تدفع سوق الشركات الصغيرة والمتوسطة في البورصة المصرية بمزيد من الشركات إلى السوق الرئيسية. إذ انتقلت شركتا توسع للتخصيم وفيوتشر كير للصناعات الطبية إلى السوق الرئيسية خلال العام الحالي، ليصل إجمالي عدد الشركات المنتقلة إلى 12 شركة، وفق حساباتنا. وتعمل البورصة المصرية على تسهيل انتقال المزيد من الشركات ويبدو هذا الوقت مناسبا للتساؤل حول ما تعنيه هذه الخطوة للمستثمرين، لا سيما أن المعيار الرئيسي الحالي للانتقال إلى السوق الرئيسية يقتصر على حجم رأس المال.
يبدأ الانتقال إلى السوق الرئيسية من رأس المال المصدر والمدفوع. فبمجرد تجاوزه 100 مليون جنيه، يحق للشركة التقدم بطلب للانتقال، وتراجع البورصة الطلب قبل الموافقة عليه. أما إذا تجاوز رأس المال 200 مليون جنيه، يصبح الانتقال إلزاميا، وفقا لقواعد القيد والشطب الصادرة عن الهيئة العامة للرقابة المالية (بي دي إف). يقول محمد حازم، رئيس مجلس إدارة شركة توسع للتخصيم: "الانتقال إلى السوق الرئيسية مرتبط برأس المال، وليس قرارا اختياريا".
يفتح الانتقال إلى السوق الرئيسية بابا أمام شريحة أكبر بكثير من المشترين، بما في ذلك المؤسسات الاستثمارية التي تمنعها قواعدها من الاستثمار في أسهم الشركات الصغيرة والمتوسطة. كما يمنح هذه الشركات مكانا ضمن المؤشرات الرئيسية للبورصة المصرية. غير أن معايير القيد تكون أكثر صرامة؛ إذ يتطلب القيد في السوق الرئيسية وجود 300 مساهم على الأقل بعد الطرح مقارنة بـ 100 مساهم في بورصة الشركات الصغيرة والمتوسطة، وألا يقل عدد الأسهم المصدرة عن 5 ملايين سهم مقارنة بـ 100 ألف سهم. كذلك يُشترط ألا يقل صافي الربح قبل الضرائب في السنة المالية الأخيرة عن 5% من رأس المال المدفوع المطلوب، وهو شرط غير مطلوب في بورصة الشركات الصغيرة والمتوسطة، وفقا لقواعد القيد.
وتُبرهن تجربة شركة توسع للتخصيم على مدى سلاسة عملية الانتقال التي تحظى بها الشركات المستعدة. ونظرا إلى أنها شركة تمويل غير مصرفي تخضع بالفعل لرقابة الهيئة العامة للرقابة المالية، كانت توسع للتخصيم تصدر قوائم دخل ربع سنوية مدققة مع إفصاحات كاملة، وتدير هيكل مجلس الإدارة واللجان التي تحتاجها أي شركة مقيدة حتى قبل إدراجها، وفق ما أوضحه حازم. وأضاف: "كنا نستوفي المتطلبات بالفعل"، وكان التغيير الوحيد عند الإدراج هو تعيين مسؤول لعلاقات المستثمرين. وانتقلت الشركة إلى السوق الرئيسية في شهر يونيو، بعد 7 أشهر من إدراجها، إثر زيادة رأس مالها المصدر والمدفوع من نحو 87 مليون جنيه إلى الحد الأدنى المطلوب البالغ 100 مليون جنيه. ويؤكد حازم أن زيادة رأس المال كانت ستحدث في كل الأحوال: "كنت سأنفذها على أي حال".
تذكر- انضمت شركة فيوتشر كير هي الأخرى إلى السوق الرئيسية في أغسطس، في أعقاب مضاعفة رأسمالها إلى 115.2 مليون جنيه بعد أن قضت 14 عاما في بورصة الشركات الصغيرة والمتوسطة. وانتقلت أيضا شركتا فيركيم مصر للأسمدة والكيماويات ومجموعة بريميم للرعاية الصحية في يومين متتاليين من شهر سبتمبر 2025، وذلك بعد انتقال 5 شركات في عام 2024، وهو العدد الأكبر مقارنة بأي عام مضى. وبحلول سبتمبر 2025، وصل إجمالي عدد الشركات المنتقلة إلى السوق إلى 10 شركات، حسبما صرح به رئيس البورصة المصرية آنذاك إسلام عزام، خلال احتفالية قرع الجرس لشركة فيركيم.
