Posted inالخبر الأبرز هذا الصباح

الحكومة تدرج الشحن البري في منظومة "نافذة" لأول مرة.. لتقتحم الجزء الأصعب في مسار رقمنة التجارة

يبدو أن واحدا من أكثر ممرات التجارة تأثرا بالبيروقراطية الورقية في مصر يمضي على طريق الرقمنة. إذ تجري وزارة المالية حاليا حصرا لشركات الشحن البري المتعاملة مع المنافذ البرية، في خطوة تمهد لتسجيلها وتوفيق أوضاعها وربطها بمنصة "نافذة" الوطنية الموحدة للتجارة الخارجية، وفق ما صرح به ثلاثة مسؤولين حكوميين لنشرة إنتربرايز الصباحية. وتهدف هذه الخطوة إلى دمج البضائع المنقولة عبر الشاحنات في النظام الإلكتروني ذاته الذي ينظم الشحن البحري والجوي، مما يتيح لمصلحة الجمارك تتبع الشحنات وفحص بياناتها قبل وصولها إلى المنافذ، بحسب المصادر.

التغييرات المرتقبة في المنافذ: تطرح الخطة بوالص شحن مجمعة للشحن البري، وتلزم شركات النقل بتقديم إقرار تفصيلي بمحتويات كل شاحنة، لتتمكن الجمارك من معرفة طبيعة البضائع قبل وصولها، وتجهيز عمليات الفحص بناء على البيانات الإلكترونية، بدلا من التعامل مع الشحنة فقط عند وصولها إلى بوابات المنافذ، بحسب المصادر.

وتهدف هذه الإجراءات إلى القضاء على التعاملات الورقية. فقد أوضحت المصادر أن "وزارة المالية تستهدف من ربط شركات الشحن البري بمنصة "نافذة" الانتقال تدريجيا من الإجراءات الورقية والتعاملات المباشرة إلى دورة مستندية مميكنة، بحيث تصبح بيانات الشحنة جزءا من قاعدة بيانات إلكترونية يمكن مراجعتها وتتبعها وربطها بإجراءات الفحص والإفراج".

البداية والأسباب: تستهدف التغييرات الجديدة في البداية موانئ البحر الأحمر مثل نويبع وسفاجا، بحسب المصادر. فقد أدت التوترات الجيوسياسية في الخليج إلى زيادة حركة الشاحنات عبر مسارات تصدير بديلة، من بينها طريق التجارة البري البحري بين نويبع وميناء العقبة الأردني، ومنه برا إلى السعودية والإمارات والكويت. ويشهد ميناء سفاجا حاليا عمليات توسعة لاستيعاب تزايد حركة التجارة ومنع تكدس الشاحنات، ومن المتوقع أن تسهم الإجراءات الرقمية والربط بمنصة "نافذة" في تقليص وقت انتظار الشاحنات لإتمام إجراءات الفحص واستيفاء المستندات، وفقا للمصادر.

السياق: تستحوذ موانئ البحر الأحمر في مصر على حصة متزايدة من التجارة مع دول الخليج، في ظل تزايد اعتماد شركات الشحن على الطرق البرية والبحرية لنقل البضائع إلى السعودية ودول الخليج الأخرى. إذ ارتفع الطلب على الشحن عبر محور سفاجا - ضبا بنسبة 25-30% في مارس الماضي مقارنة بالمستويات المعتادة؛ لأن شركات الشحن تبحث عن مسارات بديلة لمضيقي هرمز وباب المندب. كما ارتفعت حركة المرور على طريق نويبع - العقبة في مارس أيضا، لتصل في أيام الذروة إلى نحو 100 حاوية مبردة مقارنة بنحو 60-70 شاحنة في المعتاد.

بلغة الأرقام: استحوذت الطرق على 90.7% من حركة الشحن البري في عام 2026، حسبما أعلنه مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء في يوليو الماضي، متوقعا نمو حجم الشحن البري بنسبة 1.8% ليصل إلى 97.1 مليون طن بحلول عام 2030.

