Posted inالخبر الأبرز هذا الصباح

المركزي يصدر قواعد ترخيص ورقابة شركات ضمان الائتمان لتحويلها إلى نشاط مالي منظم

أصدر البنك المركزي المصري إطارا شاملا للترخيص والرقابة والإشراف على شركات ضمان الائتمان، وذلك بعد ست سنوات من خضوعها لإشرافه بموجب قانون البنك المركزي والجهاز المصرفي رقم 194 لسنة 2020. واعتمد مجلس إدارة البنك الضوابط الجديدة في اجتماعه المنعقد في 23 سبتمبر، وفق كتاب دوري صادر عن البنك (بي دي إف). ويضع هذا الإطار لأول مرة نسبا احترازية ملزمة، وإجراءات ترخيص رسمية، وحدودا لنسب الملكية، لينقل بذلك نشاط ضمان الائتمان من نموذج يعتمد في الغالب على التعاقدات إلى نشاط مالي منظم ومقنن.

شركات ضمان الائتمان في سطور: غالبا ما تُحجم البنوك عن إقراض الشركات الصغيرة التي تفتقر إلى الضمانات الكافية أو السجل الائتماني. وهنا يأتي دور شركة ضمان الائتمان التي تغطي جزءا من مخاطر التعثر، مما يشجع البنوك على تقديم الائتمان. ويُعرِّف البنك المركزي هذه الشركات بأنها كيانات تدعم الأفراد والمشروعات متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة من خلال تغطية جزء من المخاطر المرتبطة بتمويلهم.

أهمية الإطار الجديد: يقول أيمن طه، مدير إدارة المخاطر المالية والاستراتيجية في جهاز تنمية المشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر، لإنتربرايز: "لم يُصمم هذا الإطار لتقييد شركات ضمان الائتمان، بل لنقلها من نموذج يعتمد بالأساس على البرامج والتعاقدات إلى نشاط مالي خاضع لقواعد تنظيمية واضحة". وقد ساهمت المشروعات متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة بنحو 43% من الناتج المحلي الإجمالي لمصر، ووفرت ما يقرب من 75% من إجمالي فرص العمل خلال العام المالي 2024/2023، وفقا للتقرير السنوي لوزارة التخطيط لعام 2025 (بي دي إف). "لذا، فإن تحسين فرص حصول هذه المشروعات على التمويل يمكن أن يسهم في الحفاظ على الوظائف الحالية، وخلق [آفاق] توظيف جديدة، وتوسيع الإنتاج، وتعزيز النمو الاقتصادي"، حسبما توضح الخبيرة الاقتصادية آيتن المرجوشي لإنتربرايز.

السياق: نمت محافظ القروض البنكية الموجهة للمشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر بنسبة 390% بين شهري ديسمبر 2015 وديسمبر 2025، وبنسبة 71% خلال السنوات الخمس الماضية، وفق تقرير (بي دي إف) صادر عن البنك المركزي. لكن هذه "الأرقام لا تحدد مقدار التمويل الذي مر عبر شركات ضمان الائتمان"، حسبما يقول الخبير المصرفي هاني أبو الفتوح لنشرتنا.

كيف وصلنا إلى هنا؟ يسد الإطار الجديد فجوة تنظيمية قائمة منذ تأسيس أول شركة لضمان الائتمان في مصر (والوحيدة حتى الآن)، وهي شركة ضمان مخاطر الائتمان التي تأسست عام 1989 بموجب قانون الشركات رقم 159 لسنة 1981 كشركة مساهمة عادية لا تخضع لرقابة أي جهة تنظيمية مالية، وبدأت عملياتها في عام 1991. وفي عام 2017، استحوذ البنك المركزي على حصة بلغت 20% في الشركة، في خطوة وسّعت نطاق أعمالها. وبحلول الربع الأول من عام 2023، تجاوزت محفظة الشركة 269 مليار جنيه، غطت خلالها 206 آلاف مشروع صغير ومتوسط، ووُجهت 50% منها للشباب و23% للمرأة. وأخضع قانون البنك المركزي رقم 194 لسنة 2020 شركات ضمان الائتمان لرقابة البنك، ومنحه سلطة الترخيص لها ووضع القواعد المنظمة لعملها، لكنه ترك التفاصيل الدقيقة الخاصة بالقواعد الاحترازية والحوكمة والترخيص دون تحديد. وها قد صدرت هذه القواعد أخيرا.

ما الذي يتضمنه الإطار الجديد؟

الأرقام الأهم: يجب ألا تتجاوز نسبة الرافعة المالية لشركة ضمان الائتمان 21 ضعف القاعدة الرأسمالية لها. وتُحسب هذه النسبة بقسمة صافي الضمانات على إجمالي حقوق الملكية مضافا إليها مخصصات الخسائر الائتمانية المتوقعة للضمانات بالمرحلة الأولى. كما لا يجوز أن يتجاوز إجمالي الضمانات الصادرة للعميل الواحد والأطراف المرتبطة به 15% من مجموع حقوق الملكية ومخصص الخسائر الائتمانية المتوقعة للضمانات بالمرحلة الأولى. وينبغي على الشركة الاحتفاظ بنسبة تغطية سيولة لا تقل عن 100% في جميع الأحوال؛ بمعنى أن الأصول السائلة عالية الجودة (بما في ذلك النقدية، والأرصدة لدى البنوك، والأوراق المالية الحكومية) يجب أن تغطي صافي التدفقات النقدية الخارجة المتوقعة بالكامل على مدار فترة 90 يوما متتالية. كما يجب أن تتوافق مخصصات أرصدة الضمانات مع معايير المحاسبة والمراجعة المصرية.

وتُحسب معادلة الرافعة المالية بناءً على صافي الضمانات، والذي يمثل إجمالي الضمانات المصدرة مطروحاً منه مخصصات الخسائر الائتمانية المتوقعة للمرحلتين الثانية والثالثة، وإجمالي رصيد أموال الأمانة المرتبطة ببرامج محددة، وحصة الأطراف الأخرى في الضمانات المشتركة متى نص العقد صراحة على تحمل الجهة المشاركة مسؤولية تلك النسبة.

مسار جديد للترخيص: يجب أن تتخذ الشركات الجديدة شكل شركة مساهمة مصرية وألا يقل رأس مالها المصدر والمدفوع عن 50 مليون جنيه، وفقا لقانون 194 لسنة 2020. ويبت مجلس إدارة البنك المركزي في طلب الموافقة المبدئية المستوفي للشروط خلال 90 يوما، ويخطر مقدم الطلب خلال 15 يوما من صدور القرار. وبمجرد صدور الموافقة المبدئية، تُمنح الشركة مهلة عام واحد (قابلة للتمديد لعام آخر) لاستكمال إجراءات التأسيس. بعد ذلك، يجري البنك المركزي معاينة للمقرات بعد سداد رسم معاينة مقداره 100 ألف جنيه للمركز الرئيسي و50 ألف جنيه عن كل فرع. وتصدر الموافقة النهائية خلال 90 يوما إضافية، ويجب على الشركة بدء مزاولة النشاط خلال عام من الموافقة النهائية وإلا يُلغى الترخيص (يجوز مد هذه المهلة لعام آخر). وتبلغ رسوم الرقابة السنوية 100 ألف جنيه، تُسدد في شهر يناير من كل عام.

كما يتعين على الشركات تقديم دراسة جدوى مالية واقتصادية لخمس سنوات، وهيكل ملكية واضح يحدد المستفيدين النهائيين، وما يثبت أن الترخيص لا يتعارض مع المصلحة الاقتصادية العامة ولا يؤدي إلى الإخلال بقواعد المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية. كما تلتزم بتعيين جهة تقييم مؤهلة لتقييم المتطلبات الفنية الخاصة بالبنية التحتية والنظم التكنولوجية وأمن المعلومات.

قواعد الملكية: يُسمح لغير المصريين بتملك رؤوس أموال الشركات. ويتعين على أي شخص يمتلك حصة تتراوح بين 10% و20% من رأس المال أو حقوق التصويت إخطار البنك المركزي خلال 15 يوما من تاريخ إتمام التملك. أما امتلاك ما يزيد على 20% من رأس المال المصدر أو حقوق التصويت أو تحقيق سيطرة فعلية، فيتطلب الحصول على موافقة مسبقة من مجلس إدارة البنك المركزي قبل 60 يوما على الأقل من موعد إتمام التملك، مع تقديم تقرير يبين الملاءة المالية، وأسباب التملك، وخطط الإدارة. ويُمنح من تجاوز حصة 20% لسبب غير إرادي كالميراث أو الوصية أو الاكتتاب العام مهلة 30 يوما للتقدم بطلب لاستمرار التملك. وكذا تحتاج البنوك إلى موافقة مسبقة من المركزي لامتلاك أي حصة.

وتُوقف حقوق التصويت وتوزيعات الأرباح للأسهم الزائدة عن الحد المصرح به. ويتعين على المساهم الذي لا يمتثل لقواعد الملكية التصرف في الحصة الزائدة خلال ستة أشهر من أيلولتها إليه، وإلا جاز للبنك المركزي أن يتخذ ما يراه مناسبا من إجراءات.

تحديات على المدى القصير.. ومكاسب على المدى الطويل

خطوة نحو جذب لاعبين جدد: يرى طه أنه على الرغم من أن الإطار الجديد يرفع سقف الدخول إلى السوق، إلا أنه "يرسي أيضا أساسا أكثر وضوحا للشركات الجديدة الوافدة". ويضيف: "الوصف الأدق هو أن سوق ضمان الائتمان في مصر اتسم تاريخيا بتركز شديد حول شركة ضمان مخاطر الائتمان، بينما يفسح الإطار الجديد مجالا لدخول لاعبين جدد مرخصين".

قيود مؤقتة وثقة مستدامة: يوضح طه أنه "على المدى القصير، ستحد القواعد الجديدة من النمو غير المدعوم برأس مال وسيولة وقدرة كافية على تحمل المخاطر". فالنسب الاحترازية تعني كبح جماح بعض التوسعات. لكنه يضيف أن "جودة الضمانات وقابليتها للتمويل المصرفي ستتحسن" مع إحلال الشركات المرخصة الخاضعة لرقابة البنك المركزي محل النموذج التعاقدي الحالي.

لامركزية صنع القرار: يقول أبو الفتوح: "الحد الأقصى للتملك يحد من تركز القرار في يد مالك واحد، لكنه قد يجعل ضخ مبالغ كبيرة في الشركة أكثر صعوبة على بعض المستثمرين".

خطوة إيجابية للمشروعات الصغيرة والمتوسطة: ترى المرجوشي أن "تحسين كفاءة وحوكمة واستقرار شركات ضمان الائتمان ماليا يعزز من قدرتها على توفير ضمانات موثوقة، مما يساعد البنوك على استدامة التمويل للمشروعات الصغيرة والمتوسطة". وتضيف أن وجود مقدم ضمانات قوي ومستقر ماليا يعزز ثقة البنوك في التوسع في إقراض هذه المشروعات. ويتفق طه مع هذا الرأي، "شريطة أن يظل التنفيذ فعالا، وألا يجعل الضمانات باهظة التكلفة أو بطيئة".

ما يجب مراقبته

يرى أبو الفتوح أن "الأمور التي تستحق المتابعة في الفترة المقبلة تشمل عدد الشركات المرخصة بعد انتهاء المهلة، وحجم الضمانات الصادرة، والزمن بين طلب الضمان وصدوره، وقيم النسب الرقابية حين تُعلن، ومدى قبول البنوك للضمان بديلا عن الضمانات العينية". ويضيف: "هذه العلامات هي التي ستكشف من دفع ثمن الرقابة الأشد: الشركات أم المشروعات أم السوق بأكمله". ويتوقع أبو الفتوح أن الأثر المباشر الأقرب للحدوث خلال مهلة توفيق الأوضاع سيكون "تباطؤا في التوسع وليس خروجا" من السوق، نظرا لأن مهلة العام والعامين تمنح الشركات مجالا لسد الفجوات أو ضخ رأس مال جديد. ويختتم حديثه لنشرتنا قائلا: "إذا غادرت شركات السوق، فقد يحدث ذلك بعد انتهاء المهلة إذا لم تستوفِ الشروط".