✈️ لطالما كانت لحظات التتويج ورفع العلم المصري في المحافل الدولية قمة المجد الرياضي، لما تلخصه من سنوات من العمل الشاق والانضباط والتدريب المستمر داخل الصالات. لكن خلف هذه المشاهد الاحتفالية التي تسعد الجماهير، تتقاطع مسيرة الرياضي مع منظومة من الإعداد والمعسكرات والدعم، إلى جانب ظروفه المادية والأسرية وتحديات حياته اليومية.
خلال الأعوام الماضية، شهدت بعثات الألعاب الفردية — تحديدا المصارعة ورفع الأثقال — عددا من الحالات التي قرر فيها اللاعبين عدم العودة إلى مصر بعد مشاركتهم في بطولات خارجية، وتنوعت ملابسات هذه الحالات ودوافعها بين ظروف شخصية وضغوط مالية تحدث عنها بعض اللاعبين، ووقائع أخرى خضعت لتحقيقات رسمية وإدارية، ما يطرح تساؤلات حول أوضاع الرياضيين، وآليات متابعتهم والدعم المقدم لهم خلال مسيرتهم.
أزمات تتجدد في معسكرات أوروبا
تجدد الملف خلال أغسطس 2026 بواقعتين متقاربتين في منتخب مصر للمصارعة. الأولى بطلها زياد حجاج الذي غادر مقر بعثة الشباب في سلوفاكيا عقب مشاركته في بطولة العالم، قبل أن يتحدث لاحقا عن ضغوط مالية وأسرية، موضحا حصوله على دعم بنحو 700 جنيه شهريا، بينما يتحمل والده الذي يعول سبعة أبناء جانبا من تكاليف إعداده ومشواره الرياضي. بعد أيام قليلة، غادر المصارع محمد مصطفى الشامي البعثة من ترانزيت في العاصمة الإيطالية روما أثناء العودة إلى القاهرة، مبررا موقفه في رسالة مؤثرة أشار فيها أنه شعر بضرورة تحمل مسؤولية أسرته وتخفيف العبء المادي عن والده الذي لم يعد قادرا على تحمل تكاليف الحياة.
عقب الواقعتين، فتحت وزارة الشباب والرياضة واللجنة الأولمبية تحقيقات بشأن ملابساتهما، مع اتخاذ إجراءات بحق بعض الإداريين على خلفية ثغرات تنظيمية تتعلق بمتابعة أفراد البعثات وإجراءات السفر والعودة.
وقائع مماثلة خلال السنوات الماضية
في عام 2023، غادر المصارع أحمد بغدودة معسكر المنتخب في تونس بعد حصوله على الميدالية الفضية في بطولة أفريقيا متجها إلى فرنسا، وفي العام نفسه اختفى المصارع سيف الكومي من معسكر قيرجيزستان ليظهر بعد فترة في العاصمة البولندية وارسو، وقبل ذلك بعام، اختفى المصارع محمد عصام فتحي من مقر البعثة في إيطاليا.
وبين عامي 2017 و2019 شهدت المصارعة حالات هروب أخرى، من بينها مغادرة حسن حسن للبعثة المصرية في المجر، فيما سبق ذلك مغادرة شقيقه أحمد حسن بوشا بعثة المنتخب في فنلندا عام 2017. كما غادر إبراهيم غانم الونش البعثة المصرية خلال الترانزيت في مطار روما، قبل أن يستقر في فرنسا ويحصل لاحقا على جنسيتها ويمثل منتخبها، ويتوج بطلا للعالم في المصارعة الرومانية.
كلفة الإعداد والعائد
تحتاج الألعاب الفردية إلى سنوات من التدريب والمعسكرات والمشاركة الدولية قبل أن يصل اللاعب إلى منصات التتويج، إذ تصدر وزارة الرياضة تصاريح سفر لنحو 800 بعثة رياضية تضم قرابة 25 ألف لاعب ولاعبة سنويا، ما يعكس حجم المشاركات الخارجية التي تديرها المنظومة الرياضية.
