تستعد منصة جرانيت، أول منصة رقمية لإدارة صناديق الاستثمار في مصر، لإجراء تجربة قد تعيد تعريف إحدى الوظائف الرئيسية في قطاع إدارة الصناديق. فقد أعلنت شركة إدارة الأصول وشريكتها التكنولوجية "ترمييز" في بيان (بي دي إف) عن انضمامهما إلى البيئة التنظيمية التجريبية للهيئة العامة للرقابة المالية، حيث ستنشئ الشركتان سجلا موزعا لإدارة قواعد بيانات ملكية صندوق استثمار قائم بالفعل في أوراق الدين وسوق النقد. وسيواصل النظام المركزي الحالي الذي يدار من خلاله الصندوق عمله بالتوازي خلال هذه الفترة.
كما ستمتلك الهيئة العامة للرقابة المالية نافذة خاصة بها لمتابعة كافة المعاملات آنيا — وهو ما يعرف بلغة التكنولوجيا بـ "العقدة" (Node). وفي حال نجاح التجربة، سيتعين تعديل القواعد التنظيمية التي تلزم حاليا الاحتفاظ بتلك البيانات لدى أحد مديري خدمات صناديق الاستثمار المرخصين. وفي هذا الصدد، قال هشام أكرم، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة جرانيت، لإنتربرايز: "إذا دخلت تقنية البلوك تشين الخدمة، فسيتعين عليها بشكل ما أن تحل محل مدير خدمات الصندوق"، مضيفا: "هذا هو أول دور ستنتفي الحاجة إليه، وأول ضحية لاستخدام البلوك تشين".
لماذا يهتم السوق؟ تسعى جرانيت من خلال هذه الخطوة إلى مساعدة مصر على اللحاق بركاب التكنولوجيا المستخدمة على نطاق واسع حاليا في القطاع المالي الغربي. إذ إن نقل سجلات الملكية إلى البلوك تشين يفتح الباب أمام تقنية "ترميز الأصول" (سنوضحها بشيء من التفصيل في السطور القادمة)، مما يضع اللبنات الأولى لإنشاء منظومة متكاملة من المنتجات المالية الجديدة في مصر.
مزيد من الإيضاح: تجرب جرانيت مدى إمكانية نقل سجل ملكية الصندوق — وهو السجل الذي يوضح هوية مالكي الوحدات وحجم ما يمتلكونه منها، إلى جانب أوقات وأسعار عمليات الشراء والاسترداد — ليعتمد على سجل مشترك بدلا من قاعدة بيانات لدى مدير خدمات الصندوق بمفرده. وهذا السجل المشترك هو تقنية "البلوك تشين" التي نسمع عنها كثيرا. وما يميزه عن قاعدة البيانات المركزية التي تعتمد عليها حاليا جرانيت وأيضا "إي إف جي القابضة" وبلتون وغيرها، هو وجود نسخ متعددة ومتزامنة تُتاح في الوقت ذاته لجميع الأطراف المعنية، بما في ذلك مدير الصندوق والرقابة المالية ومدير خدمات الصندوق وأمين الحفظ وغيرهم. يحصل كل طرف على نسخته الخاصة بدلا من الدخول عبر واجهة برمجة التطبيقات (API) إلى النسخة المركزية لدى مدير الخدمات، أو إلزام مدير الصندوق (كما هو الحال في واقعنا الأقل تطورا على صعيد التكنولوجيا) بإرسال ملفات إكسيل وتقارير بصفة دورية. ويقول أكرم لإنتربرايز: "إنها تقنية قوية للغاية لأنه لا يمكن التلاعب بالبيانات، وبمجرد إتمام المعاملة، لا يمكنك إلغاؤها بلمسة زر، بل يتعين عليك إجراء معاملة عكسية".
تتسم هذه التجربة بتطبيق عملي ملموس يتجاوز المألوف مقارنة بمشروعات البيئة التجريبية؛ إذ لا تكتفي جرانيت بإجراء محاكاة افتراضية، بل تخطط لمواصلة تشغيل صندوقها للاستثمار النقدي بنفس الطريقة الحالية، مع تسجيل كافة المعاملات في الوقت نفسه على سجل البلوك تشين — أو ما وصفه أكرم بـ "المسارين المتوازيين" — مع إجراء مطابقة يومية بين النظامين. وستتوزع "العُقد" التكنولوجية بين جرانيت، والهيئة العامة للرقابة المالية، وأمين الحفظ، ومدير خدمات الصندوق.
ويتوقع أكرم أن تستغرق مرحلة الإثبات الفني شهرين من المطابقة اليومية الدقيقة، لينتقل التركيز بعدها من مرحلة الهندسة البرمجية إلى التطبيق الفعلي والتعديلات التنظيمية.
سيعني نجاح هذه التجربة على الأرجح ضرورة تعديل القواعد التنظيمية الحالية، التي تشترط حفظ بيانات الصندوق لدى مدير خدمات مرخص يتولى إدارة السجل ويتقاضى رسوما مقابل هذه الخدمة. فإذا أصبح سجل البلوك تشين هو المرجع الأساسي، لن تستمر هذه الوظيفة بنفس شكلها الحالي. كما يتولى مديرو الخدمات إعداد تقارير صافي قيمة الأصول اليومية وتتبع عمليات الاشتراك والاسترداد، وغيرها من المهام التي يمكن تنفيذها جميعا بنفس السهولة عبر البلوك تشين.
قد يرى مديرو خدمات الصناديق في ذلك إما تهديدا أو فرصة؛ فنقل سجل الملكية إلى سجل موزع لن يلغي كافة مهام مدير الخدمات، فسيتعين على جهة ما مواصلة احتساب صافي قيمة الأصول والتحقق منها، ومطابقة السيولة النقدية والأصول، وإدارة الحالات الاستثنائية، وتقديم التقارير للجهات الرقابية، وتحمل المسؤولية القانونية عن دقة السجلات. غير أن هذه التقنية قد تؤدي إلى أتمتة أو استبدال جانب كبير من أعمال التسجيل والمطابقة التي يتقاضى عنها مديرو الخدمات رسوما حاليا؛ علما بأن بعض المهام مثل حساب صافي قيمة الأصول تجري بالفعل عبر البرمجيات.
إذا نجحت التجربة، قد تسفر النتائج عن ظهور دور تكنولوجي جديد: سيتعين على جهة ما آنذاك إدارة الشبكة وتأمينها، وإدارة المشتركين والمفاتيح المشفرة، وصيانة العقود الذكية، والبت في النزاعات المتعلقة بالمعاملات أو تصحيح السجلات. ولا يشترط أن تكون هذه الجهة هي ذاتها المسجلة قانونا مديرا لخدمات الصندوق. إذ يمكن للهيئة العامة للرقابة المالية الإبقاء على المسؤولية القانونية لمدير الخدمات المرخص، مع السماح لمزود تقني متخصص بإدارة البنية التحتية التكنولوجية.
لا يتعلق السؤال المطروح الآن بمدى قدرة مديري الخدمات في مصر على تشغيل البلوك تشين، بل بقدرتهم على تكييف نماذج أعمالهم للعمل عبر هذه التقنية. فإما أن يتحولوا إلى جهات تشغيل وإشراف خاضعة للرقابة على النظام الجديد، أو يتنازلوا عن الطبقة التكنولوجية لصالح شركات متخصصة، ويكتفوا بدور أضيق نطاقا يقتصر على الرقابة وإعداد التقارير. ويبدو أن شركة "ترميز" — التي أسسها خبير البنية التحتية المالية عمرو سليمان — تمهد الطريق لنفسها لتكون أحد هؤلاء المتخصصين.
ما الذي ستستفيده الهيئة العامة للرقابة المالية؟ مزيد من الرقابة والمتابعة اللحظية. في الوقت الحالي، يلتزم كل مدير صندوق بتقديم تقارير أسبوعية للرقابة المالية عن كافة معاملات العملاء. أما في السجل المشترك، ستتمكن الهيئة من الاطلاع على كل ما يحدث لحظة بلحظة عبر واجهة برمجة التطبيقات. ويقول أكرم: "تتيح هذه التقنية للجهة الرقابية رؤية ممتدة ولحظية لأغراض إعرف عميلك ومكافحة غسل الأموال، بما في ذلك القدرة على حظر الأشخاص المحظورين أو ذوي النفوذ السياسي قبل إتمام المعاملة وليس بعدها، فضلا عن الرؤية المباشرة لكافة معاملات الصندوق بشكل فوري".
ليست تقنية جديدة تماما؛ إذ تمتلك كبرى شركات إدارة الأصول العالمية مثل بلاك روك وفرانكلين تمبلتون منتجات نقدية مُرمزة جذبت أصولا بمليارات الدولارات. صحيح أن تلك المنتجات نهائية وجاهزة، في حين أن ما تبنيه جرانيت حاليا هو بنية تحتية أساسية، لكنها لا تزال خطوة في الاتجاه الصحيح. ويوضح أكرم: "تتجه كبرى شركات إدارة الأصول إلى نقل حفظ السجلات إلى سجلات البلوك تشين الموزعة القائمة على العُقد التكنولوجية، لتخزين بيانات العملاء والمعاملات، حتى وإن لم تكن تخطط لترميز الأصول في الوقت الحالي".
