Posted inإنتربرايز تشرح

الجنيه الرقمي تحت المجهر

💰 مرحبا بعصر الجنيه الرقمي: يتحرك البنك المركزي المصري بخطوات حثيثة لإصدار الجنيه الرقمي لأول مرة، في خطوة تعد إيذانا ببدء مرحلة مختلفة في عالم المعاملات المالية. وتختلف عملية إرسال الأموال عبر إنستاباي أو محافظ الهواتف عن مفهوم الجنيه الرقمي، إذ تمثل التزاما على البنك أو شركة الاتصالات التي تحتفظ بتلك الأموال نيابة عن المستخدم، فيصبح كل ما في الأمر أنها تتحرك بوتيرة أسرع من ذي قبل، أما الجنيه الرقمي فهو قصة مختلفة تماما.

إذن.. ما هي عملة البنك المركزي الرقمية؟ هي عبارة عن كاش رقمي يشبه تماما الأموال الموجودة في محفظتك، الفارق أنه لا يوجد بنك أو شركة اتصالات تلعب دور الوسيط عندما ترغب في إرسالها أو استقبالها. يعمل المركزي حاليا على الانتقال من مرحلة المفهوم إلى التجسيد على أرض الواقع، ممهدا الطريق لطرح العملة على مستوى المؤسسات أولا، قبل الانتقال إلى الإصدار الأوسع على مستوى الأفراد.

ظهرت فكرة نقود البنوك المركزية الرقمية كرد فعل على ما سبقها، إذ أدى صعود العملات المشفرة غير المنظمة إلى مراقبة البنوك المركزية لتطور النقود الرقمية خارج أنظمتها بالكامل، حتى جاءت بفكرة النقود الرقمية كرد فعل على هذا التطور المتسارع. تنقل هذه العملات السمات الفريدة لأموال البنك المركزي مثل الأمان ونهائية التسوية والموثوقية إلى الاقتصاد الرقمي، حسبما قالت خبيرة الاقتصاد الرقمي مي حجازي لإنتربرايز.

مسألة سيادة: كانت الصين أول من تحرك على نطاق واسع عبر إطلاق اليوان الرقمي، وكان الدافع هو امتلاك مسار مدفوعات تتحكم فيه من البداية إلى النهاية، لا يمر عبر نظام سويفت أو فيزا أو ماستركارد أو أي من البنى التحتية المقومة بالدولار التي لا تزال معظم مدفوعات البطاقات في العالم تعتمد عليها، وفقا لما قاله خبير سابق في البنك المركزي المصري لإنتربرايز.

ما الذي يميز عملة المركزي الرقمية؟

.. أنها ببساطة خاضعة لسيطرة وتنظيم البنك المركزي: تغير العملة الرقمية للبنك المركزي الأداة النقدية نفسها، فعندما يستخدم العميل طريقة دفع فوري لتحويل الأموال من حساب إلى آخر، يكون المبلغ بحد ذاته التزاما على البنك التجاري، بحسب حجازي. يسهل مسار الدفع الحالي عملية التحويل، لكنه لا يغير طبيعة الأموال، فلا يحتفظ المستهلكون بأموال البنك المركزي إلا في صورة نقدية مادية، في حين تحتفظ بها البنوك وحدها رقميا كاحتياطيات. في حالة إصدار الجنيه الرقمي، سيحظى المستهلكون بميزة غير مسبوقة تضع أموال البنك في أيديهم مباشرة.

أين يكمن الاختلاف؟ عندما يدفع العميل عبر نظام دفع سريع، فإنه يحرك ودائع البنوك التجارية، إذ "ينقل تحويل إنستا باي القيمة بين حسابات بنكية قائمة، في حين تنقل المحفظة المحمولة الأموال الإلكترونية داخل النظام البيئي لمقدم الخدمة"، حسبما قال المحلل المالي هاني أبو الفتوح لإنتربرايز. ونظرا لأن هذا الشكل من الأموال يمثل التزاما على الكيان المصدر له، فإنه يحمل المخاطر الائتمانية لذلك المصدر. على النقيض من ذلك، فإن العميل الذي يستخدم عملة رقمية للبنك المركزي مخصصة للأفراد يستخدم في الواقع أموالا تمثل التزاما على البنك المركزي، وبالتالي لا تحمل أي مخاطر ائتمانية، وفقا لبنك التسويات الدولية.

ميزة أخرى رائعة.. الدفع في كل وقت: تتمتع العملات الرقمية للبنوك المركزية أيضا "بالقدرة على الحفاظ على المدفوعات الرقمية في الظروف التي لا يتوفر فيها الاتصال التقليدي بالإنترنت"، بحسب حجازي.

والميزة الأكثر جدلا: تعني القابلية للبرمجة قصر استخدام الأموال على أغراض محددة مسبقا، وهي الميزة التي يروج لها مسؤولو البنوك المركزية بحماس شديد، بينما يعارضها المدافعون عن الخصوصية بنفس القدر وللسبب ذاته، إذ يمثل اشتراط استخدام الأموال في غرض معين — كدعم لا يمكن استخدامه إلا لشراء السلع التموينية مثلا — أداة قوية لأنها تمثل شكلا من أشكال السيطرة. ومع ذلك، "يمكن بناء وظيفة الدفع المشروط حول عملة رقمية غير مقيدة"، وفقا لحجازي.

الشركات أولا ثم الأفراد.. أليس كذلك؟

العملات الرقمية المخصصة للأفراد هي التي سيحملها المستهلك في محفظته، وهي المرحلة الحرجة لأنها قد تعطل النظام المصرفي، بعكس العملات الرقمية الموجهة للمؤسسات المالية التي تعمل بشكل مشابه لاحتياطيات البنك المركزي التقليدية، ولكنها تقدم ميزات إضافية من خلال تقنية الترميز.

مزايا إصدار العملات الرقمية للأفراد لا تزال محل نقاش: نظريا وفي حال تنفيذه بنجاح، قد يسمح إصدار الجنيه الرقمي بمزيد من الشمول المالي وخفض تكلفة التعامل بالنقود الورقية وتحويل مدفوعات الدعم فوريا مع الاحتفاظ بسجل كامل، فضلا عن جذب شريحة كبيرة من الاقتصاد غير الرسمي نحو القنوات الرسمية. ومع ذلك، لم تكتمل عملية الطرح العام للأفراد إلا في ثلاث دول فقط هي جزر البهاما وجامايكا ونيجيريا. وتعد عملة "إي نايرا" النيجيرية دليلا على تجربة متعثرة قليلا، إذ أطلقت في سوق تمتلك بالفعل أنظمة مدفوعات رقمية يفضلها الأفراد، ما أدى إلى تعثر معدلات تبنيها.

في التأني السلامة: تتركز المخاطر الأساسية للعملات الرقمية في تهميش دور البنوك، في حال سحب المودعون أموالهم من البنوك التجارية لاستخدام تلك الميزة الجديدة، إلا أن ذلك يعتمد على البنية التشغيلية للعملة. "يمكن للهياكل الحديثة للعملات الرقمية للبنوك المركزية الحفاظ على دور قوي للبنوك التجارية ومقدمي خدمات الدفع في عمليات تسجيل العملاء وتوزيع العملة وخدمات العملاء"، بحسب حجازي، التي لا تعتقد أن العملات الرقمية للأفراد ستنافس أنظمة الدفع الفوري.

كما تثير العملات الرقمية للأفراد مخاوف تتعلق بالخصوصية، تتجلى عند الحديث عن قدرة الدولة على مراقبة إنفاق المواطنين، فضلا عن التهديد الهيكلي للأمن السيبراني المتمثل في وجود هدف مركزي واحد.

تكمن القوة الحقيقية لعملات البنوك المركزية الرقمية في تطبيقات المؤسسات والمدفوعات عبر الحدود، وفق حجازي، مضيفة أن إنشاء بنية تحتية متعددة لتلك العملات يمكن أن يجمع بين عملات مختلفة وأموال البنوك المركزية والتسويات عبر الحدود على طبقة بنية تحتية مشتركة، ما يقلل من بعض الشتات المتأصل في ترتيبات المراسلة المصرفية التقليدية.

سيناريو عملي: في يناير 2024، أجريت تجربة لمعاملة عابرة للحدود باستخدام الدرهم الرقمي، وفيها أرسل نحو 50 مليون درهم رقمي إلى الصين عبر منصة "إم بريدج" القائمة على تقنية البلوك تشين لتسهيل التحويلات في الوقت الفعلي بين البنوك المركزية في الصين وهونج كونج وتايلاند.

أين تقف مصر حاليا؟

يمر البنك المركزي المصري حاليا بمرحلة دراسة المفهوم مع خطة مبدئية لطرح أوسع بحلول عام 2030، وهو التاريخ المرتبط بخريطة طريق مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار التي تربط الجنيه الرقمي بهدف الوصول إلى نسبة شمول مالي كاملة، و80 مليون محفظة إلكترونية نشطة بحلول نهاية العقد. في عام 2025، وقع البنك المركزي مذكرة تفاهم للتعاون المتبادل مع بنك الشعب الصيني، تضمنت بنودا حول التعاون في مجال العملات الرقمية للبنوك المركزية. وفي العام ذاته، قال محافظ بنك المغرب عبد اللطيف الجواهري إن بلاده تتعاون مع المركزي المصري لاستكشاف تطبيقات الدفع عبر الحدود بدعم من البنك الدولي أيضا، ورغم كل ذلك.. لم يعلن عن أي هيكل تشغيلي حتى اليوم.