مصر تحملها". ويرى جنينة أن تسارع التضخم الشهري وتراجع الجنيه إلى مستوى قياسي وارتفاع أسعار الطاقة "ترجع في الغالب إلى عوامل مؤقتة، وليست نتيجة ضغوط نقدية"، مضيفا أن رفع الفائدة لتعويض المستثمرين الأجانب عن مخاطر تراجع العملة "سيكلف الاقتصاد ثمنا باهظا". وحتى لو جذبت الفائدة المرتفعة مزيدا من الأموال الأجنبية، فمن المرجح أن تحتفظ بها البنوك التجارية في الخارج ضمن صافي أصولها الأجنبية، وهو ما لن يخفف الضغط على الحساب الجاري. كما سيضغط رفع الفائدة على شركات التطوير العقاري الصغيرة والمتوسطة التي تعتمد على تمويل المشروعات، علما بأن كثيرا منها تواجه بالفعل صعوبات في تسليم الوحدات في ظل تباطؤ المبيعات وطول آجال التقسيط.

الموازنة ستتحمل الكلفة الأكبر. يقول جنينة إن أسعار الكوريدور تتجاوز بالفعل معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي الاسمي بنحو 500 نقطة أساس، إذ تستهلك مدفوعات الفوائد نحو 60% من إيرادات الحكومة المركزية رغم تحقيق فائض أولي بنسبة 4.9% في العام المالي 2025-2026. وأضاف أنه إذا طالب المستثمرون الأجانب بعوائد أعلى لتعويض مخاطر سعر الصرف، فإن العائد على سندات الخزانة سيرتفع تلقائيا في السوق الثانوية دون حاجة البنك المركزي إلى رفع أسعار الكوريدور.

وتتوقع الخبيرة الاقتصادية آيتن المرجوشي التثبيت أيضا، مستندة إلى هامش الفائدة الحقيقية والاحتياطيات القياسية البالغة 57.35 مليار دولار بنهاية سبتمبر الماضي، وإن كانت هذه المرونة "تظل مرهونة بتدفقات النقد الأجنبي وتطورات سعر الصرف". وترى المرجوشي أن رفع الفائدة لن يجدي نفعا يذكر في مواجهة تضخم مدفوع بارتفاع التكاليف العالمية. وتتفق معها الخبيرة المصرفية سهر الدماطي في أن التثبيت هو الخيار الأفضل، نظرا لتركيز البنك المركزي على احتواء التضخم الناتج عن شح العملة الأجنبية وارتفاع تكاليف الاستيراد. وقالت الدماطي لنشرة إنتربرايز الصباحية إن المعروض من العملة الأجنبية أقل كثيرا من الطلب، مشيرة إلى ارتفاع تكاليف الملاحة والشحن والتأمين في البحر الأحمر، وهو ما أضعف أداء الصادرات والسياحة وقلص إيرادات قناة السويس، إلى جانب ارتفاع أسعار الفائدة الأمريكية الذي يجذب استثمارات المحافظ نحو الولايات المتحدة.

مخاطر التثبيت

يرجح دويتشه بنك أن يبقي البنك المركزي على سعر الفائدة عند 19%، لكنه يرى أن تحركات الجنيه تمثل الخطر الأكبر على هذا السيناريو، وفقا لمذكرة بحثية (بي دي إف). وأوضحت المذكرة أن حيازات المستثمرين الأجانب من أذون الخزانة تجاوزت 25 مليار دولار بنهاية يونيو، لكنها تراجعت بنحو 13-14 مليار دولار في مارس 2026، وهو ما اعتبرته مؤشرا على حجم التدفقات التي يمكن أن تغادر السوق إذا تراجعت شهية المستثمرين مجددا. ويرى البنك أيضا أن تزايد الضغوط على الجنيه، لا سيما بالتزامن مع خروج استثمارات المحافظ، قد يدفع البنك المركزي إلى رفع الفائدة لحماية هامش الفائدة الحقيقية. ورفع دويتشه بنك توقعاته للتضخم بنهاية عام 2026 إلى 15.7% من 14.7%، متوقعا أن ينعكس ضعف الجنيه على الأسعار بما يفوق أثر تثبيت أسعار الوقود، علما بأن هذه التوقعات تفترض تأجيل زيادة أسعار الوقود بنسبة 10-15% إلى الربع الأول من عام 2027.