وتوسع هذه الخطوة نطاق تطبيق منظومة التسجيل المسبق للشحنات (ACI) في مصر، بعدما أصبحت إلزامية على الشحن البحري في أكتوبر 2021 وعلى الشحن الجوي في يناير 2026.

الحلقة الأضعف

بيد أن هذه القواعد صيغت لتناسب الشركات النظامية، وهو ما لا ينطبق على أغلب أطراف السوق. إذ تعود ملكية نحو 90% من أسطول الشاحنات في مصر إلى أفراد، مما "يفرض قيودا على الكفاءة والامتثال ووفورات الحجم"، حسبما قاله العضو المنتدب لشركة ريلاينس لخدمات التشغيل والصيانة عمر راغب لنشرة إنتربرايز الصباحية. وتبدو الشركات النظامية مستعدة لهذه الخطوة، إذ يضيف راغب: "نمتلك نظاما لإدارة الأسطول، وأعتقد أننا قادرون على الاندماج بسهولة. إذا طُبقت هذه المنظومة، ستكون الشركات النظامية أكثر تجاوبا وسيسهل عليها الانضمام. لكن في نهاية المطاف، يواجه أي نظام جديد مقاومة للتغيير".

كما تبرز المخاطر عند بوابات المنافذ. قال راغب: "بالنظر إلى أن أغلب الشاحنات على الطرق مملوكة لأفراد، فقد يؤدي الوضع الجديد إلى تكدس وازدحام هائل في الموانئ، وهذا يمثل خطرا حقيقيا". وربما تسفر هذه الخطوة عن نتائج عكسية لما تتوقعه الوزارة. فبدلا من توجيه أحجام العمل نحو شركات أكبر وأكثر التزاما، قد تؤدي إلى عجز شريحة كبيرة من أسطول الشاحنات عن مواكبة النظام الجديد.

تكمن المشكلة الهيكلية الأعمق في عدم امتلاك الشاحنة البيانات. ويوضح الشريك المؤسس والرئيس التنفيذي للعمليات في منصة تريلا علي الأطرش أن "فرض هذا الالتزام على الشاحنة يعني مطالبة الحلقة الأضعف بتقديم معلومات لا تملكها"، لافتا الانتباه إلى أن المستورد ومخلص الجمارك هما من يمتلكان بيانات الشحنة، في حين أن ناقل الشحنة "هو آخر طرف يطلع عليها". وفي تعليقه على أعمال الموانئ المرتبطة بشركة تريلا، يؤكد الأطرش أن "المصدر الأكبر للتأخير ليس قيادة الشاحنات، بل تأخر وصول المستندات أو وصول مستندات خاطئة".

ويتوقف نجاح هذا النظام الجديد في تسريع الإجراءات على شرط واحد، يتمثل في ضرورة تقديم ردود واضحة للمستخدمين. إذ قال الأطرش: "إذا كان التسجيل المسبق قبل الوصول يوضح للناقل ما قُبل، وما هو معلق، ومن المسؤول عن الخطوة التالية، فإن ذلك سيغير من قرار تحريك الشاحنات من الأساس. أما إذا لم يحقق النظام هذا الأمر، فلن يتغير شيء سوى أن طابور الانتظار سيبدأ مبكرا".

سيكون البدء بموانئ البحر الأحمر الجانب الأسهل من الخطة. إذ يرى راغب أن السخنة وسفاجا — وربما نويبع رغم انخفاض حركة المرور به — "موانئ عالية التنظيم تديرها مجموعة موانئ دبي العالمية أو مجموعة موانئ أبوظبي، لذا سيكون تطبيق النظام هناك أسهل وأسرع بكثير"، لا سيما وأنها تتيح بيئة أكثر تنظيما مقارنة بموانئ الإسكندرية وبورسعيد التي تشهد كثافة مرورية أعلى.

