Posted inتصنيع

من الخارج إلى الداخل: هكذا تبني مصر صناعة المعدات اللازمة للتحول في قطاع الطاقة

لعملية التحول في قطاع الطاقة قائمة من المتطلبات. وقد استعرضنا سابقا من يتولى بناء المحطات ومن يوفر التمويل، وننتقل الآن للحديث عن المعدات، أي الألواح والتوربينات والبطاريات. تصنع مصر أو تُجمع بالفعل حصة جيدة منها، وتسعى الحكومة إلى أن تتكفل المصانع المحلية بتوفير احتياجات المشاريع الداخلية بل والتصدير إلى الخارج أيضا. لكن الجزء الأصعب يكمن في تصنيع المكونات الداخلية، مثل رقاقات الخلايا الشمسية، والجزء الداخلي من توربينات الرياح، وخلايا البطاريات.

وللتصنيع مستويات متعددة؛ ففي قطاعات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والبطاريات، تُعالج المواد الخام لتتحول إلى مدخلات خاصة، ثم تُصنع منها المكونات، لتُجمع لاحقا وتصبح معدات جاهزة للتشغيل. وعلقت لنشرتنا خبيرة الطاقة المتجددة يانا هيرشكو قائلة إن التجميع وحده يوفر فرص عمل وإيرادات ضريبية ويزيد من الأنشطة الصناعية، غير أن تقليص الاعتماد على الموردين الأجانب يتطلب تصنيع المكونات نفسها في مراحل مبكرة من سلسلة التوريد، وهو أمر أكثر صعوبة وتكلفة.

فروق دقيقة

تُصنع المكونات التي تحول ضوء الشمس إلى كهرباء هنا في مصر؛ إذ تُنتج الخلايا التي تولد الطاقة محليا، وكذلك الوحدات النهائية التي تجمعها معا، لكن الرقاقات وسبائك السيليكون التي تعتمد عليها معظمها يُصنع بالخارج. وقد أمكن تصنيع الخلايا على الأراضي المصرية بدلا من الاكتفاء بتجميع الخلايا المستوردة بفضل مجمع شركة إيليت سولار في العين السخنة، الذي تبلغ قدرته الإنتاجية 5 جيجاوات (2 جيجاوات للخلايا و3 جيجاوات للوحدات). وأوضح لنشرتنا محمد دياب، مدير تطوير الأسواق الدولية في شركة إيليت سولار، أن المكون المحلي في الوحدات تجاوز 65% في بعض المشاريع، لكن ما زالت هناك فجوات في المراحل الأولية من سلسلة التوريد، وفجوات أخرى تتعلق بالموردين المحليين والعمليات الهندسية.

وكلما تراجعنا أكثر في سلسلة التوريد تزيد الواردات. إذ تبدأ العمليات التقليدية لصناعة ألواح الطاقة الشمسية بالكوارتز، الذي يُعالج ليتحول إلى سيليكون، ثم يُشكل في صورة سبائك، وتُقطع تلك السبائك إلى رقاقات، لتُصنع منها الخلايا وتُجمع بعد ذلك في الوحدات التي نراها على الأسطح. وكلما كانت الخطوة أسبق تزداد صعوبتها وتتطلب رؤوس أموال أكبر، لكنها في الوقت ذاته تقلل من اعتماد الدولة على الخارج. لذا تطمح الحكومة إلى تصنيع تلك الرقاقات في المستقبل، وقد يتحقق ذلك قريبا من خلال المرحلة الثانية من مجمع شركة صن ريف سولار بالعين السخنة، والتي ستضيف عمليات صناعة الرقاقات وسبائك السيليكون.

ورغم أن امتلاك المواد الخام يمثل نقطة الانطلاق، فإن هناك قيود أخرى تظل قائمة. إذ تحتوي احتياطيات الرمال البيضاء في مصر على الكوارتز اللازم لإنتاج السيليكون، لكن كل خطوة بعد ذلك في سلسلة التوريد ترفع سقف المتطلبات الفنية. فتشير هيرشكو إلى أن تشكيل السبائك أصعب من تقطيعها، كما أن تكنولوجيا الخلايا تشهد تطورا مستمرا وقد تصاحبها قيود متعلقة ببراءات الاختراع. وبالتالي فالمخاطرة هنا تكمن في بناء قدرات الإنتاج لتجد البلد نفسها تخوض منافسة مع تقنيات أحدث.

