Posted inاختبار الإجهاد

هل تحول أزمة الغاز محطات الطاقة الشمسية إلى قرار تجاري في مصر؟

لم تعد الألواح الشمسية مجرد وسيلة لخفض فاتورة الكهرباء في ظل الاضطرابات الإقليمية الراهنة، بل أصبحت خيارا استراتيجيا لتقليل الاعتماد على الوقود التقليدي، الذي تخضع أسعاره ومسارات إمداداته لسيطرة أطراف خارجية. دفعت هذه الصدمة الحكومات في أوروبا وأسيا إلى تسريع خطط الطاقة المتجددة، بينما اتجهت الشركات لاستغلال أسطح مبانيها. أما في منطقة الخليج، فتسهم الطاقة المتجددة في تلبية الطلب المحلي، مما يتيح توفير الوقود لأغراض التصدير.

وبالنسبة لمصر التي تعتمد بكثافة على الغاز، يجعل هذا من التحول في قطاع الطاقة قرارا تجاريا بحتا، يتعلق بحجم الكهرباء التي يمكن لأى منا تحمُّل تكلفة إنتاجها. وقد تناول عددنا الأول من تلك السلسلة المحاولات الحثيثة لتأمين إمدادات الوقود، وهذا التوجه يمثل حلا آخر للمشكلة ذاتها، يقوم على خفض استهلاكه. فعندما تولد الأعمال كهرباءها بنفسها، فإنها تخفف الضغط عن الشبكة التي تعاني بالفعل من نقص الغاز. وفي هذا الصدد قال حاتم توفيق، العضو المنتدب لشركة كايرو سولار، وعضو مجلس إدارة جمعية تنمية الطاقة المستدامة (سيدا)، إن الطلب على محطات الطاقة الشمسية المركبة فوق أسطح المباني ارتفع في كافة القطاعات التي تتعامل معها الشركة.

على الجانب الآخر، يزداد تعقيد هذا التوجه في المشروعات الكبرى؛ إذ يقول أحمد الملا، نائب الرئيس التنفيذي لشركة إنفينيتي باور: "نحن لا نرتب المشروعات وفقا للأحداث الجيوسياسية". وأوضح أن المتغير الحقيقي المرتبط بحركة السوق هو التكلفة، إذ تُطور المشروعات الضخمة "في ظل ظروف متغيرة بالسوق، بما في ذلك تقلبات أسعار المعدات، وتكاليف التمويل، وأسعار الصرف".

اللجوء إلى الأسطح

تتصدر المصانع التي لا تتوقف عن العمل قائمة المهتمين بهذه الحلول؛ فمصانع الأسمنت والحديد والسيراميك التي تعمل على مدار الساعة لديها طلب مستمر خلال ساعات النهار يمكنه استيعاب الطاقة الشمسية المولدة. وأضاف توفيق أن هناك إقبالا أيضا من المصانع الأخرى والمنازل والمزارع التي تسعى للتخلي عن المولدات العاملة بالديزل. وفي هذا الإطار، فإن مشروع كرم القابضة الذي تنفذه لصالح مصنعين في منطقة أبو زنيمة الصناعية، والذي يتضمن إنشاء شبكة مصغرة ومستقلة لتوليد الكهرباء بالطاقة الشمسية بتكلفة تتراوح بين 8.5 و10 ملايين دولار، قد يسهم في توفير 30% من التكاليف مقارنة بالديزل، وذلك نتيجة توفير الوقود.

لكن، تصطدم الرغبة في اللجوء إلى هذه الحلول بارتفاع التكاليف الأولية؛ إذ ارتفعت تكلفة تركيب الميجاوات الواحدة من حوالي 14.5 مليون جنيه إلى 20 مليون جنيه، نتيجة ارتفاع سعر صرف الدولار والتصعيد الإقليمي، اللذين رفعا تكاليف استيراد الألواح والمعدات. وأسفر ذلك عن إطالة فترات استرداد التكلفة وتباطؤ الطلب من القطاع الصناعي جزئيا، وفق ما صرح به لنا مصدر من شركة للطاقة المتجددة في وقت سابق.

