يحتاج الجيل التالي من محطات الطاقة في مصر إلى ما هو أكثر من أشعة الشمس والرياح القوية. فلابد من وجود مطورين مستعدين لبنائها، وجهات راغبة في شراء إنتاجها. وفي عددنا الأول من نشرة طاقات، تتبعنا مسار الغاز الذي يضمن استمرار عمل محطات الطاقة في البلاد، والكلفة المتزايدة لشرائه من الخارج. ونسلط الضوء الآن على الشركات التي تبني محطات الطاقة البديلة، والعقود التي تجعل الاستثمار في تلك المحطات مجديا، والدور المتغير للدولة.
وسطاء الطاقة
لنوضح أولا نموذج المنتج المستقل للكهرباء، الذي يقوم على توليد الكهرباء من محطة يتملكها ويديرها كيان غير تابع لشبكة المرافق الحكومية، وإن كانت الدولة عادة تكون هي المشتري النهائي للكهرباء الناتجة في ذلك النموذج. وعن ذلك يقول أحمد الملا، نائب الرئيس التنفيذي لشركة إنفينيتي باور: "يتولى القطاع الخاص تطوير وتمويل وبناء وتشغيل محطة الكهرباء، ويبيع إنتاجها بموجب ترتيبات تجارية طويلة الأجل، بدلا من أن تتولى الحكومة بناء المحطة بنفسها". وتتضمن هذه المهام الأربع الكثير من التفاصيل، التي تشمل استخراج تصاريح الأراضي، وإجراء دراسات الموارد والدراسات البيئية، وإبرام اتفاقية بيع الكهرباء، وتوفير التمويل والمعدات والمقاولين، والمشاركة المستمرة في إدارة المحطة طوال عمرها التشغيلي.
ولا يشترط أن يكون المطور والمالك والمنفذ هو نفس الجهة؛ إذ تمتلك المحطة شركة مخصصة للمشروع تتولى تدبير التمويل، في حين يشيدها مقاولون متخصصون، وتخضع العمليات لترتيبات منفصلة. وهذا هو المقصود بجوانب البناء والتملك والتشغيل في تغطيتنا لأي مشروعات مشابهة؛ إذ تحتفظ شركة المشروع بملكية الأصل وتديره وفقا للشروط المتفق عليها. وربما يتضمن النموذج أيضا نقل ملكية الأصل إلى الدولة بعد انتهاء مدة عقد بيع الكهرباء، لكن العقد وحده لا يستلزم بالضرورة نقل الملكية.
وليس من شروط نموذج المنتج المستقل للكهرباء أن تبني الشركة محطة الطاقة من الصفر؛ فقد طورت الدولة محطة رياح جبل الزيت تحت مظلة هيئة الطاقة الجديدة والمتجددة، وليس وفق ذلك النموذج. ومع ذلك عرضت شركة ألكازار إنرجي الاستحواذ على المحطة، في صفقة تدرس مؤسسة التمويل الدولية دعمها، لتطبق بذلك نموذج المنتج المستقل عبر شراء أصل حكومي قائم بالفعل.
الملكية المشتركة للكهرباء
غالبا ما تشترك عدة جهات في امتلاك هذه المحطات. وكل شريك من هؤلاء تكون لديه نقاط قوة مختلفة، كخبرات التطوير، والمعرفة بالسوق المحلية، ورأس المال، والتكنولوجيا، والتمويل. ويشير الملا إلى أن توزيع الحصص ينبني على طبيعة الشراكة، ولا يتبع فقط صيغة حسابية ثابتة. فعلى سبيل المثال، فيما يتعلق بشركة مشروع محطة الطاقة الشمسية في غرب المنيا، التي تبلغ قدرتها 1 جيجاوات وتتضمن منظومة بطاريات بسعة 600 ميجاوات ساعة، تملك شركة إنفينيتي باور حصة تبلغ 51%، بينما تملك شركة حسن علام للمرافق الحصة المتبقية البالغة 49%، وتحدد اتفاقية المساهمين آلية اتخاذ القرارات بالمشروع.