ولن ينجح هذا التركيز على المراحل الأولية في سلسلة التوريد إلا بتوفر الطلب على كل مرحلة. فتوضح هيرشكو أن "تصنيع الرقاقات أو الخلايا في مصر سيكون أكثر تكلفة من الصين"، ذلك أن منتجي الرقاقات يحتاجون إلى وجود طلب من مصنعي الخلايا، الذين يعتمدون بدورهم على الطلب من مصنعي الألواح، وهؤلاء يحتاجون إلى وجود طلب من المطورين. وإذا كان باستطاعة المطورين استيراد الألواح الجاهزة بتكلفة أقل، فستواجه المصانع في المراحل الأولية من سلسلة التوريد صعوبة في بيع إنتاجها. لذا يؤكد دياب أن المصنعين بحاجة إلى اليقين قبل التوسع، ويشمل ذلك توقعات المبيعات، وحزم المشاريع، والتمويلات، واللوائح الجمركية، والقواعد الخاصة بالمكون المحلي. وتستورد مصر حاليا ألواحا شمسية بنحو 150 مليون دولار سنويا، حسبما صرح لنا سابقا حاتم توفيق، العضو المنتدب لشركة كايرو سولار، هذا بينما تستهدف الحكومة رفع نسبة المكون المحلي في تصنيع الألواح الشمسية من نحو 60% حاليا إلى 80% بحلول عام 2030.

تحديات ثقيلة

يحظى قطاع طاقة الرياح بميزة مبدئية تشجع جهود التوطين، تتمثل في التكلفة العالية لشحن المعدات الضخمة. وتمر مساعي توطين الصناعة في هذا القطاع بعدة مراحل: تبدأ بالأبراج، تليها الشفرات، ثم تجميع هيكل المحرك. ولن تصبح عملية تصنيع المولدات وصناديق التروس بالكامل مجدية إلا عندما تبرر أحجام الإنتاج وأسعار التعرفة حجم الاستثمارات المطلوبة. وحسبما صرح لنا سابقا هانس بروينز، الرئيس التنفيذي لشركتي رأس غارب لطاقة الرياح والبحر الأحمر لطاقة الرياح، فعند نقل الأبراج، "ما تنقله فعليا هو كمية كبيرة من الهواء، لأنها مجرد أبراج فولاذية مجوفة". وقد وفر موردون مصريون الأبراج لمشروعه بالفعل، مما وفر تكلفة نقل تلك الهياكل الضخمة عبر المحيطات.

وتزداد التعقيدات الهندسية كلما عدنا إلى الوراء في سلسلة تصنيع التوربينات. فيشير بروينز إلى أنه "من منظور المناولة، تعد الشفرات المكون الأكثر حساسية نظرا إلى سهولة تعرضها للتلف خلال النقل". لكن الخطوة الأصعب تكمن في تصنيع قلب التوربين، والمتمثل في المولد وصندوق التروس وأنظمة التحكم، فهي المكونات الأكثر تعقيدا وتطلبا لرأس المال. ويمكن للتوربينات الحديثة التي تبلغ قدرتها 10 ميجاوات أن تضيء قرية بأكملها، وهي "قلب محطات طاقة الرياح" كما يصفها بروينز. لكنه في الوقت الحالي يرجح البدء بالتجميع المحلي، مشبها الأمر بصناعة السيارات: "تبدأ أولا بتجميع المكونات، وبمجرد أن تتقن ذلك، يمكنك البدء في تصنيعها محليا". وقد استغرق بناء صناعات قطاع الرياح في الصين من 5 إلى 10 سنوات.

ولم يعلن سوى عدد قليل من المصنعين حتى الآن مشروعات في هذا الصدد، إذ اقترحت شركة ساني الصينية إنشاء مصنع مقترن بمحطة لطاقة الرياح بقدرة 2 جيجاوات، كما ناقشت شركة سكاتك أيضا التوسع في مجال تصنيع معدات طاقة الرياح في وقت سابق من العام الجاري. لكن كما يشير دياب وبروينز، فإن النقطة الأهم هي احتياج المصانع إلى حزم مشاريع موثوقة ونماذج اقتصادية قوية للمشروعات تصمد أمام التحديات.

