يواصل وزير الكهرباء محمود عصمت الدفع بخطط التصنيع المحلي لبطاريات تخزين الطاقة وإقامة محطات تخزين مستقلة بسعة إجمالية تبلغ 4 جيجاوات ساعة على أن تُمول بالجنيه، وذلك عقب لقائه الرئيس التنفيذي لشركة هواوي مصر بنجامين هو واي، وفقا لبيان الوزارة. واستعرض الجانبان دراسات الجدوى الفنية والاقتصادية للمواقع المقترحة لمحطات التخزين على الشبكة القومية، إلى جانب الضوابط والالتزامات المتعلقة بالتراخيص اللازمة لبدء إنشاء مصنع البطاريات. وتطرقت المباحثات أيضا إلى مشروعات التحول الرقمي والحلول الذكية ومراكز البيانات وتحديث أنظمة الاتصالات بالشبكة القومية، في إطار خطة التحول من شبكة نمطية إلى شبكة ذكية.
تذكر: يزور الرئيس الصيني شي جين بينج مصر هذا الأسبوع، في أول زيارة له منذ عقد زمني، وتعد مساعي هواوي في مجال الذكاء الاصطناعي من أبرز الملفات المرتقبة خلال الزيارة. ويسعى عملاق التكنولوجيا الصيني إلى بناء مراكز بيانات في مصر مزودة بفئتين من رقائق الذكاء الاصطناعي المتقدمة، إحداهما لتدريب النماذج عبر الحوسبة السحابية، والأخرى للاستدلال. ولفتت هذه المساعي أنظار واشنطن، إذ أفادت تقارير بأن مسؤولين أمريكيين يجهزون عرضا منافسا لكي تدرسه القاهرة. سنتابع من كثب إمكانية توقيع هواوي لأي اتفاقيات خلال وجود الرئيس الصيني في القاهرة.
وتعيد الخطة إلى الواجهة مشروعا أشارت إليه إنتربرايز في مايو الماضي، يستهدف إنشاء أنظمة تخزين الطاقة بالبطاريات بسعة تبلغ 4 جيجاوات في الساعة في كل من جنوب القاهرة ودمنهور ووادي النطرون، بتمويل من صندوق تحيا مصر، ضمن حزمة شملت آنذاك مشروعا منفصلا لطاقة الرياح بقدرة 4.8 جيجاوات. ولم تُكشف هوية المطورين لتلك المشروعات حتى الآن. وفي غضون ذلك، أوضح محمود أبو النجا، خبير إزالة الكربون الصناعي في منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية والباحث الأول غير المقيم في مؤسسة أتلانتيك كاونسيل، أنه لا يستطيع الجزم بوجود صلة بين المشروعين، لكنه يرى أن التسلسل الزمني للإعلانات يدعم هذا الاحتمال. لكنه يرى أن الدلالة الأهم تكمن في اختيار التمويل بالجنيه بغض النظر عن هوية المطور النهائي؛ إذ أوضح أن "الحكومة، بوصفها المشتري الرئيسي، تبحث عن طرق لتعزيز ملاءتها المالية".
وتعد خطة هواوي واحدة من مشاريع عدة تتوالى لتصنيع البطاريات دعما لشبكة الكهرباء في مصر. فقد تابعت إنتربرايز في أكتوبر الماضي بدء الأعمال الإنشائية لمصنع شركة صن جرو، البالغة استثماراته 120 مليون دولار وبقدرة 2 جيجاوات، وشراكة شركة كيميت مع كورنيكس الصينية في يناير بقيمة 200 مليون دولار لإنشاء مصنع بسعة 5 جيجاوات ساعة، بالإضافة إلى العقود التي وقعتها أيميا باور لإنشاء مصنع بسعة 3 جيجاوات ساعة إلى جانب محطتي التخزين التابعتين لها نفرتيتي وحورس في يونيو. وفي ظل اعتبار تخزين الطاقة الحلقة المفقودة في استراتيجية مصر للوصول بإسهام الطاقات المتجددة إلى 45% بحلول عام 2030، تنضم خطة هواوي الآن إلى قائمة متزايدة من تعهدات التصنيع المحلي التي لا تزال في طور دراسات الجدوى واستيفاء شروط التراخيص.
لكن سعة الـ 4 جيجاوات ساعة قد لا تواكب احتياجات الشبكة. صحيح أن السعة الجديدة تعد خطوة في الاتجاه الصحيح، لكنها لن تكفي لكبح معدلات هدر الطاقة، لا سيما في ظل مساعي الدولة لزيادة قدراتها إلى نحو ثلاثة أمثالها، لترتفع من 9.5 جيجاوات حاليا إلى 27.7 جيجاوات بحلول عام 2028، وفقا لما قاله أبو النجا لإنتربرايز. وتستهدف خارطة الطريق الحكومية توفير سعات تخزين تبلغ 14.3 جيجاوات ساعة بحلول العام ذاته، مما يعني أن خطة هواوي تغطي أقل من ثلث الاحتياجات الفعلية للشبكة. وأوضح أبو النجا أنه "في حال توقف نمو سعات التخزين بالتزامن مع تضاعف قدرات الطاقة المتجددة 3 مرات، فإن معدلات هدر الطاقة سترتفع بشكل كبير".