البيانات لن تختصر وقت الفحوصات المعملية

ثمة مكاسب تحققت بالفعل بتقليص زمن الإفراج الجمركي؛ إذ انخفض متوسط زمن الإفراج في ميناء الإسكندرية من 16.1 يوم في عام 2021 إلى 8.6 يوم في عام 2024 (بتراجع بلغ 46%)، وفقا لدراسة أعدتها مصلحة الجمارك. وأوضح وزير الاستثمار محمد فريد الشهر الماضي أن متوسط زمن الإفراج يبلغ حاليا نحو 5.8 يوم، "مع العمل على الوصول إلى مستهدف يبلغ يومي عمل فقط". ويسهم تسريع الإفراج الجمركي في توفير ملايين الدولارات التي تُدفع لشركات الساحات الجمركية والمستودعات، فضلا عن خفض تكاليف الاستيراد والإنفاق على الأرضيات وغرامات الموانئ، وتسهيل حركة التجارة، ورفع كفاءة التحصيل، وفق ما صرح به رئيس مصلحة الجمارك أحمد أموي لنشرة إنتربرايز العام الماضي.

لكن الدراسة ذاتها تظهر أن 74% من الشحنات خضعت للفحص الفعلي، نزولا من 93%. ويشير الأطرش إلى أن "3 من كل 4 حاويات ما زالت تخضع للفتح والتفتيش"، لافتا إلى أن البيانات المسبقة من شأنها أن تحدث فارقا في هذا الجانب تحديدا. فبدلا من مجرد تقديم الأوراق الخاصة بكل شحنة مبكرا، يمكن توظيف هذه المعلومات لتوجيه المفتشين نحو الشحنات ذات المخاطر العالية، والسماح للشحنات الأقل خطورة بالمرور بسرعة أكبر.

فضلا عن أن هناك بعض العقبات الأخرى التي لا تقتصر على البيانات. فعلى سبيل المثال، تعد الفحوصات المعملية، والقدرة الاستيعابية للفحص، وعدد الجهات التي يمكنها إيقاف الشحنة، وتوقف إجراءات الفحص في السادسة مساء رغم تحرك الشاحنات ليلا، من العوامل التي قد تؤدي إلى بقاء البضائع قيد الانتظار حتى لو كانت مستنداتها مسجلة بالفعل على النظام، بحسب الأطرش. وفي قطاع النقل البري، تحمل القدرة على التنبؤ أهمية أكبر من متوسط الوقت المستغرق. قال الأطرش: "إنهاء الإجراءات في 5 أيام وفق إطار يمكننا التخطيط بناء عليه، أكثر جدوى بالنسبة لنا من إنهائها في 3 أيام وفق إطار عشوائي لا يمكننا توقعه".

وحتى الشحنات المفرج عنها لا تسلم من البيروقراطية الورقية في نهاية المطاف. ويرى اختصاصي عمليات التصدير الأول في شركة مارتيكو مصر أحمد الشقيري أن نقطة الخلاف بالنسبة للمصدرين تظهر بعد الإفراج الجمركي؛ إذ يوضح أن "السبب الرئيسي الذي ما زال قادرا على إحداث تأخيرات هو التقديم اليدوي لمستندات التخليص الجمركي إلى وكالة الخط الملاحي". ويضيف: "في بعض الأحيان يُفرج عن الشحنة بالفعل، لكننا نظل بحاجة إلى تقديم المستندات يدويا إلى الوكالة"، وهو أمر صعب عندما يكون الميناء مزدحما أو عندما لا تستقبل الوكالة الأوراق إلا في ساعات محددة، لافتا إلى أنه "إذا أمكن إتمام هذه الخطوة إلكترونيا، فستصبح الأمور أسهل وأسرع بكثير".

ويُعد حصر شركات النقل البري الخطوة الأولى؛ نظرا إلى أن ربطها بمنصة "نافذة" سيضع بيانات بوالص الشحن ضمن دورة إلكترونية يمكن للجمارك الرجوع إليها، مع التوسع في استخدام البوالص المجمعة للشحنات التي تنقلها تلك الشركات، وفقا للمصادر. وتضيف المصادر أن "الخطوة لن تتوقف عند رقمنة ورقة أو مستند، بل تهدف إلى بناء سلسلة بيانات متكاملة للشحنة البرية، بدءا من لحظة إصدار بوليصة الشحن، مرورا بدخولها المنفذ البري وفحصها، وصولا إلى الإفراج عنها".