الكيمياء قد تلعب دورا

يمكن لمصانع البطاريات أن تنتج العديد من الأشياء؛ إذ تبدأ سلسلة إنتاج بطاريات أيونات الليثيوم باستخراج المواد وتكريرها، ثم إنتاج المكونات الكيميائية المستخدمة داخل الخلايا. بعدها تُصنع هذه الخلايا وتُجمع في حزم أو أنظمة تخزين أكبر. ويمكن لتجميع هذه الأنظمة محليا أن يضيف قيمة اقتصادية مع الاستمرار في استيراد الخلايا نفسها التي تخزن الطاقة. يتجلى هذا النموذج في مصنع "بي إم إي" المدعوم من شركة "سي إيه تي إل"، والذي يستهدف الوصول بنسبة المكون المحلي إلى 40% من خلال تجميع الحزم، ودمج أنظمة إدارة البطاريات، والإدارة الحرارية، وتنفيذ عمليات تكامل الأنظمة، مع استيراد الخلايا من شركة "سي إيه تي إل" الصينية. كما تستهدف شركتا كيميت وكورنيكس إنتاج خلايا بقدرة 5 جيجاوات ساعة عبر مشروعها المشترك البالغة قيمته 200 مليون دولار، وهو ما قد يقفز بمصر عدة خطوات في سلسلة التوريد، وسيتطلب خبرات تتجاوز تلك المطلوبة لخطوط التجميع.

كما أن هناك مسارا آخر يتعلق ببطاريات أيونات الصوديوم، التي يعتزم مشروع شركة دراسكيم في الإسكندرية إنتاج مكوناتها في مرحلة لاحقة. قد يُغني الصوديوم بذلك عن الحاجة إلى الليثيوم، مما يزيد من خيارات المواد الخام، لكن بطاريات أيونات الصوديوم تحتاج كذلك إلى مواد متخصصة ومصانع للخلايا وتقنيات متطورة. كما أن تكلفتها ما زالت أكبر عموما من بطاريات أيونات الليثيوم، وتصنيعها ما زال متركزا في الصين، وفقا لوكالة الطاقة الدولية.

صُنع في مصر.. لكن كيف؟

توجد شركات تصنيع صينية حاليا في كل قطاع تقريبا تحاول مصر توطين عملياته، وتتركز منشآت تلك الشركات في منطقة تيدا بالعين السخنة، حيث تعمل نحو 200 شركة على مساحة تزيد عن 10 كيلومترات مربعة. وتشير هيرشكو إلى أن ميناء المنطقة الاقتصادية لقناة السويس وشبكات الطرق وقدرات الربط بالشبكة القومية توفر لتلك الشركات قاعدة جاهزة للعمل.

لكن قدوم المصنع إلى مصر لا يعني بالضرورة نقل التكنولوجيا. ويوضح دياب أن "النقل الفعلي للتقنيات لا يحدث تلقائيا بمجرد إنشاء الشركات الأجنبية لمصانعها"، بل يتطلب الأمر تدريب المهندسين، والارتقاء بشبكة الموردين المحليين، والاستثمار في البحث والتطوير. كما أن المصنعين المصريين ينافسون مباشرة المنتجين الصينيين، الذين يستمدون تفوقهم من الأتمتة والتجمعات الصناعية المتكاملة وليس العمالة الرخيصة. أضف إلى هذا أن تلك المصانع أحيانا لا تستمر للأبد؛ فالمنتجون الصينيون يبنونها بسرعة، ويمكنهم أيضا تفكيكها ونقل المعدات حين تتغير الحوافز، وهو نموذج تسميه هيرشكو "مصانع الليجو".

نظرة أوسع: هذا التحول له فاتورة استيراد خاصة به، وبالتالي فإن مصر لن تتوقف فيه عن الاعتماد على الواردات تماما. وفي أوقات النزاعات، قد تؤدي زيادة تكاليف الشحن والتأمين إلى ارتفاع أسعار المعدات المستوردة، مما يزيد التكلفة المبدئية لتقليل الاعتماد على الوقود. وصحيح أن هذا يجعل التصنيع المحلي جزءا لا يتجزأ من معادلة أمن الطاقة، إلا أنه لا يعني بالضرورة تصنيع كل المكونات محليا، بل يعني تحديد القدرات التي قد يكون من المجدي بناؤها في الداخل، شريطة أن يكتسب الموردون والمهندسون المحليون المهارات اللازمة. والثمرة المرجوة من هذا التوجه هي بناء قطاعات تمتلك سيطرة أكبر على إمداداتها من الطاقة.