Posted inبعد الخامسة

حكاية "حلم": كيف تبني المؤسسة المصرية مجتمعا أكثر شمولا؟

🏆 قصص حلم الملهمة: لم يتوقع فريق حلم لكرة القدم عند سفره إلى مدينة هيوستن بولاية تكساس الأمريكية للمشاركة في كأس جينوين — البطولة العالمية لكرة القدم الدامجة — أن يعود إلى الوطن متوجا بكأس البطولة، خاصة بعد خسارة مباراته الافتتاحية أمام الولايات المتحدة، بيد أن ذلك لم يثبط عزيمتهم، بل دفعهم للعودة بقوة بعد وقت قصير.

"كان الأمر أشبه بالمعجزة"، هكذا وصفت المؤسسة المشاركة لمؤسسة حلم آمنة الساعي (لينكد إن) تجربة البطولة لإنتربرايز. في خلال 3 أشهر فقط على تجهيز أول وفد لها على الإطلاق للمشاركة في البطولة، كونت مؤسسة حلم فريقا يضم 12 لاعبا. وقبل أيام قليلة من انطلاق البطولة، انتظر المدير الفني للفريق صدور تأشيرته، في حين وصل الفريق إلى الولايات المتحدة دون حارس مرماه الأساسي، فاضطرت المؤسسة إلى الاستعانة محليا بحارس مرمى مصاب بالتوحد، وعملت على بناء التجانس بين أعضاء الفريق بشكل سريع. لعب الفريق أمام كوستاريكا ثم أيسلندا، ليبدأ سلسلة انتصارات توجت بالفوز على أندورا بنتيجة 2-1 في المباراة النهائية، ليحصد أول ألقابه في كأس جينوين، في حين حصد الوفد أيضا جائزة أفضل طاقة.

بالنسبة لمؤسسة حلم، تجاوز معنى البطولة أكثر من مجرد الفوز بكأس: لم يسبق لبعض اللاعبين السفر إلى الخارج أو الابتعاد عن عائلاتهم من قبل، فمنحتهم تلك التجربة فرصة زيارة وكالة ناسا والالتقاء برياضيين من 53 دولة والعودة إلى الوطن مشبعين بشعور جديد بالثقة والاستقلالية. يجسد هذا الانتصار التساؤل الأكبر الذي يتمحور حوله عمل مؤسسة حلم: كيف سيكون الحال إن كان الدمج جزءا أصيلا من الحياة اليومية، بدلا من كونه قضية مجتمعية منفصلة؟

البداية

بدأت قصة مؤسسة حلم مع الساعي التي تنقلت في مسارها المهني بشكل مثير للإهتمام، فقد درست الصحافة والإعلام إلى جانب الفنون الجميلة في الجامعة الأمريكية بالقاهرة، وكانت تطمح في أن تصبح فنانة، لكنها مرت بتجربة ملهمة أثناء دراستها بالخارج في ألمانيا، عندما زارت معرضا يتيح للزوار تجربة الحياة اليومية دون حاسة البصر. كان التنقل باستخدام عصا والسير في شوارع يلفها ظلام دامس صعبا للغاية، فأدركت حينها مدى قلة معرفتها بمعاناة الأشخاص ذوي الإعاقات البصرية.

رحلة التمكين: بعد التخرج، فكرت الساعي مع صديقها والمؤسس المشارك للمؤسسة رامز ماهر (لينكد إن) في ربط تجربتها مع تيسير وصول ذوي الإعاقة، بتجربته في مشاهدة زميل كفيف بالجامعة الأمريكية عانى من تحديات وعوائق داخل الفصول الدراسية وفي الحياة الجامعية. سرعان ما أدرك المؤسسان أن الشعور بالإعاقة غالبا ما ينبع من البيئات التي يصممها المجتمع حول ذوي الإعاقة، مثل بناء السلالم بدلا من المنحدرات.

تبلورت الفكرة أكثر عام 2011، ثم انطلقت حلم كناد طلابي في الجامعة الأمريكية عام 2012 وتحولت إلى منظمة غير حكومية عام 2014 ثم أسست شركتها الاستشارية التجارية عام 2016.