كما يعني توليد الكهرباء ذاتيا اتخاذ قرار بشأن كيفية التعامل مع الفائض في غير أوقات الحاجة؛ إذ تستمر ألواح المصنع في الإنتاج خلال العطلات الأسبوعية والرسمية وفترات التشغيل ذات الاستهلاك المنخفض. ويسمح نظام المقاصة باحتساب الكهرباء المضافة للشبكة كرصيد مجاني يُخصم من مشتريات الكهرباء المستقبلية، مما يحسن الجدوى الاقتصادية للعملاء الذين لا يتطابق استهلاكهم دائما مع حجم الإنتاج. وكان أيمن هيبة، رئيس جمعية تنمية الطاقة المستدامة، قد صرح لنشرة إنتربرايز في وقت سابق بأن غياب هذه الترتيبات قد يهدر ما بين 30% و50% من إنتاج المحطات، مما يطيل فترة استرداد التكلفة من 5 سنوات إلى أكثر من 10 سنوات. أما البطاريات فتظل خيارا صعب التسويق حاليا؛ إذ تستغرق نحو عقد من الزمان لاسترداد تكلفة تركيبها على أسطح المصانع، و"لا أحد يُقدم على تركيبها" ما لم تفرض الدولة ذلك، وفقا لتوفيق.

💡 لا تضمن الألواح الشمسية بمفردها استمرار التشغيل أثناء انقطاع التيار الكهربائي؛ إذ تنقطع إمدادات الطاقة القادمة من الألواح الشمسية التقليدية المربوطة بالشبكة تلقائيا عند انقطاع الكهرباء. ويتطلب تأمين إمدادات الطاقة للشركات نظاما مصمما خصيصا للعمل بشكل مستقل عن الشبكة، ومزودا بأجهزة تحكم مناسبة وقدرات كافية للتوليد أو التخزين أو موارد احتياطية. وبالتالي، فإن استغلال فائض الإنتاج لخفض مشتريات الكهرباء من الشبكة يتطلب استثمارات مختلفة تماما عن تلك المطلوبة لتأمين إمدادات الطاقة.

ما المطلوب لحسم قرار المترددين؟

بالنسبة للقطاع الصناعي، ينبغي أن تتحول السياسات إلى عروض عملية قابلة للتنفيذ؛ إذ تهدف مبادرة شمس الصناعة التي تنتظر موافقة مجلس الوزراء حاليا إلى وضع ألواح شمسية على أسطح نحو 7 آلاف مصنع، في حين تجري إعادة هيكلة مبادرة التمويل الميسر المخصصة للصناعة، والتي يبلغ معدل فائدتها 15%، وترغب وزارة الكهرباء في قصرها على المصانع التي تستهلك كامل الطاقة التي تنتجها، وفقا لمصدر بالقطاع.

ولا تزال الخطط التي تستهدف حصول المصانع على 15-25% من احتياجاتها الكهربائية من المصادر المتجددة بحاجة إلى هيكل تنفيذي واضح. وتحتاج المصانع التي تتخذ قرار الاستثمار إلى معرفة معايير احتساب هذه النسبة، والمشروعات المؤهلة للحصول على الدعم، وكيفية التعامل مع فائض الإنتاج.

كما تواجه المنازل العقبة ذاتها المتمثلة في التكلفة المبدئية؛ فرغم أن زيادة أسعار شرائح استهلاك الكهرباء تعني أن الطاقة الشمسية ستوفر تكلفة أكبر، يتعين على العملاء تمويل تكاليف التركيب أولا. وتقدم مبادرة شمس مصر المقترحة من جمعية تنمية الطاقة المستدامة تمويلا دون فائدة وإعفاءات ضريبية على ما يصل إلى 5 غيغاوات من قدرات الطاقة المتجددة، بينما صُممت مبادرة شمس الصناعة لتشمل المباني السكنية أيضا. لكن دفع المستهلكين إلى السعي لخفض فاتورة الكهرباء أسهل بكثير من تمكينهم من تمويل المعدات التي قد تحقق هذا الخفض.

رأينا: يمكن للحرب أن تدفع الشركات لطلب عروض أسعار لأنظمة الطاقة الشمسية كإجراء لتعزيز المرونة، لكنها لا تستطيع بمفردها زيادة الجدوى الاقتصادية لتلك الأنظمة. ويعتمد تحويل هذا الاهتمام إلى خطوات فعلية على توفير التمويل الميسر، ووضع لوائح عملية للتعامل مع الكهرباء الفائضة، وزيادة الوفورات لتبرر التكلفة المبدئية. والمؤشر الذي سيكشف مدى استدامة هذا التحول هو استمرار الطلب من العملاء حتى عندما تتراجع أسعار الوقود.