Posted inصنع في مصر

ماذا تعني علامة "صنع في مصر" فعليا؟

عادة ما يقبل المستهلك المصري على شراء المنتج المحلي رغبة في دعم صناعة بلده، غير أنه كثيرا ما يدهش المرء منا حين يعود إلى بيته بمنتج ما، ثم يجد مدونا عليه أنه صنع في بلد آخر غير مصر. هذا لا يعني خللا في الصناعة أو غش تجاري مثلا، بل يعني ببساطة أن عملية الإنتاج المحلي ليست بهذه البساطة.

مستويات المنتج المحلي

يتصور المعظم أن العلامات المحلية تنفذ جميع العمليات المتعلقة بمنتجاتها من توريد وتصنيع وتسليم محليا، بيد أنه في واقع الأمر هناك أربعة توجهات مختلفة لتقديم المنتج المحلي، واحد منها فقط ينطبق عليه المفهوم الذي يدور في أذهان المشترين.

يأتي في الصدارة الشركات التي تصنع منتجاتها هنا بالكامل، أي تلك التي تعتمد على سلاسل توريد داخل مصر كليا في منتجاتها، بدءا من التوريد والمواد الخام وصولا إلى تصميم وتصنيع المنتج. وفي مجال الأزياء، تندرج ضمن هذه الفئة علامة رملة الفاخرة، وعلامة نبت للإكسسوارات المستوحاة من التراث. أما في قطاع الأثاث، فتعتمد شركتا "دي سي" للأثاث وبيسبوك على الإنتاج المحلي بالكامل، وفقا لتقرير الأولى لتحليل سوق الأثاث لعام 2026.

يلى ذلك فئة التجميع، وتضم الشركات التي تجمع منتجاتها في مصر لكنها تعتمد على مكونات مستوردة. ففي قطاع الأثاث، يستورد بعض المنتجين المحليين الهياكل الخشبية من الخارج، ثم يتولون أعمال التنجيد والتصميم في مصر، وهو نموذج يغطيه ملصق "صنع في مصر" كذلك. خلال شهر يناير الماضي وحده، استوردت مصر من الخشب ومصنوعاته ما قيمته 129.6 مليون دولار، وفقا لنشرة بيانات التجارة الخارجية الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء (بي دي إف). وفي مجال الأزياء لدينا كونكريت، التي تعد من أبرز العلامات التجارية في قطاع تجارة التجزئة للأزياء محليا، إذ تنتج الشركة كافة منتجاتها محليا عبر 3 مصانع تضم نحو 10 آلاف موظف، وتستخدم في ذلك المنسوجات المصرية، غير أنها تستورد نسبة من أقمشتها من إيطاليا، ما يضعها في الفئتين معا بحسب خط الإنتاج.

ثم تأتي فئة القيمين وتجار التجزئة، وهؤلاء يديرون أعمالا في مصر لكنها تبيع منتجات مستوردة من الخارج تحت علامة تجارية مصرية. الأكثر شيوعا في هذه الفئة هي حسابات إنستجرام المتخصصة في بيع الملابس والمنتجات أونلاين، التي زاد رواجها في الفترة الأخيرة. تستورد تلك المتاجر قطع الملابس الأساسية الجاهزة أو الإكسسوارات المنزلية، وتتركز منافذها الفعلية — إن وُجدت — في مناطق مثل النزهة الجديدة. تتبع بعض الكيانات الأكبر ذلك النموذج، إذ تشير شركة موشا هوم على موقعها الإلكتروني أنها تتعاون مع أكبر العلامات التجارية الرائدة عالميا في مجال تجهيز وفرش المنازل.

هناك فئة رابعة مشابهة، تتمثل في الشركات ذات العلامات التجارية المصرية التي تتولى تصميم وتسويق منتجاتها محليا، لكنها تصنعها بالكامل في الخارج، وتحديدا في تركيا أو الصين. ورغم أن هذه الفئة ليست محور تركيزنا هنا، فإنها تشبه فئة القيمين وتجار التجزئة من ناحية اقتصار شعار "صنع في مصر" في منتجاتها على نواحي التسويق.

بالأرقام

تتصدر فئة القيمين وفئة التجميع السوق، بحسب بيانات التجارة، فواردات مصر من السلع الوسيطة — السلع نصف المصنعة التي تعتمد عليها شركات التجميع — بلغت نحو 3.15 مليار دولار في يناير 2026، ارتفاعا من 2.9 مليار دولار قبل عام. وفي الشهر ذاته، استوردت مصر أحذية ونعال بقيمة 12.2 مليون دولار، وما قيمته 8.6 مليون دولار من الأثاث والمقاعد وحوامل الفرش، وفقا للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، وكانت تركيا ضمن كبار الموردين.

بالنسبة للعلامات التجارية المحلية، خاصة في قطاعي الأزياء والديكورات المنزلية، توجد عقبات تحول دون ارتقاء الكثير منها إلى مستوى التصنيع الكامل من الألف إلى الياء، يمكن تلخيصها في استيراد مصر لخيوط من الشعيرات والألياف النباتية والاصطناعية بقيمة 101.5 مليون دولار في شهر يناير وحده، رغم فخرنا بمكانتنا كمركز لإنتاج المنسوجات. لذا فإن العلامات التجارية قد تتولى التصميم والتجميع والخياطة والتعبئة على المستوى المحلي، لكنها غالبا ما تعتمد على أزرار وسحابات وأقمشة وقطع معدنية ومكونات أخرى نستوردها من الخارج. وبذلك، فإن علامة "صنع في مصر" تعبر في الأغلب عن القيمة المضافة للعمالة المحلية، وليس أن سلسلة التوريد محلية بالكامل.

معنى التصنيع الكامل

بالنسبة لمارينا عبد الشهيد، المؤسسة والمديرة الإبداعية لعلامة نبت، فقد تطلب الوصول إلى التصنيع الكامل محليا عامين كاملين من البحث في أزقة القاهرة عن الجلد الطبيعي والنحاس. لم تكن أزمة التوريد سوى جزء واحد من المشكلة، إذ تمثل الجزء الآخر في نموذج إدارة الورش. "أنا لا أدير آلات، بل بشرا.. وإذا كان هناك شخص واحد لا يشعر أنه بخير، فإن ذلك يؤثر على المنتج بأكمله".

تعد مشكلة الاتساق واستدامة الجودة السبب الرئيسي الذي يدفع العديد من العلامات التجارية المحلية نحو نموذجي القيمين أو التجميع، إذ أن توسعة أعمال العلامات التجارية المحلية التي تتولى تصنيع منتجاتها بالكامل أمر بالغ الصعوبة: "أريد لعلامة نبت أن تحظى بانتشار دولي أكبر، لكني مدركة أن ذلك يتطلب التوسع في الإنتاج، وهو ما لا أملكه حاليا لكني أعمل على تحقيقه، فالانتشار دون القدرة على تلبية الطلب المتوقع لن تكون له أي جدوى"، بحسب عبد الشهيد.

أما ريم حامد مؤسسة علامة رملة، فلجأت إلى حل آخر غير الورش الصغيرة من أجل التوسع: "بدأنا العمل مع مصانع موثوقة لضمان أعلى مستوى من الجودة والاتساق في كل قطعة، فمع سعينا للانتشار على مستوى العالم، من المهم الحفاظ على أعلى المعايير لتمثيل المنتج المصري خير تمثيل"، حسبما قالت لإنتربرايز.

تعد حامد من أصحاب العلامات الذين يرفضون البدائل المستوردة من حيث المبدأ، حتى وإن كانت الخيار الأسهل. فعند العمل على مجموعتها الأولى، التي كان من المقرر أن تتضمن "شراشيب" مصنوعة يدويا، قيل لها إنها ستجد منها الكثير في منطقة الموسكي، فردت قائلة: "لن نشتري منتجا صينيا جاهزا، فلدينا الحرير".

أما بالنسبة للجلود، فرحلة البحث شاقة: نظرا لصعوبة الحصول على جلود عالية الجودة من السوق المحلية كلما احتاجت، تتجه حامد إلى مصانع التصدير والمدابغ لتطلب المتبقي من الجلود الممتازة المخصصة للمشترين الأجانب، مشيرة إلى أن الحصول على أجود أنواع الجلود يعني دفع أسعار أكبر، غير أن الحل البديل يتطلب التخلي عن فلسفة رملة القائمة على الإنتاج المصري بنسبة 100%.

أزمة الأقمشة

لا تقتصر المشكلة على الجلود فحسب: "الأقمشة المحلية في الحقيقة كانت مخيبة للآمال حتى الآن"، حسبما قال يوسف سامي (لينكد إن)، المدير العام لشركة فاشون سكوير، الشركة الأم لعدد من العلامات المحلية — مثل لا بلانكا التي أسستها داليا فيليب — مؤكدا أنه رغم تأثر الاستيراد بتقلبات أسعار الصرف والاضطرابات الإقليمية وانخفاض قيمة العملة، تظل الجودة أمرا لا يقبل المساومة، ما يجعل الاستيراد الخيار الأفضل.

"لا نقبل معظم الأقمشة المتاحة هنا"، بحسب سامي، مشيرا إلى أن ذلك ليس من قبيل التشاؤم، وأن فاشون سكوير تبحث باستمرار عن التخلي عن الأقمشة المستوردة ببدائل محلية: "لا أريد انتقاد السوق بأسرها، لكننا لم نجد حتى الآن ما نريده بين الأقمشة المحلية، أو ربما لم نبحث بعد بما يكفي".

تعتمد فاشون سكوير على المواد الخام والأقمشة المستوردة، ثم تجري عملية التجميع في مصنعها الخاص بمصر، إلى جانب استيراد ملابس السهرة الجاهزة: "لكي ننتج ونجمع بالكامل هنا، نحتاج إلى مواد محلية بأعلى جودة، وإلى الوقت والحرفيين المهرة.. ومن الصعب جدا العثور على عمالة ماهرة في مجالنا تحديدا، كما أن تعليم الحرفة صعب ويستهلك الكثير من الموارد. لذا نفضل زيادة مصروفاتنا وأسعارنا بدلا من أن نخاطر بالجودة"، حسبما أكد.

صعوبة الوصول إلى المصانع

تتمثل المشكلة الكبرى التي تواجه رواد الأعمال في صعوبة العثور على المصانع، حسبما أجمع عبد الشهيد وريم وسامي، فالمصانع موجودة بالفعل وبمعايير عالمية، لكنها بعيدة عن أنظار المصممين المحليين: "عليك أن تبحث عنها بنفسك في كل المجالات"، بحسب عبد الشهيد.

أحد الحلول المقترحة لذلك هو إعداد دليل منظم للربط بين المصممين والمصنعين، ربما عبر منصة إلكترونية كما اقترحت ريم، إذ رأت أن هذا الدليل سيعزز أيضا الفرص أمام المستثمرين الدوليين الراغبين في الإنتاج داخل مصر. بدون هذه البنية التحتية، ستظل علامة "صنع في مصر" مجرد شعار تسويقي للعديد من العلامات التجارية، بدلا من أن تكون مؤشرا على التصنيع المحلي، أما من يسعون إلى تصنيع منتجاتهم بالكامل من الألف إلى الياء فمستمرون في المحاولة رغم تحديات المنظومة.

العلامات: