Posted inبعد الخامسة

في رحاب الخليفة: كيف تحافظ "مجاورة" على التراث والأثر والإنسان

🕌 نظرة على "مجاورة": في جنوب القاهرة، يستقر التاريخ بين أحضان الحارات الضيقة، حيث يتقاسم الموتى والأحياء المساحة ذاتها من الذاكرة. يقف حي الخليفة شاهدا على مدينة عريقة لا تطوي صفحاتها، بل تقرؤها دفعة واحدة، تتجاور في مساحته المحدودة طبقات متعاقبة من تاريخ لعاصمة تنتمي إلى عصور مختلفة، تتقاطع شواهد ماضيها مع تفاصيل حاضرها.

بين قباب تحرس الحي ونسيج عمراني متجدد، تتلاشى المسافة بين الأثر والإنسان، لتظهر الحاجة إلى إعادة خلق الصلة بين سكان الحي وتراثهم، لا باعتبارهم زوارا عابرين، وإنما كشركاء في المكان والأثر بكل ما تحمله هاتان الكلمتان من وعي ومسؤولية. ومن هذا الدافع، بدأت مؤسسة "مجاورة" عملها.

عودة إلى الأصل

مجاورة هي كيان مشترك بين مكتب مجاورة للعمران وجمعية الفكر العمراني، يتكامل عملهما بين المشروعات الاستشارية والتجارية الخاصة التي تأتي عبر المكتب من جهة، والمشروعات التنموية الموجهة لخدمة المجتمعات المحلية وتطوير الحي عبر الجمعية من جهة أخرى. توسع نطاق عمل المؤسسة ليشمل مناطق تراثية أخرى، إلا أن حضورها الأعمق والأطول زمنيا يبقى في حي الخليفة، حيث تعمل المؤسسة منذ عام 2012 من خلال مبادرة الأثر لنا، وهي مظلة تجمع كافة الأنشطة التنموية الميدانية بالحي.

تقوم فلسفة المؤسسة على إعادة صياغة علاقة سكان حي الخليفة بالتراث المعماري واللامادي المحيط بهم، للانتقال بهم من مجرد متفرجين أو زوار عابرين إلى شركاء فاعلين وحراس حقيقيين لتراثهم. تعتمد هذه الفلسفة على إدماج كافة الفئات من أطفال وسيدات وحرفيين في عملية الحفاظ على الآثار وتطوير المناهج التعليمية التفاعلية والتخطيط التشاركي للمساحات العامة وفق دراسات تقييم الاحتياجات، إلى جانب المعالجة الهندسية والبيئية للمشكلات العمرانية، وتأسيس نماذج ربحية مستدامة عبر علامات تجارية وجولات تراثية لدعم اقتصاد الحي وضمان استمرارية الأثر، حسبما أوضحت مرام عادل عرفة (لينكد إن)، مديرة مشروع تراث ونائبة مدير جمعية الفكر العمراني مجاورة، لإنتربرايز.

أثر وراء الأثر

ركزت المبادرة منذ انطلاقها على بناء علاقة بين أطفال حي الخليفة والتراث المحيط بهم، باعتبارهم جزءا أساسيا من مستقبل الحي، وبعد سلسلة من النقاشات التشاركية التي جمعت ممثلين عن وزارة الآثار ومحافظة القاهرة وفاعلين من القطاع الخاص والمجتمع المدني وسكان وحرفيين من الحي، خلص المجتمعون إلى أهمية إقامة بعض المشروعات، جاء على رأسها تعريف الأطفال بالتراث بشقيه الملموس من مبان وعمارة، والمعنوي من طقوس وعادات وحكايات وحرف، ليصبح جزءا من حياتهم ووعيهم بالمكان.

في أواخر عام 2012، تعاونت المؤسسة مع مدرسة شجرة الدر الحكومية الواقعة أمام جامع أحمد بن طولون مباشرة، وكانت تلك المفارقة التي دفعت الفريق للتحرك، إذ يمر التلاميذ يوميا أمام أحد أهم الجوامع الأثرية في القاهرة دون أن يدخلوه قط أو يزوروا متحف جاير أندرسون المجاور له، حسبما قالت عادل، مضيفة: "كان المحرك الأساسي في تصميم المنهج هو رغبتنا في أن يدخل الأطفال إلى هذه المواقع الأثرية، أن يتعلموا عنها من خلال اللعب والاستمتاع، وأن يشعروا وكأنهم في رحلة. عندما عرضنا الفكرة على المدرسة خصصت حصتان أسبوعيا لتلاميذ الصفين الرابع والخامس الابتدائي حول تاريخ الحي والأثر".

ابحث عن الكنز: بالتوازي مع الحصص النظرية، انقسم الأطفال إلى فرق تبحث عن عناصر معمارية بعينها، تليها نقاشات حول وظيفة كل عنصر، ثم تجميع أجزاء من قصة مكتوبة يمثلونها في مشاهد تمثيلية قصيرة. بالإضافة إلى ذلك، تعلم الأطفال صناعة الجبس والزجاج الذي اشتهر به الجامع، وقدموا مسرحية عن قصة شجرة الدر وصنعوا مجسما ورقيا للقبة الموجودة في صحن الجامع.

مع بدء أعمال الترميم، توافد الأطفال بأعداد كبيرة للاستفسار عن إمكانية الدخول ومشاهدة ما يحدث. دفع هذا التفاعل التلقائي الفريق إلى تكرار التجربة، لكن هذه المرة في صورة مدرسة صيفية بدلا من نشاط مدرسي محدود. وفي 2014، أطلقت أول مدرسة صيفية بمشاركة 24 طفلا واستمرت ثلاثة أشهر، بالاعتماد على المهارات المتنوعة لأعضاء الفريق، من الموسيقى والفنون التشكيلية والأوريجامي، لبناء مناهج تراثية خاصة بالمنطقة.

اختتمت التجربة بمعرض لمخرجات الورش، دعي إليه أهالي الحي لمشاهدة أعمال أطفالهم. وحتى الآن، استمر معسكر الخليفة الصيفي في تنظيم 12 دورة، استهدفت أكثر من 1,000 طفل من أبناء الحي، من سن 7 إلى 13 عاما، بمشاركة تتجاوز 100 طفل كل عام، كما توسع المعسكر منذ 2018 ليشمل برامج للفئات العمرية الأكبر، حرصا على استمرار العلاقة مع من تخرجوا من المعسكر الأصغر سنا، وفقا لعادل.

مشروعات ترميمية وتحديات جيولوجية

في 2013، بدأ أول مشروع ترميم فعلي للمبادرة وهو قبة شجرة الدر، إذ كانت في حالة إهمال شديدة، ثم توسعت أعمال الترميم تدريجي لتشمل قباب السيدة رقية والجعفري، قبل أن تنتقل المبادرة إلى أضخم مشروعاتها حتى الآن، وهو ترميم مجمع قبة الإمام الشافعي، الذي استغرق نحو خمس سنوات على مراحل متعددة، بالتعاون مع وزارة الآثار وبتمويل من جهات مانحة. وبلغ إجمالي مشروعات المؤسسة في مجال حفظ التراث وتأصيله 12 مشروعا، من بينها 7 آثار مسجلة رسميا و5 مبان تاريخية.

لم يقتصر العمل على الترميم السطحي، إذ كشفت أعمال معالجة هبوط الأرضيات عن بقايا قبة أثرية أقدم من القبة الحالية، ما فتح الباب أمام مرحلة جديدة من الحفائر، كما خضعت الواجهات الرخامية والمقصورات والقبة الخشبية الفريدة لأعمال ترميم موسعة، بحسب عادل.

يحمل العمل الميداني في المواقع الأثرية دائما مفاجآت تتطلب قدرا كبيرا من المرونة والتفاهم مع الجهات المانحة، بحسب عادل. ظهر ذلك خلال تنظيف قبة شجرة الدر، حين اكتشفت وحدات زخرفية خضراء نادرة مطموسة تحت طبقات من الدهانات البيضاء، ما استدعى الحصول على تمويل لمرحلة ثانية.

ومن بين أكثر التحديات تعقيدا التي واجهت المبادرة أثناء الترميم كانت مشكلة المياه الجوفية، التي أضرت بضريحي صفية الدين جوهر ويحيى الشبيه، إذ كانا غارقين فعليا في المياه، فطور الفريق آلية لخفض منسوب المياه وتصريفها عبر تركيب 5 أنظمة لتجميع وحصد المياه الجوفية، نتج عنها إعادة تدوير ما يزيد عن ألفي متر مكعب من المياه سنويا. كما انعكس ذلك بيئيا في تنفيذ 18 مشروع للتخضير الحضري، وإنشاء نحو 4870 مترا مربعا من المساحات الخضراء الجديدة، إلى جانب إنشاء 10 مزارع على أسطح مباني حي الخليفة، وقد ألهمت هذه التجربة لاحقا إطلاق خط منتجات مستوحى منها.

من الاعتماد على المنح إلى بناء نموذج ربحي

شكلت الفترة بين عامي 2015 و2016 نقطة تحول استراتيجية في مسار مجاورة، حين أدرك الفريق أن استمرار الاعتماد الكلي على التمويل الخارجي يهدد استمرارية بعض الأنشطة. ما دفع الفريق إلى التوجه نحو أنشطة مدرة للدخل، بدأت بجولات إرشادية داخل الحي، إلى جانب منتجات حرفية مستوحاة من زخارف المباني التي رممتها المبادرة.

لكن التحول الأكبر جاء في 2018، حين قررت المبادرة بناء نموذج عمل تجاري حقيقي مستدام، إذ أطلقت المبادرة علامة نارنج التجارية التي تبيع اليوم منتجاتها في منافذ معروفة مثل مكتبات ديوان، إلى جانب مقر المبادرة في الخليفة وموقعها الإلكتروني. ورغم أن المبادرة لم تصل بعد إلى الاستقلال المالي الكامل، فإن هذا النموذج التجاري بات يغطي جزءا من تكاليف تشغيل المعسكر الصيفي والأنشطة المجتمعية، بحسب عادل.

التراث كمدخل للبناء المجتمعي

الكثير من الجولات السياحية داخل الحي ينفذها سكان محليون ممن تلقوا تدريبا خاصا من المؤسسة، مثل جولة "الصنعة تحكم" التي تقدمها سيدات من المنطقة للتعريف بحرف تقليدية، كصناعة الطبول والحصر، وجولة مخصصة لسرد الحكايات والقصص الشعبية، إلى جانب أطفال المعسكر الصيفي الذين يشاركون في تقديم جولاتهم الخاصة.

يمتد هذا النهج إلى اقتصاد الحي اليومي، إذ تحرص المبادرة خلال جولاتها على المرور بورش أصحاب الحرف، مثل ورش الفوانيس، وشراء منتجاتهم لتقديمها كهدايا إلى جانب شراء المشروبات والطعام مباشرة من محال المنطقة، وعلى مدار سنوات العمل، استفاد ما يزيد عن 199 ألف شخص من مختلف أنشطة المبادرة ومشروعاتها، حسبما أشارت عادل.

يسبق كل مشروع دراسة ميدانية لاحتياجات السكان المحيطين به، بهدف إشراكهم في اتخاذ القرار وتعزيز شعورهم بملكية المكان والانتماء له، إذ ينعكس ذلك لاحقا في حرص السكان على هذه المساحات والمحافظة عليها بدلا من إتلافها، حسبما أكدت عادل. نتج عن هذا النهج أيضا مبادرات ذاتية من السكان أنفسهم، مثل لجنة نسائية نظمت معرضا لتبادل ملابس الأطفال في الحي.

.. ولكن لا يخلو هذا النهج من التحديات: واجهت بعض المشروعات — مثل تجديد واجهات المنازل — تحفظات من بعض السكان خاصة عندما يشترط المشروع موافقة جميع سكان المبنى الواحد، إلا أن تلك التحفظات عادة ما تحل بالحوار وبناء الثقة، وهي علاقة تراكمت على مدى سنوات من الحضور المستمر للمبادرة في الحي، بحسب عادل.

المرونة شرط أساسي للاستمرار

بعد أكثر من عقد من العمل، يكمن السر الحقيقي وراء استمرار المؤسسة في المرونة والتكيف، عند التعامل مع التغيرات الإدارية والعمرانية المتلاحقة، بحسب عادل. فمن المهم ألا يتخلى الفريق عن دافعه الأول وراء المشروع أو أفكاره الأصلية، مع محاولة مقاربتها ودمجها مع أية تغييرات تحدث.

وبينما تحتفل مجاورة بمرور خمسة عشر عاما على انطلاقها، تستعد حاليا لتمثيل مصر في النسخة الأولى من البينالي الأفريقي للفضاءات، إلى جانب مشاركتها في ترينالي الشارقة للعمارة لاستكشاف دور البيئة والمجتمع المحلي في ممارسات حفظ التراث. كما توسع نطاق عملها ليشمل قضايا بيئية مثل إعادة استخدام المياه الجوفية في الزراعة، وأخرى إبداعية كصباغة الأقمشة بأصباغ طبيعية مستخرجة من نباتات تزرع على أسطح المباني المرممة. كما توثق المبادرة تجربتها بانتظام عبر سلسلة كتيبات تحمل اسم أوراق مجاورة، ومشروع زخارف القاهرة الذي يوثق أكثر من 275 نمطا معماريا، سعيا لمشاركة المعرفة المتراكمة مع مبادرات مماثلة في مناطق تراثية أخرى، مع التأكيد على ضرورة احترام خصوصية كل منطقة عند محاولة تكرار النموذج.