لكن حجم المشاركات لا يلغي التحديات التي يواجهها اللاعبون في الوصول إلى هذه الفرص والاستفادة منها، إذ تؤثر محدودية الميزانيات على فرص المشاركة في المعسكرات والبطولات الخارجية، وما توفره من احتكاك بالمنافسين على المستوى الدولي،
حسبما صرح لاعب منتخب مصر للترايثلون هيثم عادل، لإنتربرايز، موضحا أنه في بعض الأحيان يتحمل بنفسه جانبا من تكاليف المشاركة في البطولات، بما في ذلك الانتقال والإقامة والإعاشة سواء في البطولات المحلية والقارية، وعندما لا تتوفر الموارد المالية اللازمة قد لا يتمكن اللاعب من المشاركة.
تؤثر قلة المعسكرات والمشاركات الخارجية على فرص اللاعبين في الاحتكاك بأبطال العالم وتطوير مستواهم، حسبما أضاف عادل، مشيرا إلى أن اللاعبين يحتاجون إلى استمرار الدعم بعد تحقيق الإنجازات، من خلال متابعة احتياجاتهم من الأدوات والتدريب والمعسكرات وعدم اقتصار الاهتمام بهم على فترات البطولات.
الدعم والاستمرارية
حول أسباب توجه بعض اللاعبين إلى تمثيل دول أخرى، أكد عادل أن نقص التدريب والمعسكرات والدعم يمكن أن يكون أحد العوامل التي تدفع اللاعب إلى البحث عن فرصة أخرى، خصوصا إذا كان مؤمنا بقدرته على تحقيق نتائج أفضل. في هذا السياق، رفض عادل وصف مغادرة اللاعبين بالهروب، بل اعتبرها محاولة من اللاعب للحصول على فرصة أخرى في مكان مختلف: "اللاعب يحتاج إلى بيئة تساعده على الاستمرار في تطوير مستواه، وعدم الاهتمام به بعد تحقيق بطولة أو اثنتين قد يؤثر في قدرته على مواصلة مسيرته الرياضية".
يحتاج لاعب الألعاب الفردية إلى قدر أكبر من الاستقرار يسمح له بالتفرغ لرياضته، على غرار ما يحدث في الألعاب التي توفر للاعبين دخلا منتظما مثل كرة القدم، إذ لا ينبغي أن يظل منشغلا بتكاليف المعيشة والمواصلات والسفر والمشاركة في البطولات إلى جانب التدريب، فوجود أساس مادي مستقر يساعده على التركيز في رياضته وتطوير مستواه، بحسب عادل.
تحرك برلماني؟
تقدم عضو مجلس النواب أشرف أمين بسؤال برلماني بشأن مغادرة حجاج مقر البعثة المصرية في سلوفاكيا، مطالبا بتحديد المسؤولية عن الواقعة ومراجعة إجراءات متابعة وتأمين البعثات الرياضية خلال المشاركات الخارجية. كما طالب بتحديد المسؤولين عن الواقعة ومحاسبة أي طرف يثبت تقصيره الإداري أو التنظيمي، إلى جانب مراجعة آليات متابعة أفراد البعثات خلال السفر والمشاركة في البطولات الخارجية.
تضع هذه الحالات المتتالية الدولة أمام مسارين متوازيين للتعامل مع الملف، إذ لا يجب أن يقتصر التعامل مع حالات عدم عودة اللاعبين على تشديد إجراءات السفر، وإنما يتطلب فهم الظروف المحيطة باللاعب وأسرته، حسبما أكد وزير الشباب والرياضة جوهر نبيل في تصريحات صحفية، مؤكدا أن بعض اللاعبين قد تكون لديهم أسباب وظروف تفسر قرارهم وأن فحص عدد من الحالات أظهر مرور أصحابها بأزمات مالية وأسرية، مضيفا أن الوزارة عاكفة على إيجاد حلول تضمن التكفل باللاعب وأسرته وتلبية متطلباته، بما يساعد على الحفاظ على المواهب والحد من تكرار هذه الحالات.. فهل ينتهي هذا الوضع المأزوم أم تستمر موجة فقدان المواهب المحلية؟