تستعد الإسكندرية لافتتاح ميناء جاف لمساعدة موانئها البحرية على استيعاب الزيادة الكبيرة في حركة بضائع الترانزيت. إذ يُفتتح غدا الثلاثاء ميناء العامرية الجاف، الذي يعد الأول من نوعه في الإسكندرية والثاني في مصر بعد ميناء السادس من أكتوبر الجاف، وذلك بعد تأجيل الافتتاح يومين عن الموعد المحدد سلفا في 11 أكتوبر، حسبما صرح به الرئيس التنفيذي للميناء أحمد أبو الحسن لإنتربرايز. فقد ارتفعت حركة الحاويات عبر مينائي الإسكندرية والدخيلة بنسبة 14% لتصل إلى 2.59 مليون حاوية مكافئة خلال العام المالي 2025-2026، وفق التقرير الإحصائي السنوي (بي دي إف) الصادر عن هيئة ميناء الإسكندرية. وقادت حركة بضائع الترانزيت هذا النمو بعدما اعتمدت شركات الشحن على بوابات البحر المتوسط في ظل التوترات الجيوسياسية التي أثرت على موانئ البحر الأحمر.
أهمية الخطوة: تنقل الموانئ الجافة جزءا من أعمال التخزين والمناولة والتخليص الجمركي الخاصة بالموانئ البحرية إلى داخل البلاد، مما يقلل الوقت الذي تقضيه الحاويات على الأرصفة ويُسرّع حركة البضائع بين المصانع والموانئ والأسواق وبتكلفة أقل. ويعد ميناء العامرية أول ميناء جاف يخدم الإسكندرية مباشرة، وهو واحد من بين 33 ميناء جافا ومنطقة لوجستية تخطط وزارة النقل لإنشائها في جميع أنحاء البلاد.
ماذا يضم الميناء الجديد؟
ميناء جاف ومركز لوجستي: تبلغ الاستثمارات الإجمالية للميناء نحو 700 مليون جنيه، وفقا لمدير عام الميناء الجاف وفاء السيد إبراهيم. وتؤول ملكية ميناء العامرية إلى جهاز مشروعات الخدمة الوطنية، التابع للقوات المسلحة المصرية، فيما تشغله شركة سيفتي لينك للملاحة والتجارة بموجب عقد مدته 25 عاما، حسبما ذكرت صحيفة المصري اليوم. وترى سيفتي لينك، التي فازت بمناقصة تطوير الميناء، أن ميناء العامرية الجاف يمثل ممرا لوجستيا متكاملا يخدم المصدرين وجميع حلقات سلسلة الإمداد، وفق ما قاله رئيس مجلس إدارة الشركة أحمد مصطفى لإنتربرايز.
قالت إبراهيم إن الميناء "لم يصمم كمشروع تخزيني أو عقاري، وإنما كبوابة استراتيجية". ويمتد الميناء على مساحة 146 ألف متر مربع على طريق القاهرة - الإسكندرية الصحراوي، على بعد 22 كيلومترا فقط من ميناء الإسكندرية، و18 كيلومترا من ميناء الدخيلة، و16 كيلومترا من مطار برج العرب والمدينة الصناعية. وتمتد ساحة الحاويات على مساحة 75 ألف متر مربع بسعة تبلغ 3,086 حاوية فئة 40 قدما، كما تتعامل مع الحاويات الفارغة والممتلئة، سواء أكانت من حاويات الصادر أم الوارد أم الترانزيت، بما في ذلك البضائع الخطرة والمواد الكيميائية. ويضم الموقع محطة للحاويات المبردة بـ 826 نقطة اتصال، ومجمعا للتخزين البارد بطاقة قصوى تبلغ 10 آلاف طن للتجميد والتبريد، وميزانا معتمدا بحمولة 100 طن، ومنطقة انتظار تتسع لـ 38 شاحنة.
ربط منذ بداية التشغيل: سيكون ميناء العامرية مرتبطا منذ الأول لافتتاحه بالنافذة الوطنية الموحدة لتيسير التجارة الخارجية في مصر (نافذة) لمعالجة الإجراءات الجمركية رقميا، حسبما تؤكد إبراهيم لإنتربرايز. وتضيف أن الميناء سيتكامل أيضا مع شبكة السكك الحديدية، بهدف خفض تكاليف نقل البضائع بنسبة تتراوح بين 15 و20%. كذلك يوفر فرع بنك قطر الوطني الأهلي داخل الموقع خدمات المعاملات المالية للعملاء. في حين يتولى المركز اللوجستي التابع لشركة مصر لتكنولوجيا الخدمات تنظيم الإجراءات والعمليات داخل الميناء، مما يتيح لأصحاب البضائع الوصول إلى مختلف الخدمات داخل الميناء ذاته، وفقا لأبو الحسن.