لكن امتلاك حصة الأغلبية لا يعني الحرية المطلقة في التصرف بالمشروع، ويوضح الملا ذلك قائلا: "امتلاك حصة 51% لا يعني بالضرورة أن مساهما واحدا يمكنه ببساطة اتخاذ كل القرارات". ففي ظل ضخامة ديون مثل هذه المشروعات، عادة ما يتطلب تغيير خطة العمل أو إجراء تعديلات جوهرية على العقود تدابير تتعلق بالحوكمة، بل إن بعض المسائل تستوجب موافقة كلا الشريكين. ويلجأ بعض المطورين إلى بيع أجزاء من حصصهم في أصول تلك المشاريع لتدوير رأس المال في مشاريعهم القادمة، بينما يفضل آخرون الاحتفاظ بها لعقود.
الشمس وحدها لا تكفي
قبل كل ذلك هناك سؤال أساسي لابد من طرحه: هل يستحق المشروع عناء البناء؟ يقول الملا إنه "لا بد من هبوب الرياح أو سطوع الشمس، لكن ذلك ليس كافيا على الإطلاق". فالمطور بحاجة أيضا إلى الحصول على حقوق استخدام الأراضي، واستخراج تصاريح العمل، وإيجاد مشتر قادر على السداد، وإبرام عقود ذات بنود معقولة، ووضع خطة بناء قابلة للتنفيذ، وتدبير التمويل مع ضمان عائد مقبول يتناسب مع المخاطر المحتملة. لذا فإن "الجاذبية الاستراتيجية للمشروع لا تجعله بالضرورة مناسبا للاستثمار"، حسبما أوضح الملا. فلا ينبغي للمطورين إذن استثمار أموالهم دون ضمانات سداد كافية، أو حين لا تكون العوائد كافية لتعويض المخاطر، أو إذا حملتهم العقود مخاطر لا يمكنهم التحكم بها أو تسعيرها. وهناك شرط أساسي آخر يتمثل في توفر قدرات نقل الكهرباء؛ فمهما كانت جودة الموارد، تحتاج الكهرباء المولدة إلى مسار لنقلها (وهي مسألة سنتناولها في العدد القادم).
ماذا عن الشروط؟
يحتاج أي مطور يدرس إنشاء محطة إلى إجابة موثوقة عن ماهية الجهة التي ستشتري إنتاجها وطريقة السداد. وهنا يأتي دور اتفاقيات شراء الطاقة، تلك العقود التي تحول الأصل المقترح إلى عمل تجاري يدر إيرادات محددة. تحدد هذه الاتفاقية التزامات كلا الطرفين، وآلية الدفع، والمدة، وكيفية توزيع المخاطر، ما يتيح للمستثمرين والمقرضين تقييم قدرة المشروع على استرداد تكاليفه وسداد قروضه. ويوضح الملا أن مدة هذه العقود تتراوح غالبا بين 20 و25 عاما، نظرا إلى أن تلك المشاريع تتلقى معظم استثماراتها قبل بيع أي قدر من الكهرباء.
ورغم ذلك، يحمل العقد في طياته العديد من المخاطر؛ إذ يؤكد الملا أن "اتفاقية شراء الطاقة لا تضمن للمطور عوائده ببساطة بغض النظر عن الأداء". فمخاطر ضعف الرياح أو الإشعاعات الشمسية مقارنة بالتوقعات يتحملها المشروع بالأساس، شأنه في ذلك شأن الأعطال الفنية التي تقع ضمن مسؤولية الشركة المشغلة. وقد تتضمن الاتفاقيات أيضا بنودا تتعلق بالكهرباء المقدرة أو خفض الإنتاج، لتغطية الكهرباء التي كان بإمكان المحطة توليدها ولكن مُنعت من توريدها. وبموجب مبدأ الاستهلاك أو الدفع، يلتزم المشتري بدفع ثمن كمية متفق عليها حتى لو استهلك أقل منها، وفقا لشروط العقد، وهذا لا يعفي المنتج من التزاماته بالطبع. هكذا تصف شركة سكاتك اتفاقية مشروع دندرة المبرمة مع شركة مصر للألومنيوم، بينما تصف اتفاقية مشروع وادي الطاقة بأنها تقوم على مبدأ الدفع حسب الإنتاج، والذي يربط التعويض المالي بحجم التوليد الفعلي.
