☕ بديل القهوة والماتشا.. بلح؟ تزداد شعبية القهوة والماتشا يوما بعد يوم خاصة بين الأجيال الأصغر، لتتربع بشكل ملحوظ على عرش مشروبات الكافيين، لكن تلك الشعبية المتزايدة تأتي بتكلفة باهظة، ما دفع كثيرين إلى البحث عن بدائل أكثر استدامة. من بين هؤلاء برز رائد الأعمال مصطفى شكري (لينكد إن)، الذي جاء بفكرة مبتكرة مفادها تقديم قهوة مصنوعة من نواة التمر عبر مشروعه الواعد "داتيرز". حاورت إنتربرايز المسائية شكري لفهم أساس الفكرة ونموذج عمل الشركة وطموحاته المستقبلية.
البداية
كان شكري قد أسس مصانع صغيرة في سيوة لخلق مصادر دخل جديدة للمجتمعات المحلية التي تحصد التمور في الصحراء. من هنا جاءته الفكرة: هناك إمكانات واسعة تحملها نواة التمر التي غالبا ما يجري التخلص منها، فاقترح على أصدقائه تجربة مشروب نواة التمر المصري التقليدي الذي طالما استخدم في المجتمعات الصحراوية كبديل عن القهوة. توالت ردود الفعل الإيجابية، وبدأ في اختبار السوق داخل المجتمعات المستدامة في إسبانيا خلال رحلاته مع أصدقائه.
عرف عن زراعة القهوة أنها ممارسة غير مستدامة، إذ يعتمد الإنتاج التجاري على إزالة الغابات وقطع الأشجار، فضلا عن الاستهلاك الكثيف للمياه والمواد الكيميائية، بعكس زراعة التمور التي اعتبرها شكري قمة الممارسات المستدامة، إذ ينمو نخيل التمر في الصحراء، ويزدهر في المناخات الحارة والجافة معتمدا على كميات قليلة نسبيا من المياه، لذا تعد مشروبات نواة التمر الخيار المستدام في صناعة مكلفة بيئيا وماديا، بحسب شكري.
دعم المجتمع ركيزة المشروع: بعد أن بدأ مسيرته في مجال الأثر الاجتماعي والاستدامة، وضع شكري هدف دعم المجتمعات المحلية صوب عينه باعتباره إحدى الركائز الأساسية لشركة داتيرز. كان قد خلق بالفعل علاقات قوية مع المجتمعات الصحراوية في مختلف الواحات المصرية، مؤكدا أن تلك المجتمعات تعاني من مشكلة الثقة في الأفراد القادمين من الخارج.
ركز شكري على التنمية الحقيقية لتلك المجتمعات، بداية من استضافة ورش عمل تعليمية ودعم نفسي، وصولا إلى مساعدتهم في تحسين مهارات التواصل. كما ساعد الفئات الأكثر احتياجا في تحديد المشاريع والأعمال المجدية التي يمكن أن توفر عوائد وأرباح طويلة الأجل، لينجح في النهاية من بناء مستوى من الثقة سهل عليه اللجوء إليهم للحصول على المساعدة في داتيرز، وبالتالي تأسيس سلسلة توريد أكثر موثوقية للعلامة التجارية.
عن فوائد المشروب؟ بخلاف كونه منتجا مستداما، يرتبط مشروب نواة التمر بعدد من الفوائد الصحية المحتملة، إذ يحتوي على خصائص مضادة للأكسدة ومضادة للالتهابات تساعد في الحماية من مرض السكري ومشاكل القلب، حسبما أشارت الأبحاث. كما قد توفر هذه المشروبات دفعة من الطاقة إلى جانب تحسين الأداء الرياضي وتقليل التعب. كما تدعم نواة التمر أيضا صحة الجهاز الهضمي، إذ أشارت الأبحاث إلى دورها المحتمل في تحسين وظائف الأمعاء من خلال ألياف البريبايوتكس المفيدة.
سوق صعبة
تمثل القهوة مفهوما محددا بوضوح ومشروبا قائما بذاته له مجموعة من الفوائد الخاصة به، ولهذا يعد تسويق المنتج كبديل للقهوة بالنسبة للمستهلك الأوروبي خطأه الأول، بحسب ما قال. فعندما قدم داتيرز لمستهلكي إسبانيا وإيطاليا، استاء الكثيرون من فكرة أن يكون مشروب نواة التمر معادلا للقهوة، لذا فلم يكن من الحكمة الترويج للمنتج باعتباره بديل عن القهوة.
بعد أن تعلم هذا الدرس بالطريقة الصعبة.. جاء وقت اختبار التذوق: كان الأمر في البداية مربكا للكثيرين ممن ظنوا أن المشروب سيكون حلو المذاق لأنه مصنوع من البلح، فلجأ شكري إلى فعاليات التذوق التي تسمح للأفراد بتجربته بأنفسهم، ليدركوا سريعا أنه لم يكن حلوا مثل التمر بل جاء مذاقه معتدلا.
بعد أن فهم الأفراد فكرة المشروع، أصبح استهداف المستهلك الأوروبي مهمة سهلة.. أسهل حتى من استهداف المستهلك المصري، إذ يتمتع المجتمع الأوروبي بفضول تجاه أي شيء أصيل، بحسب شكري. ورغم أن المشروب في حد ذاته لم يكن غريبا على المصريين، إلا أن كثيرين امتعضوا من فكرة شرائه من علامة تجارية، من منطلق "لم نشتريه وبإمكاننا إعداده بالمنزل؟".
عقبة صناعية: واجه شكري بعض التحديات عند تقديم المنتج للسوق المصرية بسبب سمعة نواة التمر، إذ أشارت التقارير إلى أن بعض العلامات التجارية المحلية للقهوة تغش قهوتها بنواة التمر وخلطات أخرى لتعويض الارتفاع الكبير في أسعار استيراد القهوة، إلى جانب الزعم بأن الطلب على القهوة فاق المعروض، ما ساعد على انتشار خلطات القهوة المغشوشة في السوق المحلية.
ولم تتوقف العقبات عند هذا الحد، فهناك مخاوف من احتمالية تلوث نواة التمر — إلى جانب العديد من بذور الفاكهة — بالرصاص من البيئة. وبطبيعة الحال، تردد الكثيرون في تناول أي شيء يعتقدون أنه قد يشكل خطرا على الصحة. ورأي شكري أن التلوث بالرصاص يمكن إرجاعه إلى الفاكهة نفسها وليس البذرة، وأن وجوده يعتمد في النهاية على مكان وكيفية زراعة المحصول.
مستقبل داتيرز
يطمح شكري إلى ترسيخ وجوده بشكل أقوى في السوق المحلية: تباع منتجات داتيرز حاليا في المقاهي ومتاجر الصحة في إسبانيا والنمسا وفرنسا والبرتغال، بينما تتاح في مصر حصريا عبر الموقع الإلكتروني الرسمي للعلامة. وقد ساعد حضور العلامة في إسبانيا وخضوعها لمعايير الجودة الدولية في تعزيز مكانتها لدى المستهلك المصري، بحسب شكري.
وأيضا — يعمل شكري حاليا على توسيع خط منتجاته بنكهات جديدة تضم الكاكاو والبندق والقرفة بعد نجاح اختبارات المستهلكين، كما أنه بصدد بناء أول متجر مخصص لشركة داتيرز في إسبانيا، في الوقت الذي يطمح فيه إلى افتتاح متاجر في جميع أنحاء أوروبا في خلال خمس سنوات. كما يطمح إلى التوسع في مصر إلى أكثر من التواجد عبر الإنترنت، من خلال بناء مقاهي فعلية لداتيرز في جميع أنحاء القاهرة.