ولا ترى المرجوشي احتمالا لرفع الفائدة إلا إذا تجاوز التضخم التوقعات وبدأت الفائدة الحقيقية في التراجع، بالتزامن مع تسارع وتيرة تخارج المستثمرين الأجانب. وقالت إن ارتفاع أسعار النفط والتوترات الجيوسياسية "يعززان مبررات الحذر، لكنهما لا يستلزمان بالضرورة رفع الفائدة فورا"، في ظل تداول خام برنت عند مستوى 116-117 دولارا للبرميل، مقابل 75 دولارا افترضتها الحكومة في الموازنة.

لكن ماجد فهمي، رئيس بنك التنمية الصناعية السابق، خالف هذه التوقعات، ليكون المحلل الوحيد ممن تحدثنا إليهم الذي توقع رفع أسعار الفائدة الخميس المقبل، وذلك للحد من تراجع تدفقات استثمارات المحافظ الأجنبية والحفاظ على جاذبية أدوات الدين المحلية مقارنة بالأسواق المنافسة. وقال فهمي لنشرة إنتربرايز الصباحية إن ارتفاع الدولار يزيد إجمالي احتياجات الاقتصاد من العملة الأجنبية فضلا عن تكاليف الاستيراد، نظرا لاعتماد مصر على استيراد جزء كبير من غذائها وطاقتها ومواد الخام ومستلزمات الإنتاج.

خفض الفائدة يبدو مستبعدا على المدى القريب

لا يتوقع أي من المحللين الذين ذكرت توقعاتهم إطارا زمنيا محددا أن يبدأ البنك المركزي خفض الفائدة خلال العام الجاري. إذ يرجح جنينة أن يُبقي البنك المركزي أسعار الفائدة دون تغيير حتى نهاية العام، في حين يتوقع دويتشه بنك استئنافا تدريجيا لدورة التيسير النقدي خلال النصف الأول من عام 2027، وإن كان يرى أن الظروف الحالية لا تترك مجالا واسعا لخفض الفائدة وقد تؤخر هذه الخطوة. أما المرجوشي فتبدو أكثر حذرا، إذ تقول إن "تراجع التضخم السنوي وحده لا يعني أن الوقت أصبح مناسبا لاستئناف التيسير النقدي"، مرجحة أن تكون النافذة الأكثر واقعية للخفض في النصف الثاني من عام 2027، بشرط تراجع التوترات الإقليمية. كما تشير إلى أن هذا التوقيت أبعد كثيرا مما كانت تتوقعه بعض المؤسسات الدولية، التي رجحت سابقا خفض الفائدة بما يتراوح بين 300 و400 نقطة أساس خلال العام المقبل.

ويبقى الاحتياطي الفيدرالي هو العامل الآخر الذي ينبغي متابعته. فبعد رفع الفائدة 25 نقطة أساس في سبتمبر الماضي إلى نطاق 3.75-4.00%، تشير التوقعات على نطاق واسع إلى تثبيتها في 28 أكتوبر الجاري، بينما يشير استطلاع أجرته وكالة رويترز إلى رفع آخر للفائدة في ديسمبر. وتتوقع المرجوشي رفع أسعار الفائدة الأمريكية في ديسمبر أو مطلع عام 2027، محذرة من أن ذلك قد يدفع المستثمرين إلى نقل مزيد من الأموال من مصر إلى الأصول الأمريكية. وترى الدماطي أن أي رفع جديد للفائدة من جانب الفيدرالي الأمريكي سيزيد الضغوط على الأسواق الناشئة ويجعل التعامل مع تحركات سعر الصرف أكثر صعوبة.