لماذا يعد هذا النموذج الجانب الأهم من التحول الجاري في قطاع الطاقة؟
تتضافر هنا ثلاثة عوامل رئيسية، تتمثل في حجم الاستثمارات التي تحتاج إليها مصر، والجدوى الاقتصادية لتوليد الطاقة المتجددة، وأمن الطاقة، بحسب الملا. فالمطورون من القطاع الخاص يوفرون رأس المال وقدرات التنفيذ لمشاريع لولاهم كانت ستتحمل الدولة عبء بنائها، كما زادت الجدوى التجارية لتلك المشاريع مع إمكانية التوسع في إنشاء محطات الطاقة الشمسية والرياح وأنظمة تخزين الطاقة بتكاليف أقل. وقد أوضحنا في العدد الأول من النشرة مغزى تلك الاستراتيجية؛ ففاتورة توليد الكهرباء في مصر تتزايد، ولذا ترتبط استثمارات الطاقة المتجددة ارتباطا وثيقا بخفض واردات الغاز الطبيعي المسال المكلفة، وتخفيف الضغوط على احتياطيات النقد الأجنبي.
إنتاج مستقل.. لكن بمشاركة الدولة
في هذا النموذج لا تنسحب الدولة من المشهد بالكامل، وإنما يتغير دورها. فيوضح الملا أن المطورين يتحملون مخاطر التطوير والبناء والتمويل والتكنولوجيا والأداء التشغيلي، ويتولون تدبير رأس المال وتعيين المقاولين، ويكونون مسؤولين عن تسليم المحطات. وفي المقابل، تسهم الجهات الحكومية بدور أساسي يتعلق بالتنظيم، وتخصيص الأراضي، واستخراج التصاريح، وتخطيط الشبكات، بالإضافة إلى دعم قدرة المشتري على السداد بموجب النموذج التقليدي لاتفاقيات شراء الطاقة المبرمة مع شركات المرافق. وعن هذا علق للنشرة محمود شطا، مدير تطوير الأعمال في شركة سكاتك، قائلا إنهم يتوقعون أن "تظل عقود الشراء الحكومية المدعومة بالالتزامات السيادية محركا رئيسيا للطلب". فتولي شركة المشروع لمهام جمع التمويلات وبناء المحطة يغير من المسؤوليات الأولية للدولة، لكنه لا يعفي الجهة الحكومية المشترية من التزامها بسداد قيمة الكهرباء على مدار مدة العقد.
وللمصانع كلمة في هذا الشأن
يتمثل التحول التالي في هوية المستهلك، ويشير شطا في هذا الصدد إلى الإطار التجريبي الذي طرحته الحكومة لنظام اتفاقيات القطاع الخاص. ويوضح الملا أنه بموجب هذا النموذج، يتعاقد منتج الطاقة المتجددة المؤهل مباشرة مع مستهلك من القطاع الصناعي، ويدفع رسوما لاستخدام شبكة النقل لتوريد الكهرباء. وسمح الإطار التجريبي الذي نشره جهاز تنظيم مرفق الكهرباء وحماية المستهلك بتنفيذ 5 مشاريع بقدرة إجمالية تبلغ 500 ميغاوات، بحد أقصى 100 ميغاوات لكل مشروع، وقد تأهلت 4 مشاريع منها بالفعل، وفقا للملا. ويمثل هذا النهج انفتاحا محسوبا في القطاع يخضع لشروط للأهلية، وليس تحريرا لسوق الكهرباء يتيح لكل المستهلكين اختيار المورد الذي يريدون التعامل معه.
لكن لماذا قد تلجأ المصانع إلى هذا النهج؟ يحدد الملا 3 أولويات، تتمثل في الحصول على الكهرباء بأسعار تنافسية، وضمان استقرار الأسعار، وخفض الانبعاثات الكربونية. ويرى الملا أنه قد يكون هناك طلب قوي على الكهرباء بموجب هذا النموذج من قطاعات الألومنيوم والصلب والأسمنت ومراكز البيانات والصناعات التصديرية، خاصة مع تطبيق آلية تعديل حدود الكربون التي وضعها الاتحاد الأوروبي، والتي تمثل حافزا إضافيا للمصدرين لتقليل انبعاثاتهم. ويتوقع الملا نمو المبيعات المباشرة للقطاع الصناعي، مؤكدا في الوقت ذاته أن اتفاقيات شراء الطاقة من المرافق المدعومة من الحكومة ستظل بالغة الأهمية.
مشاريع حقيقية أم مجرد عناوين صحفية؟
يقول الملا إن "توقيع اتفاقية شراء الطاقة خطوة مهمة، لكنه لا يعني أن المشروع قيد الإنشاء". فهناك مهام متبقية تشمل استخراج التصاريح، والموافقات البيئية، وترتيبات الأراضي والربط بالشبكة، والأعمال الهندسية، وإبرام عقود المعدات والبناء، ثم بعد ذلك يخضع المشروع لفحوص من المقرضين، وتنطبق عليه الشروط اللازمة للحصول على التمويل. كما يعد استكمال الإغلاق المالي إنجازا مستقلا، لكن تتبعه لاحقا مراحل البناء والاختبار والتشغيل.
تذكر: قدرت خارطة الطريق الحكومية الصادرة في يوليو الماضي القدرة المركبة للطاقة المتجددة بنحو 9.5 جيجاوات، واستهدفت الوصول بها إلى نحو 11.2 جيجاوات بنهاية عام 2026، و16.8 جيجاوات بنهاية عام 2027، و27.7 جيجاوات بنهاية عام 2028، لتشكل مصادر الطاقة المتجددة بذلك 45% من إجمالي توليد الكهرباء. ويمثل هذا الرقم قفزة تقترب من ثلاثة أمثال القدرة المركبة المعلنة في يوليو خلال عامين تقريبا.
وعن الحصة التي يمكن لمنتجي الكهرباء المستقلين توفيرها من تلك القدرات، يرى الملا "أنهم قادرون على إنجاز معظمها، شريطة أن تتوفر البنية التحتية الداعمة وتتقدم المشاريع بالوتيرة ذاتها". ويضع الملا 5 مؤشرات لقياس التقدم، وهي حجم القدرات التي تستكمل مرحلة الإغلاق المالي، وتحديثات شبكة النقل التي تدخل الخدمة، وإبرام اتفاقيات شراء طاقة قابلة للتنفيذ، وتفعيل أنظمة التخزين وغيرها من حلول المرونة، وظهور سوق فعالة للمشاريع المنفذة بموجب نظام اتفاقيات القطاع الخاص.
ويرى الملا أن "التحدي الحالي يتمثل في تحويل حزمة ضخمة واستثنائية من المشاريع التطويرية إلى مشاريع جاذبة للتمويل من البنوك، ثم إلى كهرباء حقيقية بسرعة كافية تلبي طموحات عام 2030". فما وراء كل بيان صحفي عن مشروع مشابه، لا بد أن يوجد ممول، ومشتر للكهرباء، وموعد محدد لاسترداد التكاليف والبدء في تحقيق الإيرادات.