ما الذي يتغير وما الذي يبقى كما هو؟
تتمتع كلتا السوقين بعدد من القواعد ذاتها. إذ تطلب كلتاهما تقديم قوائم مالية ربع سنوية مصحوبة بتقرير فحص محدود، وكذلك التقرير الربع سنوي حول هيكل المساهمين ومجلس الإدارة، وفقا لحازم. يتطابق أيضا الحد الأدنى لنسبة التداول الحر: 10% من أسهم الشركة المقيدة، مع حد أدنى يبلغ 5%. أما الشرط الوحيد المتعلق بالحوكمة، الذي يُطبق عند بلوغ رأس المال 100 مليون جنيه، فيتعلق بتشكيل لجنة مراجعة (تتكون من 3 أعضاء غير تنفيذيين على الأقل، على أن تكون غالبيتهم مستقلين، وأحدهم يتمتع بخبرة مالية ومحاسبية)، وهو ما لا تحتاجه الشركات المدرجة في بورصة الشركات الصغيرة والمتوسطة التي يقل رأس مالها عن هذا الحد. وتعني هذه القواعد أن سوق الشركات الصغيرة والمتوسطة في البورصة المصرية تتسم بصرامة أكبر من مثيلاتها في المنطقة، وفق قراءتنا؛ إذ تتطلب أسواق الشركات الصغيرة والمتوسطة في بلاد أخرى شروطا أقل. فعلى سبيل المثال، يتسم الإدراج في سوق نمو السعودية بأنه أسهل بكثير من الإدراج في السوق الرئيسية تداول.
من أجل هذا، يبدو الانتقال إلى السوق الرئيسية بمثابة تتويج لما بنته الشركة بالفعل. ويقول وائل عبد الله، الأستاذ المشارك بقسم التمويل في الجامعة الأمريكية بالقاهرة: "الانتقال هو شهادة على الأداء السابق، ولكنه لا يضمن الأداء المستقبلي". وأوضح أن الدراسات التي أجريت على الشركات المنتقلة من سوق الاستثمار البديل (AIM) في لندن إلى السوق الرئيسية، ومن بورصة الشركات الصغيرة في اليابان إلى القسم الأول في بورصة طوكيو، أظهرت أن أسعار الأسهم تتفاعل إيجابيا مع الإعلان عن الانتقال وتتحسن السيولة بشكل متواضع، مدفوعة بالأساس بتأهل تلك الشركات للإدراج في المؤشرات. إلا أن الأداء على المدى الطويل لا يتحسن بشكل مؤكد، لأن الشركات عادة ما تنتقل بعد مدة من الأداء القوي في المقام الأول.
كما تقدم الطريقة التي اتبعتها الشركة لزيادة رأسمالها معلومات أكثر أهمية للمستثمرين. في تعليقه لإنتربرايز، قال منصف مرسي، العضو المنتدب ورئيس قسم البحوث في "سي آي كابيتال"، إن اكتتاب قدامى المساهمين يضخ أموالا جديدة من شأنها تمويل التوسعات. وعلى النقيض من ذلك، تعد توزيعات الأسهم المجانية "أشبه بمعالجة محاسبية"؛ إذ تنقل الدخل الذي حققته الشركة على مدار سنوات من الأرباح المحتجزة إلى رأس المال المصدر والمدفوع. وأوضح أن الشركة قادرة على الاستمرار في النمو دون رأس مال جديد، ولكن "لن يكون لديك نفس التوقعات بشأن النمو المحتمل". وأضاف أن معظم حالات الانتقال تحدث من خلال إصدار حقوق اكتتاب، وهو النمط ذاته السائد في سوق نمو والسوق الرئيسية السعودية تداول.
وفي هذا السياق، يقول سامح غريب، خبير أسواق المال في شركة تايكون لتداول الأوراق المالية، إن المؤسسات تطبق معيارين أساسيين أينما يُتداول السهم، وهما: حجم التداول الحر للسهم، وسرعة دورانه. إذ إن أي صندوق استثماري ينظر إلى الشركة المنتقلة حديثا ذات التداول الحر المحدود وسجل الأوامر الضعيف، بنفس نظرته إلى أي شركة مدرجة منذ سنوات في السوق الرئيسية وذات تداول وأحجام محدودة.