ويُقصد بـ "التصنيع المحلي" هنا عمليات التجميع، وليس إنتاج الخلايا. إذ يفرق أبو النجا بين تجميع أنظمة البطاريات ودمجها من جهة، والتصنيع الكيميائي للخلايا من جهة أخرى، لافتا إلى أن استراتيجية مصر ترتكز على الجانب الأول. وفي ظل غياب التعدين التجاري لليثيوم أو الكوبالت أو النيكل، يتوقع أبو النجا أن يظل دور مصر متمحورا حول تجميع حزم البطاريات، ودمج البرمجيات، وتصنيع الهياكل الخارجية، مع الاعتماد على استيراد الخلايا.
من الأهمية بمكان معرفة الجهة التي تتحمل تكلفة كل ذلك. إذ تعتمد حزمة مشاريع أنظمة تخزين الطاقة بالبطاريات في مصر بشكل كبير على تمويلات عبر الديون من مؤسسات تمويل التنمية والجهات المقرضة متعددة الأطراف، مثل مؤسسة التمويل الدولية، وبنك الاستثمار الأوروبي، والبنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية، التي غالبا ما يرتبط تمويلها باشتراطات إلغاء الدعم، وفق ما قاله أبو النجا. ففي الاقتصادات النامية، غالبا ما يتحمل المستهلكون العاديون تكلفة هذا الإلغاء. بيد أن الديناميكيات الكامنة في هذه الآلية تستحق المتابعة، في ظل استمرار التداعيات الناتجة عن الزيادات الأخيرة في أسعار الكهرباء بمصر.
كما تثير التفصيلة الخاصة بالتمويل بالجنيه تساؤلا حول تدبير العملات الأجنبية. إذ تعتمد أجهزة هواوي على استيراد خلايا فوسفات الحديد والليثيوم المسعرة بالدولار، بينما تقول الوزارة إن التمويل بالجنيه. ويرى أبو النجا أن أمام المزود الأجنبي 3 خيارات لإدارة هذه الفجوة: الأول هو نقل المخاطر إلى شريك محلي، وهي شركة "إيه آي إس" في هذه الحالة، بدلا من تحملها مباشرة. والثاني هو الاحتفاظ بالمعدات المتخصصة مرتفعة الربحية، مثل أنظمة تحويل الطاقة وشبكات التبريد، مع إسناد عمليات التجميع الضخمة والأقل قيمة إلى طرف آخر، ما يقلل من الإنفاق بالدولار على كل ميجاوات ساعة من سعة التخزين. أما الخيار الثالث فهو الاستفادة من قرار مجلس الوزراء رقم 54 لسنة 2023، الذي جرى توسيع نطاقه ليشمل تخصيص الأراضي لمشاريع التخزين، مما يتيح للمطورين سداد مقابل الانتفاع بالأراضي يعادل 2% على الأقل من حجم الإنتاج السنوي بدلا من شراء الأرض بالكامل.
وسيحدد موقع تنفيذ المشروع الذي تبلغ سعته 4 جيجاوات ساعة مدى جدواه. فإذا أقيم المشروع بالقرب من مراكز توليد الطاقة، مثل مجمع بنبان أو منطقة البحر الأحمر، سيسمح بتخزين الكهرباء الرخيصة من المصدر، فضلا عن مساعدة الحكومة على تجنب الغرامات بموجب شروط "الشراء أو الدفع" المنصوص عليها في اتفاقيات شراء الطاقة طويلة الأجل مع المطورين من القطاع الخاص، إلى جانب تخفيف اختناقات نقل الكهرباء من خلال الضخ التدريجي للطاقة الشمسية المخزنة إلى الشبكة، بدلا من ضخها دفعة واحدة. ومن ناحية أخرى، من شأن اختيار موقع قريب من المراكز الصناعية أن يجعل الاستفادة تتجلى في تقليل أحمال الذروة، ما يخفض التكاليف على المستخدمين في القطاع الصناعي، في ظل استقرار الجهد الكهربائي. ويرى أبو النجا أن كلا الخيارين له مزايا.
ما يجب متابعته: ينبغي لنا أن نترقب دراسات الجدوى الفنية والاقتصادية والالتزامات المتعلقة بالتراخيص، التي أشارت الوزارة إلى أنها ستحسم انطلاق المشروع، بالإضافة إلى قرار تحديد الموقع الذي سيبين ما إذا كانت السعة البالغة 4 جيجاوات في الساعة ستُوجه لتقليل أحمال الذروة الصناعية أم لتعزيز استقرار الطاقة الشمسية في مجمع بنبان. ولم يُعلن بعد عن هوية المطور أو الجدول الزمني للمشروع، وهي التفاصيل المنتظر الإعلان عنها في الفترة المقبلة.