Posted inتدوينة الجمعة

كيف غيرت "الميمز" طريقة مزاحنا وتواصلنا الإنساني؟

😭 عن كوميديا الملصقات في عصرنا السريع: في الآونة الأخيرة، تغير شيء جذري في طريقة حديثنا مع بعضنا البعض، التغيير الذي يمكن ملاحظته بسهولة عند تصفح أي محادثة على الواتساب الخاص بأحدنا، حيث الإيموجيز الباكية معبرة عن الضحك، والملصقات "الاستيكرز" العشوائية ملازمة لكل جملة ورد.

💡 تدوينة الجمعة — مساحة شهرية نخصصها في إنتربرايز ويك إند لمقالات تحليلية وتدوينات نسلط فيها الضوء على موضوع يستحق التوقف عنده، بعيدا عن الأخبار العاجلة والأدلة الإرشادية. في هذا الأسبوع نلقي نظرة على التحول السلوكي المرتبط باستخدام الميمز والملصقات كوسيلة سريعة للتعبير عن النفس في العصر الحالي.

انخفض متوسط فترة انتباه الإنسان على الإنترنت من 2.5 دقيقة في عام 2004 إلى 47 ثانية اليوم، وفقا لأستاذة علم النفس جلوريا مارك، التي تتبعت أبحاثها حول الانتباه الرقمي هذا التدهور عبر عقدين من الزمن. أصبحنا ننتقل بين المهام بشكل أسرع، معالجين معلومات أقل محتفظين بذكرى ما قرأناه وقت أقل. أصبحت مشاهدة الفيديوهات الطويلة ثقيلة على القلب، وقراءة النصوص الطويلة مهمة يصعب على الكثيرين تجاوزها.

الميم محل الحديث: في عصرنا الحالي، لم يعد هناك حاجة إلى قول الكثير، فالميمز والملصقات جاهزة ومعبرة وسريعة، تنهي محادثة أو تبدأ أخرى بنفس فعالية الكلام. أثار هذا التحول مخاوف عالمية حول ما يعنيه ذلك لعلاقاتنا الشخصية ومهارات التواصل الإنساني خارج حدود الإنترنت على أرض الواقع، حيث لا وجود لملصق أو ميم ينقذك عندما تعجز عن التعبير بالكلمات.

المخاوف ليست جديدة: أثر الاستخدام الكثيف للغة الإنترنت والميمز على قدرات الكتابة الرسمية بمرور الوقت لدى نحو 64% من المشاركين في استطلاع رأي شمل 453 مشاركا من مختلف الفئات العمرية، جاء ضمن دراسة نشرت عام 2024 في دورية علم النفس السيبراني والسلوك والشبكات الاجتماعية. ركزت الدراسة على استخدام هؤلاء الأفراد لأدوات التواصل الرقمي وتأثيراتها المتصورة على اللغة والتواصل الشخصي، والأمر المثير للقلق حقا هو أن 52% قد أفادوا أن المحادثات وجها لوجه أصبحت أكثر صعوبة بعد فترات طويلة من الاعتماد على التواصل الرقمي.

إن الجيل الذي نشأ على التعبير عن مشاعره من خلال صور "الكوميكس" الساخرة — مثل أساحبي، أتتذكرونه؟ — قد طور مفردات عاطفية غنية للفضاء الرقمي فيما أهمل الواقع تماما. معظم الناس لا يحبون القراءة، والآن مع نمط الحياة السريع الذي يعيشه معظمنا، لم يعد لدى الجميع الوقت أو الصبر للقراءة، حسبما قالت دينا شعبان، مصممة الجرافيك والأستاذة المساعدة في الجامعة الأمريكية بالقاهرة في حديثها لمجلة كارفان التابعة للجامعة. يشير ذلك ضمنا إلى أننا اخترنا الطريق الأسهل المختصر على حساب العمق، وأن ما أخذناه من السرعة باليمين، فقدناه لصالح الدقة والأصالة باليسار، إذ تجعلنا لغة الاختزال الرقمية أسوأ فيما يتعلق بالتفاصيل الحقيقية للحياة وجها لوجه.

هذا القلق مبرر.. لكنه يفترض أن الميمز هي شكل بسيط من أشكال التواصل، وهذا غير صحيح.

الاستيكرز تحت المجهر: في تحليل أُجري عام 2023 لملصقات الواتساب من قبل باحثين في جامعة بينا نوسانتارا في إندونيسيا، فحص الباحثون 100 ملصق مستمد من محادثات حقيقية للطلاب، وصنفوها بناء على 7 أنواع للعلاقات بين النص والصورة، وقد وجدوا أن 5% فقط من الملصقات كانت مرئية بحتة دون نص. وكانت الفئة السائدة بنسبة 37% هي الفئة "الإضافية" وشملت الملصقات التي تساعد فيها الصورة والنص في إيصال معنى لا يمكن لأحدهما إيصاله بمفرده. في حين اندرج 10% ضمن فئة "الاعتماد المتبادل"، حيث لا معنى للصورة ولا النص دون بعضهما البعض.

هذا يعني أن الضحك عند رؤية ملصق معين ينتج عن عملية معقدة من الفهم، تشمل ملء فجوة ما يراه المرء وما يقرأه، والربط بين السياق الثقافي والعاطفي ونبرة المحادثة الخفية التي تجعل النكتة مفهومة ومضحكة.

الدليل على ذلك هو تحليل لغوي وسيميائي لـ 60 ميما باللغتين العربية والإنجليزية مستمدة من فيسبوك وإنستجرام، أجرته دراسة لجامعة الشرق الأوسط في الأردن، وفيه اعتمدت على تطبيق إطار هاليداي الاجتماعي السيميائي على هياكلها اللفظية والمرئية. كان الاستنتاج الرئيسي هو أن الميمز تعمل من خلال أدوات التماسك النصي مثل الحذف والإشارة والربط والتكرار.

بعبارة أخرى، تعتمد الميمز على المعاني بين السطور، إذ تترك أشياء غير مذكورة ترجع إلى ذكاء القارئ وإلمامه بالثقافة والمعرفة الكافية لإكمال الفراغات وفهم المعنى بناء على المعرفة الثقافية المشتركة.

تفهم الميمز، إذا أنت مثقف؟ أثبت استطلاع للرأي أجري في الجزائر العام الماضي ذلك، إذ تمكن جميع المشاركين وعددهم 75 مشاركا من التعرف على جميع الميمز المقدمة لهم، والتي استمدت من أفلام وثائقية وبرامج تلفزيون الواقع وبرامج حوارية وأحداث تاريخية غامضة ومصادر أخرى متخصصة. لم ير المشاركون اللقطات الأصلية التي اشتقت منها هذه الميمز، لكن التعرف عليها لم يتطلب ذلك، ما يعني أن الاعتماد على الميمز في التواصل لم يكن مؤشرا على الافتقار إلى التفكير النقدي أو الوعي المدروس، بل هو ببساطة نوع مختلف من التفكير.

ما يقلق الباحثين ليس الميمز بحد ذاتها، بل ما قد تحل محله: إذا كنت تلجأ إلى صورة كلب باكي للتعبير عن حزنك أو تبحث عن ملصق لطيف لتعبر عن امتنانك للكلام الحلو "اللي مبتعرفش ترد عليه" كما فعلنا جميعا في مرحلة ما، فأنت إلى حد كبير لا تعبر عن ذاتك. لا تجعلنا الميمز أغبياء، بل إنها تغير طبيعتنا كبشر.