تعظيم أهمية الانتقال
لطالما صُممت بورصة الشركات الصغيرة والمتوسطة لتكون نقطة انطلاق. وقد وصفها رئيس البورصة السابق أحمد الشيخ في عام 2024 بأنها حاضنة أعمال تقضي فيها الشركات من 3 إلى 5 سنوات لجمع رأس المال اللازم للتوسع، قبل انتقالها للسوق الرئيسية. وأشار الرئيس الحالي للبورصة عمر رضوان إلى انتقال شركة فيوتشر كير بوصفه دليلا على قدرة السوق على تجهيز الشركات الواعدة للسوق الرئيسية.
يفضل حازم أن يُقيم السوق بناء على مدى جودة تجهيزه للشركات، وليس استنادا إلى عدد الشركات المنتقلة منه. إذ يقول: "لا أريد أن تُعامل بورصة الشركات الصغيرة والمتوسطة على أنها منصة انطلاق، بل حاضنة أعمال". كما وصف السنوات التي تقضيها الشركة في السوق بأنها "فترة إعداد من ناحية الحوكمة وهيكل مجلس الإدارة وتثقيف المساهمين". ويضرب حازم بسوق نمو مثالا على السوق التي تستطيع الشركات البقاء فيه والنمو، دون توقع انتقالها في النهاية للسوق الرئيسية.
في السياق: تحاول البورصة المصرية توسيع قاعدة الشركات المقيدة. وفي أغسطس الماضي، وقع رضوان قرارا تنفيذيا بإعفاء أول 20 شركة تستكمل إجراءات القيد المبدئي في بورصة الشركات الصغيرة والمتوسطة بحلول 30 سبتمبر من رسوم الخدمات الإدارية، وشمل الإعفاء رسوم فحص طلبات الإدراج وضم الأوراق المالية إلى جداول البورصة، بالإضافة إلى مقابل نشر القوائم المالية. كما يُشترط أن تكون الشركات مرشحة من قبل جهاز تنمية المشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر بموجب بروتوكول تعاون بين الجانبين، وأن تقدم خطط عمل مدتها 3 سنوات معتمدة من أحد الرعاة أو المستشارين المعتمدين من الهيئة العامة للرقابة المالية، على أن يتابع قطاع الإفصاح بالبورصة مدى تنفيذها. ويمكن تمديد هذا الإعفاء لما بعد شهر سبتمبر بناء على النتائج المحققة.
ويرى عبد الله أن ما سيساعد بشكل أكبر حاليا هو تعزيز جانب المستثمرين. ويوضح أن أسواق الشركات الصغيرة الناجحة تتميز بقاعدة مستثمرين ملتزمة، وتحظى غالبا بدعم من الإعفاءات الضريبية التي يحصل عليها المستثمرون، بالإضافة إلى وجود مشرفين موثوقين يحرصون على سمعتهم، مثل المستشارين المعتمدين في سوق الاستثمار البديل (AIM)، والتدفق المستمر للشركات النامية، وموفري السيولة، والمسار الواضح الذي تحتاجه الشركات من أجل المضي قدما نحو الارتقاء إلى السوق الرئيسية. وقد أشار إلى أسواق مثل سوق الاستثمار البديل (AIM) في لندن وبورصة "تي إس إكس فينتشر" الكندية، وبورصة كوسداك في كوريا الجنوبية. ويضيف أن مصر تمتلك بالفعل نموذج الرعاة، لكنها لا تزال بحاجة إلى قاعدة المستثمرين التي تمنح هذا النموذج وزنه الكامل.
رأينا: تسير عملية الانتقال بسلاسة أكبر بالنسبة للشركات التي تضع الأساس السليم قبل انتقالها، وهو ما يتجلى في تجربة شركة توسع للتخصيم. إذ يفتح رأس المال المُصدر بابا أمام الشركة، لكن نسبة التداول الحر، وتوزيعات المساهمين، والتاريخ التداولي هي التي تثبت مدى استعدادها للسوق الرئيسية، وهي نفسها المعايير التي ينبغي متابعتها مع قدوم الموجة التالية من الشركات المنتقلة من سوق الشركات الصغيرة والمتوسطة بالبورصة المصرية.