لماذا تحتاج الإسكندرية إلى مساحة أكبر؟
تجارة الترانزيت تستحوذ على النصيب الأكبر: قفزت حاويات الترانزيت المارة عبر مينائي الإسكندرية والدخيلة بنسبة 74% في العام المالي 2025-2026 لتصل إلى 553.4 ألف حاوية مكافئة، مقابل 317.4 ألف حاوية في العام السابق، مع ارتفاع حجم حمولات الترانزيت بنسبة 62% إلى 5.78 مليون طن. في المقابل، نمت الحاويات الممتلئة التي تخدم السوق المحلية بوتيرة أبطأ، إذ ارتفعت بنسبة 6% إلى 1.59 مليون حاوية مكافئة مقابل 1.50 مليون حاوية، في حين تراجعت الحاويات الفارغة بنسبة 1.3% لتصل إلى 446.5 ألف حاوية مكافئة. وارتفع إجمالي حمولات الحاويات بنسبة 11% إلى 28.31 مليون طن.
حركة أقوى للسفن بمختلف أنواعها: زاد عدد سفن الحاويات المترددة على المينائين بنسبة 7% لتصل إلى 2151 سفينة، بينما صعدت رحلات العبارات بنسبة 26% لتبلغ 221 رحلة. وارتفع عدد سفن الصب السائل المترددة عليها بنسبة 5% إلى 658 سفينة، بينما استقرت رحلات سفن الصب الجاف عند 818 سفينة. وتعمل مصر أيضا بصفتها جسرا بريا لجزء من تلك الحركة، إذ توجه شركات الشحن بضائعها المتجهة من أوروبا إلى دول الخليج عبر مصر؛ حيث تصل الشاحنات إلى ميناء دمياط، ثم تُنقل برا إلى سفاجا، لتعبر بعد ذلك إلى السعودية.
هيئة الميناء تتوقع استمرار الزخم: خصصت الحكومة نحو 9 مليارات جنيه لتطوير أرصفة ميناء الإسكندرية، ويشمل ذلك أعمال التشطيبات في ميناء المكس، وخمسة حواجز أمواج بطول إجمالي يبلغ 6900 متر، وقاطرتين جديدتين بقوة شد 80-90 طنا، بحسب ما نقله اقتصاد الشرق عن مسؤولين حكوميين لم تسمهم. وتستهدف وزارة النقل أيضا تدشين 4 خطوط ملاحية جديدة من الإسكندرية إلى أوروبا وأفريقيا في غضون عامين. وفي سياق منفصل، تطمح الوزارة لزيادة صافي دخل الموانئ التجارية بنحو 10% ليصل إلى 127.7 مليون دولار في العام المالي 2026-2027، مقارنة بـ 115.9 مليون دولار.
في السياق- تعاملت محطة تحيا مصر مع 2.6 مليون حاوية مكافئة منذ افتتاحها (38% منها حاويات ترانزيت)، ونقلت 403 قطارات ما يقرب من 39 ألف حاوية مكافئة إلى ميناء السادس من أكتوبر الجاف، وفق بيان صادر عن وزارة النقل. ويعد نقل الحاويات من السفن إلى السكك الحديدية ثم إلى نقطة تخليص داخلية هو النموذج ذاته الذي صُمم ميناء العامرية لتكراره في مينائي الإسكندرية والدخيلة، المتمثل في سحب البضائع من الأرصفة، وتخليصها جمركيا في الداخل، وإخلاء مساحات للسفن التالية على الأرصفة.