الرحلة

التركيز على الفجوات: عندما بدأت حلم، كانت الفجوة واضحة، فرغم وجود برامج التأهيل والتدخل المبكر، لا تزال فرص العمل مفقودة، لذا ركزت على التوظيف. استقطب فريق المنظمة 600 شخص من ذوي الإعاقة وتواصل مع المقاهي والمطاعم والمصانع لتوصيل المرشحين بالوظائف المتاحة. المفاجأة أن بعد 6 أشهر، لم يستمر شخص واحد في وظيفته، وفشلت التجربة بشكل كبير، لكنها ساعدت في تغيير طريقة فهم المؤسسة لفكرة الدمج، "كل باب فتحناه كشف عن المزيد من المشكلات"، بحسب الساعي.

لا يمكن فصل التوظيف عما يحدث في المنزل أو المدارس أو المواصلات أو داخل بيئة العمل نفسها. كما تتطلب الإعاقات المختلفة احتياجات متباينة للغاية، بما في ذلك الإعاقات غير الظاهرة مثل التوحد ومتلازمة داون واضطراب تشتت الانتباه وفرط الحركة. أصبح هذا أساس نموذج حلم 360 المبني على فكرة مفادها أن المشكلة الشاملة تتطلب حلا شاملا من جميع الزوايا. بدلا من التركيز على مرحلة واحدة من حياة المرء، ترسم حلم مسار الدمج عبر مراحل الطفولة المبكرة والتدخل والتعليم والتوظيف والتطوير المهني ثم العيش المستقل والبنية التحتية والثقافة المجتمعية.

العمل على أكثر من جبهة: تقدم حلم خدماتها لجانبي المعادلة، إذ توفر للشركات والمؤسسات الاستشارات والتوظيف وتقييم إمكانية الوصول والتدريب ومنح الاعتمادات. بينما توفر لذوي الإعاقة إمكانية التدريب والتطوير المهني وتمهيد مسارات التوظيف. لا يفرض نموذج حلم رسوما على ذوي الإعاقة مقابل خدماته، في حين تدفع الشركات والمؤسسات مقابل الخبرات التي تحتاجها لجعل بيئات عملها وخدماتها أكثر شمولا.

شملت أعمال المؤسسة توفير المنحدرات والأرضيات اللمسية والمستندات واللافتات بطريقة برايل إلى جانب ترجمة لغة الإشارة. وتجمع أعمال حلم في الجامعات بين التقييمات الميدانية وتعديلات البنية التحتية وتدريب الموظفين لمعالجة العوائق المادية والاجتماعية، وهو ما دفع المؤسسة لدخول مجالي البنية التحتية العامة والسياحة. ففي الجيزة، طورت نموذجا ميسرا للأرصفة ومعابر المشاة حول جامعة القاهرة، باستخدام المنحدرات وخفض حواف الأرصفة والأرضيات اللمسية لمساعدة الطلاب المكفوفين وضعاف البصر على التنقل باستقلالية.

نحو نموذج مستدام: رأت الساعي أن الدمج المستدام لا يمكن أن يعتمد كليا على العمل الخيري، بل يجب على الشركات والحكومات أن تدرك القيمة الاقتصادية للدمج، خاصة بالنظر إلى حجم سوق وقوة عمل ذوي الإعاقة. يركز برنامج "سييد" التابع للمؤسسة على مهارات بيئة العمل مثل التواصل المهني ومهارات العرض وحل المشكلات وإدارة الوقت وآداب العمل وكتابة السيرة الذاتية والذكاء العاطفي. وقد قدم البرنامج أكثر من 3 آلاف منحة دراسية، بواقع نحو 500 خريجا من ذوي الإعاقة سنويا يحصل نحو 80% منهم على وظائف خلال عام واحد، بحسب ما تشير إليه البيانات.

تقدم المؤسسة أيضا برنامج "جرو" للراغبين في مواصلة تطوير مهاراتهم المهنية، إذ يوفر تطويرا مهنيا متقدما وتدريبا متخصصا، يليه برنامج "ستارز" الذي يلحق مجموعة أصغر من المرشحين المتفوقين ببرامج التعليم المستمر في الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مع دعم الشركاء من الشركات لتطويرهم المهني. كما تنقل حلم أيضا مفهوم الدمج إلى بيئة العمل من خلال بطولة "يونيتي كاب"، إذ تتنافس فرق من 30 شركة تضم لاعبين من ذوي الإعاقة وغيرهم، في رياضة كرة القدم للإعاقات المتنوعة ورياضة الجولبول بعد 4 أسابيع من التدريب.

الحلم.. بالأرقام

تعكس الأرقام إنجازا كبيرا فيما يتعلق بما حققته المؤسسة حتى اليوم:

  • أكثر من ألف شراكة وشبكة تضم أكثر من 500 شريك رئيسي
  • تدريب أكثر من 15 ألف شخص من أصحاب العمل وذوي الإعاقة
  • إجراء أكثر من 1500 تقييم لإمكانية الوصول
  • تمكين أكثر من 1500 شخص من ذوي الإعاقة مباشرة عبر مسارات التدريب والتوظيف
  • الوصول إلى أكثر من 250 مليون شخص من خلال الحملات التسويقية
  • الوصول إلى أكثر من مليار شخص من خلال حملات العلاقات العامة
  • امتداد نطاق العمل ليشمل 27 محافظة مصرية و5 أسواق إقليمية

يمتد تأثير المؤسسة إلى التعليم العالي أيضا، إذ بدأت حلم في تطوير مراكز خدمات ذوي الإعاقة عبر 5 جامعات حكومية بين عامي 2018 و2021، ثم وسعت تقييمات إمكانية الوصول والتدخلات عبر 27 جامعة حكومية بين عامي 2022 و2023. ساعدت المؤسسة منذ ذلك الحين في استنساخ النموذج في 15 جامعة حكومية إضافية، كما حصدت أعمال حلم جوائز عديدة منها جائزتي زيرو بروجيكت في مجالات التوظيف وإمكانية الوصول والتعليم، إلى جانب تكريمها من مسابقة أبطال الأعمال في أفريقيا.

ما وراء التمكين المهني

السياحة للجميع: عملت حلم مع شركاء محليين في مدينة دهب الساحلية لتطوير مبادرات للغوص وتسلق الصخور مخصصة لذوي الإعاقة، إلى جانب تركيب منحدرات على طول الممشى السياحي وتهيئة الفنادق وتدريب المجتمعات المحلية واعتماد مدربي غوص متخصصين، لتصبح السياحة جزءا من معادلة الدمج. كما عملت المؤسسة على تحسين إمكانية الوصول في المواقع السياحية البارزة بما في ذلك المتحف المصري الكبير ومعبد الكرنك، فيما يضم سجل أعمالها مشاريع لتهيئة إمكانية الوصول في أكثر من 1500 معلم سياحي رئيسي في مصر.

ماذا بعد؟ عقب الفوز بكأس جينوين، تتوسع المؤسسة من جديد عبر اتفاق وطني مع صندوق قادرون باختلاف، يستهدف تعزيز ملتقى "خطوة" للتوظيف وتوسيعه من 2500 مشارك ليصل إلى 100 ألف باحث عن عمل من ذوي الإعاقة على مدار 5 سنوات، فيما يتجه برنامج "سييد" للتوسع عبر جميع المحافظات.

تتضمن خارطة طريق المؤسسة لعام 2026 أيضا توسيع برنامج "جرو"، إلى جانب تعزيز مراكز خدمات ذوي الإعاقة في الجامعات وإنشاء مراكز لخدمات الإعاقة المهنية وإطلاق نسخة للعمالة الفنية من ملتقى خطوة. ومع وصول خدماتها إلى الجيزة وبعض أهم المواقع الثقافية والسياحية في مصر، قد تصبح الأهرامات هي الهدف التالي للمؤسسة.

العلامات: