🤖 "سنمنح وكيل الذكاء الاصطناعي هوية ومحفظة".. هكذا أعلنت منصة التكنولوجيا السحابية كلاود فلير في أغسطس الماضي عن إطلاق خدمتين جديدتين تهدفان إلى منح وكلاء الذكاء الاصطناعي على المنصة هوية ثابتة وقدرة على إجراء عمليات شراء عبر الإنترنت بأمان، ضمن حدود وضعتها الجهات البشرية التي أنشأتهم. معنى ذلك؟ أصبح بإمكان التجار والمشترين لأول مرة الاعتماد على وكلاء التجارة الرقمية بثقة، إذ يعرفون هوية المتعاملين معهم وضمان أمن المعاملات في كل مرحلة.. أليس كذلك؟
في الواقع، أثار هذا الإعلان المزيد من التحفظ كما جرت العادة فيما يتعلق بالذكاء الاصطناعي، إذ حفز هذا التطور الجديد الجدل الدائر في قطاع المدفوعات، الذي يطرح تساؤلا: هل نشهد علامات على وجود الثقة اللازمة لإدارة تلك البنى التحتية الرقمية، بذات الوتيرة التي نشهد بها تطورها؟
تقوم التجارة المعتمدة على وكلاء الذكاء الاصطناعي على أنظمة مدعومة تنفذ مهام البيع والشراء ذاتيا، من خلال تصميم مسارات عمل باستخدام الأدوات المتاحة. وبخلاف التجارة الإلكترونية التقليدية التي تتطلب من المشتري البحث يدويا عن المنتجات ومقارنة الخيارات وقراءة التقييمات وإتمام عملية الدفع خطوة بخطوة، تنقل التجارة المعتمدة على الوكلاء الجزء الأكبر من هذه المهام إلى وكلاء يتسوقون نيابة عن المستخدم، قبل أن يتموا عمليات الشراء أو يقدموا توصياتهم بمنتجات محددة.
ذكاء.. على مراحل: من منا لم يبحث عن منتج أراد شراءه، فأسرعت ملخصات جوجل بتقديم ترشيحات فورا؟ أصبح وجود الذكاء الاصطناعي في عملية البحث والتسوق أساسيا، يتطور على ثلاث مراحل أساسية:
1#- المرحلة الأولى: كمساعد للاكتشاف، إذ يستخدمه كثير من المستهلكين للعثور على المنتجات وطرح التوصيات، ويعتمد عليه نحو 50% من المستهلكين عند البحث عن منتجات ما، بحسب تقرير ماكينزي.
2#- المرحلة الثانية: وفيها يظهر وكيل الذكاء الاصطناعي عبر اقتراح الخيارات وتسهيل المعاملة عبر الواجهات الحوارية، بينما يظل الإشراف والموافقة النهائية بيد المستهلك وهو ما يدور حوله مفهوم التجارة بالوكلاء. وهنا برزت بروتوكولات مثل بروتوكول التجارة بالوكالة من أوبن أيه أي، وبروتوكول التجارة العالمي من جوجل الذي تعاونت فيه عملاقة التك مع منصات التجارة مثل شوبيفاي لإتاحة الاعتماد على وكلاء الذكاء الاصطناعي بداية من العثور على المنتجات وصولا إلى الدفع وما بعده.
3#- المرحلة الثالثة: هنا يكتسب الوكلاء استقلالية كبيرة، وهو تصور يشتمل على إتمام عمليات الشراء تلقائيا نيابة عن المستهلك، فإن فرغت ثلاجتك من منتجات معينة كالألبان مثلا، يطلبها تطبيقها الذكي تلقائيا. يركز هذا السيناريو على السلع الروتينية والأساسية، إذ يمنح المستهلك شعورا بالراحة والتحكم بدلا من القيام بمهام مكررة روتينية مملة.
لا تعد كلاود فلير سباقة في هذا الشأن، فقد طورت فيزا كذلك بروتوكول الوكيل الموثوق، وأطلقت ماستركارد خدمة أجينت باي، وهي الخدمات التي تمنح تلك الأنظمة هوية قابلة للتحقق وصلاحية إنفاق محدودة وسجل معاملات قابل للتدقيق يمكن للتجار والمستهلكين الاعتماد عليه.
إمكانات ضخمة
قد تدير التجارة القائمة على الوكلاء معاملات بقيمة تتراوح بين 3-5 تريليونات دولار عالميا بحلول عام 2030، وفق تقديرات مؤسسة ماكينزي، مع توقعات بأن تبلغ حصة قطاع التجزئة الاستهلاكي في الولايات المتحدة وحدها نحو تريليون دولار، وسط تزايد الاعتماد على وكلاء الذكاء الاصطناعي في عمليات البحث عن المنتجات، والمقارنة بينها، وإتمام قرارات الشراء بالنيابة عن المستهلكين.
إدارة المخزون.. وتوقع الطلب: يخسر قطاع التجزئة العالمي نحو 1.73 تريليون دولار سنويا بسبب أخطاء المخزون التي تشمل نفاد السلع أو تكدسها، وفقا لبحث أجرته شركة أي إتش إل، هنا يمكن توظيف وكلاء الذكاء الاصطناعي لتحليل بيانات المبيعات الحالية وحركة المتسوقين وحتى التوجهات الموسمية، لاتخاذ قرارات تلقائية بطلب البضائع أو إعادة تسعير السلع بطيئة الحركة، ما يحافظ على كفاءة سلسلة التوريد ويمنع الخسائر المترتبة على سوء التخطيط.
التسعير الديناميكي والتفاوض الآلي: تستطيع هذه الأنظمة مراقبة أسعار المنافسين على مدار الساعة، وتعديل أسعار المنتجات في الوقت الفعلي لضمان التنافسية وتعظيم هوامش الربح، بل وتمتد قدراتها إلى قطاع الأعمال بين الشركات، من خلال التفاوض الآلي مع الموردين استنادا إلى معطيات العرض والطلب.
تخصيص فائق: يصبح النظام قادرا على تتبع سلوك العميل في المتجر الإلكتروني، وتقديم عروض استباقية تناسب تفضيلاته الشخصية بدقة، فضلا عن إدارة عمليات الاسترجاع أو الرد على الاستفسارات المعقدة.
الحد من الخسائر ومكافحة الاحتيال: يذهب البعض إلى الاعتقاد بأن وكلاء الذكاء الاصطناعي يشكلون طبقة حماية متقدمة قادرة على تحليل المعاملات اللحظية لرصد السلوكيات المشبوهة، سواء في محاولات الاحتيال عبر التجارة الإلكترونية، أو حتى رصد الأنماط غير المعتادة عند أجهزة الدفع الذاتي في المتاجر الفعلية.
ماذا عن المنطقة؟
هل يهتم التاجر المصري بوكلاء الذكاء الاصطناعي؟ جذبت تقنيات الذكاء الاصطناعي مثل التخصيص والمعاملات المستقلة اهتماما بين لاعبي قطاع التجزئة والتجارة المحلية بواقع 55.7%، حسبما أشار استطلاع رأي أجرته مجلة فاست كومباني بالشراكة مع فيزا، شمل 300 مشارك من الإمارات والسعودية و200 مشارك من مصر.
.. لكن: في حين تتقدم التكنولوجيا بوتيرة متسارعة، يحتاج القطاع بحاجة إلى استيعاب كامل لما يعنيه الاعتماد على وكلاء مستقلين، إذ لا يزال ما يقرب من ثلاثة أرباع المشاركين في الاستطلاع من مصر غير ملمين بمفهوم التجارة المعتمدة على الوكلاء الأذكياء.
السعودية في الصورة: في السوق السعودية سارعت منصات التجارة الإلكترونية الكبرى مثل سلة إلى دمج أدوات الذكاء الاصطناعي لتمكين التجار من أتمتة العمليات الحيوية، مثل التواصل مع العملاء ومتابعة الطلبات والتذكير بسلال المشتريات المتروكة، ما يقلل من الحاجة للتدخل البشري المباشر ويعزز كفاءة التشغيل.
طموح مستقبلي: رغم قلة الوعي نسبيا بما تعنيه هذه التقنية، تخطط أكثر من 83% من الشركات المصرية إلى الاستثمار في التجارة المعتمدة على الوكلاء خلال العامين المقبلين، إذ يتوقع أكثر من 70% أن تحدث التقنيات المعتمدة على الوكلاء الأذكياء تأثيرا ملحوظا ولو بدرجة بسيطة على قطاعاتهم خلال الفترة الزمنية ذاتها. في الوقت نفسه، أبدى نحو ست من كل عشر شركات في الإمارات والسعودية اهتماما مماثلا، بحسب الاستطلاع.
تحديات ومخاوف
الأمن والحوكمة.. وأشياء أخرى: من بين المعوقات الأكثر إلحاحا تأتي خصوصية البيانات وأمنها على رأس القائمة بالنسبة للمشاركين في استطلاع رأي فيزا، إذ يعالج وكلاء الذكاء الاصطناعي كميات هائلة من البيانات الحساسة، بما في ذلك تفاصيل المدفوعات والمعلومات الشخصية، ما يفرض الاستثمار في أنظمة تشفير وامتثال قوية. كما يخشى التجار عدم وضوح العائد على الاستثمار إلى جانب تحديات الحوكمة والثقة — التي تتجاوز تحديات القيود التكنولوجية ونقص المهارات — وهو الأمر المفهوم للغاية، ففي وقت يعاني فيه المستخدم المصري من مشكلات احتيال بأشكال مختلفة، يصبح الوثوق في وكيل اصطناعي للشراء والدفع بدلا عنه طموحا عاليا.
أيضا — شهدت أوساط التكنولوجيا مؤخرا العديد من الحوادث التي خرجت فيها نماذج الذكاء الاصطناعي عن السيطرة، لتخترق أنظمة بيئية محكمة، ما دفع بشركات مثلا أوبن إيه أي إلى تعليق تدريب عدد من نماذجها. هذا السلوك غير المألوف قد يظهر في وكيل الذكاء الاصطناعي عند شراء منتج ما، فما يضمن أمان البيانات التي يحملها ويتخذ بناء عليها قرارات بالشراء؟
ماذا بعد؟ بينما حققت شركات التجزئة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي نموا في المبيعات يعادل 2.3 ضعف، ونموا في الأرباح يبلغ 2.5 ضعف مقارنة بمنافسيها، بحسب تقرير أي إتش إل، يظل الفرق جليا بين مجرد الاعتماد على تقنيات ذكاء اصطناعي في الخلفية، وبين منح دفة القيادة لوكيل يتخذ قراراته بشكل شبه مستقل، خاصة في ظل التحول نحو إبطاء سباق التطور المتسارع لأدوات ونماذج الاصطناعي خوفا من نتائج لا تحمد عقباها، ما قد يعني تهدئة ملحوظة في تطوير التقنية للوصول إلى الاستقلالية الكاملة على المدى القريب.