أين يقع الميناء في الخطة القومية؟
النقل تسعى لإنشاء شبكة مترابطة: تهدف الموانئ الجافة والمناطق اللوجستية الـ 33 التي تخطط وزارة النقل لإنشائها إلى ربط المراكز الصناعية والزراعية والتعدينية بالموانئ البحرية والأسواق الاستهلاكية عبر شبكات الطرق والسكك الحديدية. وتمتد هذه الشبكة على طول سبعة ممرات لوجستية تشمل العريش - طابا، والسخنة - الإسكندرية، والقاهرة - الإسكندرية، وطنطا - المنصورة - دمياط، وجرجوب - السلوم، والقاهرة - أسوان - أبو سمبل، وسفاجا - قنا - أبو طرطور. في حين يستهدف ميناء العامرية المنتجات الغذائية والصادرات الزراعية والأدوية والسيارات، بالإضافة إلى الترانزيت البري المتجه إلى ليبيا والسودان والأردن والأسواق الأفريقية، وفقا لإبراهيم.
المزيد في الأفق: تعمل شركة سكاي بورتس على تطوير ميناء جاف في مدينة برج العرب الجديدة بالإسكندرية، ومن المقرر أن تقدم الدراسات الفنية الخاصة به في أوائل الشهر الجاري. في غضون ذلك، يُتوقع بدء تشغيل الميناء الجاف والمركز اللوجستي التابع لشركة ميدلوج في مدينة العاشر من رمضان، والبالغة تكلفته 130 مليون دولار، بحلول عام 2027.
عوامل النجاح
وصول البيانات إلى سائقي الشاحنات: تعمل الحكومة في مسار مواز على دمج شركات نقل البضائع بريا في منصة نافذة، حسبما ذكرنا سابقا. وتحتاج شركات النقل إلى معرفة البضائع التي جرى تخليصها، وما هو معلق، ومن المسؤول عن الخطوة التالية قبل انطلاق الشاحنات، وإلا "فلن يتغير شيء سوى أن طابور الانتظار سيبدأ مبكرا"، حسبما صرح به علي الأطرش، الشريك المؤسس والرئيس التنفيذي للعمليات في منصة تريلا، خلال حديثه مع إنتربرايز في الشهر الماضي. ويقدم ميناء السخنة نموذجا يُحتذى به في هذا الصدد؛ إذ تعتمد فعليا ساحة الشاحنات الرقمية المخطط لها هناك على حالة التخليص الجمركي التي تظهر على منصة نافذة لإدارة وصول الشاحنات، مما يجنب السائقين الخروج في رحلات لنقل حاويات غير جاهزة، وفق ما صرحت به سابقا عبير لهيطة، الرئيس التنفيذي المشارك لشركة إيجيترانس نوسكو ورئيسة مجلس إدارة شركة نافذ مصر.
الإسكندرية تمثل بيئة تشغيلية مختلفة: حذر عمر راغب، العضو المنتدب لشركة ريلاينس لخدمات التشغيل والصيانة، تقليص فترات الانتظار في الموانئ إذا كان ذلك يعني مجرد ترحيلها إلى الساحات. وأوضح لإنتربرايز أن العمليات في الإسكندرية أقل تنظيما مقارنة بموانئ السخنة وسفاجا، وبالتالي فإن العبء الأكبر لتسيير العمليات هناك سيقع على عاتق التنسيق المشترك بين ميناء العامرية والموانئ البحرية وسائقي الشاحنات.
رأينا: سيُظهر يوم الافتتاح مدى جاهزية الميناء، لكن الاختبار الحقيقي سيأتي بعد بضعة أشهر، ويكمن في ما إذا كانت فترات بقاء الحاويات في مينائي الإسكندرية والدخيلة ستبدأ في التراجع، وما إذا كانت الشاحنات ستتسلم الحاويات التي جرى تخليصها جمركيا بالفعل. فإذا تمكن ميناء العامرية من تحقيق هذا النجاح في ميناء مزدحم مثل الإسكندرية، فسيكون ذلك مؤشرا إيجابيا لبقية الموانئ المدرجة في خطة الوزارة.
وفي غضون الاستعدادات لافتتاح ميناء العامرية، أجرى وزير النقل التنزاني جولة تفقدية في ميناء الإسكندرية الأسبوع الماضي برفقة وزير النقل كامل الوزير. ويكمن الهدف وراء الجولة في تولي تحالف بقيادة مصرية مهمة بناء وتشغيل محطة متعددة الأغراض في ميناء دار السلام، مقابل حصول مصر على منطقة لوجستية في تنزانيا وحصول الأخيرة على منطقة مماثلة هنا في مصر. ويسعى الجانبان أيضا إلى ربط المنطقة في تنزانيا بشبكة السكك الحديدية هناك لتسهيل وصول البضائع إلى الدول المجاورة غير الساحلية.