لا يلاحظ معظمنا أهمية الكهرباء إلا عند انقطاعها؛ ففجأة يصمت مكيف الهواء، ويتوقف أزيز الثلاجة، ويسارع أحدهم إلى الشرفة ليتأكد مما إذا كان الظلام قد خيم على الشارع بأسره. غير أن استمرار هذه الأصوات المألوفة أصبح مهمة باهظة التكلفة، فخلف كل مفتاح كهرباء، هناك دولة تضطر لشراء المزيد من احتياجاتها من الغاز من الخارج، وتكافح لتدبير الدولارات لسداد ثمنه، بل وتطلب من الموردين أحيانا إمهالها بعض الوقت للسداد.
وما فاتورتك سوى جزء يسير من التكلفة الإجمالية. فقد ارتفعت تعريفة الاستهلاك المنزلي للكهرباء بمتوسط 12% في بداية أغسطس، مع الإبقاء على تعريفة شريحة الاستهلاك الأدنى دون تغيير. لكن هذه الزيادة لا تعكس سوى جانب بسيط من حجم الضغوط؛ إذ أنفقت البلاد 6.04 مليار دولار على واردات الغاز الطبيعي خلال النصف الأول من عام 2026، بزيادة قدرها 73% مقارنة بنحو 3.5 مليار دولار في الفترة ذاتها من العام السابق، وفقا لنشرة الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء التي اطلعت عليها جريدة الشروق.
بهذا أصبحت أزمة نقص الغاز في مصر فاتورة يتكبدها الاقتصاد بأسره. وتتجلى تكلفة تلك الفاتورة في الطلب على الدولار، وحجم الدعم الحكومي لقطاع الطاقة، والأسعار التي تتحملها الأسر والشركات، ليصير السؤال الأبرز هنا عن الأطراف التي يمكنها تحمل تبعات تلك التكلفة في نظر الحكومة.
السياق: قفزت فاتورة استيراد الغاز في مصر من نحو 560 مليون دولار في فبراير إلى 1.65 مليار دولار في مارس، بعد أن أدى الصراع الإقليمي إلى اضطرابات في إمدادات الغاز، ودفع مصر نحو السوق العالمية للغاز الطبيعي المسال، والتي تشهد في الوقت الحالي شحا في العرض. وصرح وزير البترول كريم بدوي في أغسطس بأن تكلفة شحنة الغاز الطبيعي المسال بلغت نحو 80 مليون دولار بعد الحرب، أي حوالي ضعف تكلفتها البالغة 40 مليون دولار قبل اندلاعها تقريبا. لذا خصصت الدولة 10.7 مليار دولار لواردات الغاز في موازنة العام المالي 2026-2027، بزيادة قدرها 26% على أساس سنوي.
كما ارتفعت تكاليف استهلاك الوقود إلى نحو 6.7 مليار دولار خلال فصل الصيف، وفقا لثلاثة مصادر حكومية، وتوقعت المصادر أيضا أن تتجاوز الفاتورة الإجمالية لاستيراد المنتجات البترولية في البلاد 20.5 مليار دولار هذا العام، شاملة الغاز الطبيعي والمازوت. وتبرز هذه الأرقام حجم الضغوط على عاتق الدولة لتأمين إمدادات الطاقة هذا العام، الذي بلغت فيه معدلات استهلاك الكهرباء مستويات غير مسبوقة.
ضغوط الدولار
تفاقم فاتورة الطاقة من أعباء الأوضاع المالية الخارجية، التي ترزح بالفعل تحت ضغوط متزايدة. فقد اتسع صافي عجز الميزان التجاري للنفط والغاز في مصر من 7.6 مليار دولار في العام المالي 2023-2024 إلى 13.9 مليار دولار في العام المالي 2024-2025، ثم وصل إلى مستوى يُقدر بنحو 20.1 مليار دولار في العام المالي 2025-2026، وفقا لتقرير صادر عن صندوق النقد الدولي (بي دي إف). تغطي هذه الأرقام الميزان التجاري للنفط والغاز بالكامل، وليس الغاز الطبيعي المسال فحسب، غير أنها تظهر مدى تفاقم العجز الدولاري المرتبط بقطاع الطاقة في مصر.
لذلك طلبت مصر السداد لاحقا، إلا أنها تدفع ثمن هذا التأجيل؛ ففي خلال الأيام الأولى من استيراد الغاز الطبيعي المسال، سعت الحكومة إلى توزيع التكلفة على فترة زمنية أطول، فطلبت مهلة سداد تصل إلى 6 أشهر للشحنات، وامتدت بعض فترات السداد لتصل إلى عام كامل، حسبما صرح مشاركون في السوق لستاندرد أند بورز جلوبال آنذاك. وقدرت الوكالة أن فترات السداد الأطول هذه رفعت سعر الشحنات بمقدار 0.50 دولار لكل مليون وحدة حرارية بريطانية. بهذا يساعد تأجيل السداد في تخفيف الصدمة الفورية التي تتلقاها احتياطيات النقد الأجنبي، لكنه يجعل الدولة تتحمل هذه العلاوة الإضافية لفترة طويلة بعد استهلاك الشحنة ذاتها.
ولا يمثل سعر الشحنة سوى التكلفة الأولية، إذ توضح لوري هايتايان، مديرة منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في معهد حوكمة الموارد الطبيعية، أن تكاليف الشحن، ورسوم العبور في قناة السويس، وإعادة التغويز، والتمويل، كل تلك العوامل تزيد من إجمالي الفاتورة، مما يجعل توفر العملة الأجنبية أمرا محوريا لضمان استمرار تدفق الغاز وإمدادات الكهرباء. وبالتالي، تصبح معادلة أمن الطاقة معتمدة كذلك على سيولة النقد الأجنبي، والاحتياطيات، والمستحقات المتأخرة للموردين، والميزان التجاري العام للنفط والغاز.
أعباء تتحملها الخزانة العامة في صمت
وتظهر المشكلة ذاتها على المستوى المحلي؛ ففي مايو، سددت وزارة المالية 166 مليار جنيه من مستحقات دعم الوقود والكهرباء المتأخرة لصالح الهيئة المصرية العامة للبترول، إلى جانب 13.6 مليار جنيه مستحقة على وزارتي الكهرباء والموارد المائية. فهذه المستحقات المتأخرة كانت تقيد قدرة الهيئة المصرية العامة للبترول على سداد مستحقات شركائها الأجانب، مما يبرز كيف تنعكس أزمات السداد بمنظومة الطاقة المحلية سلبا على الاستثمارات والإمدادات في المستقبل.
كما أن هناك فجوة بين ما يدفعه المستهلك وبين التكلفة الحقيقية للكهرباء، والخزانة العامة تتدخل بشكل متزايد لسد هذه الفجوة مباشرة. فقد ارتفعت مخصصات دعم الكهرباء من 2.5 مليار جنيه في العام المالي 2024-2025 إلى 75 مليار جنيه في العام المالي 2025-2026، ثم إلى 104.2 مليار جنيه في العام المالي 2026-2027. ومع أن هذه الأرقام تمثل مخصصات في الموازنة وليست هي النفقات الفعلية النهائية، إلا أن الاتجاه يبدو واضحا وضوح الشمس: فمع الارتفاع السريع لتكلفة الكهرباء مقارنة بما يدفعه المستهلكون، تحملت الدولة الجانب الأكبر من هذا الفارق.
من يدفع الفاتورة في النهاية؟
لا تزال الفاتورة في ارتفاع مستمر: يقول جيه بي لاكوتور، المحلل لدى كبلر، إنه "في وقت لاحق من هذا العام، ربما تصبح الحسبة الاقتصادية أكثر صعوبة مع تزايد حاجة مصر للتعامل بالأسعار الفورية للغاز، مما قد يجبرها على تقليص الواردات". وهذا يضع الدولة أمام تحد أصعب من تحدي الصيف المنقضي، يتعلق بتكلفة الحصول على إمدادات موثوقة ومستقرة من الكهرباء في ظل الحاجة إلى استيراد الغاز، وحصة الدولة من تلك الفاتورة مقابل الحصة التي ستمررها إلى المستهلكين.
البديل أكثر وطأة على الجيوب: توضح لوري أن "الغاز الطبيعي المسال مكلف، لكن البديل هو نقص الغاز والكهرباء، والذي قد يكلف الاقتصاد فاتورة أكبر". وأضافت في هذا الصدد: "أعتقد أن الحكومة تدرك التكلفة وأزمة الاعتماد على الاستيراد، لكن الأهم حاليا هو الحفاظ على استقرار المنظومة. فإذا كانت واردات الغاز الطبيعي المسال تحول دون انقطاع الكهرباء، فإنها بذلك تحمي الإنتاج الصناعي، والعمالة، والصادرات، والسياحة، وغيرها. وعليه، يمكن تبرير المشتريات الطارئة من الغاز الطبيعي المسال عندما يكون البديل هو ترشيد استهلاك الكهرباء أو التسبب في اضطرابات كبيرة في القطاعات الإنتاجية".
وحتى بعد زيادة أسعار الكهرباء، ما زال المستهلك لا يدفع التكلفة الحقيقية لإنتاجها. فصحيح أن المنازل تتحمل جزءا كبيرا من التكلفة، لكنها لا تسددها بالكامل. وحتى بعد الزيادة الأخيرة، قدرت الحكومة الفجوة السنوية بين تكاليف التوليد والتعرفة المنزلية لاستهلاك الكهرباء بنحو 100 مليار جنيه، أي أن تلك الزيادة ساهمت في جني المزيد من الإيرادات لكنها لم تلغ الدعم الحكومي.
في المقابل، يتحمل القطاع الصناعي نصيبا أكبر. فقد درست الحكومة تطبيق آليات أكثر مرونة لتسعير الغاز في القطاعات المختلفة، بما في ذلك ربط تكاليف الغاز لمنتجي الأسمدة بأسعار الأسمدة العالمية بدرجة أكبر، قبل أن تقر زيادة ثابتة قدرها دولاران لكل مليون وحدة حرارية بريطانية في مايو لعدد من الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، مستثنية بذلك العملاء الذين تتضمن عقودهم آليات تسعير محددة بالفعل. ويؤدي ذلك إلى تقليص تكلفة استيراد الطاقة التي تتحملها الدولة، ليتوجه الضغط بدلا من ذلك إلى هوامش أرباح المصنعين ويؤثر على قدرتهم على المنافسة.
وتأثير ذلك عليك لا ينحصر في فاتورة الكهرباء. فتثبيت أسعار استهلاك الكهرباء في المنازل لا يعني بالضرورة حماية ميزانيات الأسر في مصر. إذ ارتفعت أسعار الكهرباء الخاصة بخدمات الري وتوزيع المياه والقطاعات التجارية والخدمية بنسبة 31.4% في مايو. وتشير لوري إلى أن "ارتفاع أسعار الطاقة لا يؤثر فقط على فواتير الكهرباء المنزلية، بل يمتد تأثيره إلى الغذاء، والنقل، والمياه، والصناعة، والخدمات. لذا يتعين على صناع السياسات أن يوازنوا بين مراعاة قدرة المستهلكين على تحمل التكاليف، وبين حرصهم على استقرار المنظومة واستدامتها من الناحية المالية".