ما هو ترميز الأصول بالأساس؟ يحول "ترميز الأصول" وحدة الملكية — سواء أكانت سهما في صندوق استثمار، أم حصة في عقار، أم جراما من الذهب — إلى سجل رقمي على سجل مشترك، يمكن تجزئته إلى أجزاء متناهية الصغر. ونظرا إلى أن السجل الرقمي يمثل إثباتا للملكية ذاتها، يمكن نقل هذه الملكية مباشرة من مالك لآخر دون الحاجة لإعادة بيعها إلى الجهة المصدرة ثم إعادة إصدارها.
ولا يقتصر الأمر على صناديق الاستثمار فحسب؛ إذ يرى أكرم أن البلوك تشين ستتيح آفاقا واسعة أمام قطاع إدارة الصناديق، لا سيما أن التكنولوجيا ستفرض التغيير على الهيئات الحكومية وشبه الحكومية، مثل شركة مصر للمقاصة والإيداع والقيد المركزي، والشهر العقاري، ومكاتب التوثيق، وغيرها. ويشير أكرم إلى أن "تقنية الترميز والبلوك تشين قد تحدث تحولا جذريا في قطاع صناديق الاستثمار العقاري تحديدا".
وتبرز التعقيدات الأكبر في صناديق الاستثمار العقاري؛ إذ يقول أكرم: "الفارق بين سعري البيع والشراء كبير، واستكمال إجراءات التسوية يستغرق وقتا طويلا. لكن مع هذه التقنية ستصبح التسوية فورية، وبالتالي ستكون أكثر فائدة في الصناديق العقارية عندما تجزئ شقة بقيمة مليوني جنيه". ومع ذلك، يظل المشروع التجريبي لصندوق الاستثمار النقدي الجزء الأصغر من المكاسب المنتظرة؛ ويفسر أكرم ذلك قائلا: "وثيقة صندوقنا تبلغ قيمتها جنيها واحدا، فهي مجزأة بالفعل".
كيف سيبدو الشكل النهائي للمشروع؟ بمجرد ترميز الوحدات — سواء في صندوق للاستثمار النقدي أو في صندوق للاستثمار العقاري — يمكن نقلها مباشرة بين المستثمرين دون المرور بدورة الاسترداد التقليدية. وبنظرة أعمق، يتحول مفهوم وحدة الصندوق من مجرد وعاء لحفظ الأموال إلى شيء أقرب لوسيلة دفع. ويرى أكرم أنه "يمكن لشخصين يمتلكان وحدات صندوق مرمزة إجراء تسوية مالية بينهما مساء يوم الجمعة خارج أوقات العمل المصرفية، عن طريق نقل ملكية الوحدات نفسها بشكل مباشر". وبناء على هذه الفكرة، يضيف أكرم: "تخيل ربط بطاقة دفع أو محفظة إلكترونية بصندوق الاستثمار النقدي، أو أن يكون الصندوق متاحا على تطبيق أبل باي".
ولا يقتصر الأمر على مستوى الأفراد فقط، بل تمتد التطبيقات لتشمل الشركات بدرجة أكبر. فعلى سبيل المثال، يمكن لمدير الخزينة في شركة ما استثمار جزء من رأس المال العامل في صندوق استثمار، مع برمجة قاعدة تلقائية تقوم بتسييل القدر المطلوب فقط في اليوم الـ 25 من كل شهر لتغطية الرواتب، دون الحاجة إلى تقديم طلب استرداد يدوي.
ما هو المخطط للمرحلة المقبلة؟ لا ينبغي التعامل مع البيئة التنظيمية التجريبية على أنها إطلاق للمنتج النهائي، بل هي محض بداية لحوار بين جرانيت والرقابة المالية. وسيتعين على الطرفين التنسيق بشأن القواعد التنظيمية الحالية والنقاش حول التعديلات المطلوبة. فالهدف الرئيسي هو التوصل إلى رؤية مشتركة بين جرانيت والهيئة بشأن التعديلات التنظيمية اللازمة لتطبيق تقنية البلوك تشين على مستوى القطاع، وهي عملية يُرجح أن تستغرق وقتا أطول بكثير من فترة الشهرين اللذين يتوقع أكرم أن تستغرقهما عملية المطابقة الدقيقة التي ستمثل نقطة الانطلاق.
ما يجب متابعته: وحدة الصندوق التي تحقق عائدا وتتيح تسوية المدفوعات في الوقت نفسه تُعد عمليا أموالا تدر عائدا. وتخضع الخدمات المالية غير المصرفية لرقابة الهيئة العامة للرقابة المالية، في حين يختص البنك المركزي المصري بالسياسة النقدية ونظم الدفع، إذ يفرض قيودا صارمة على إصدار الأصول الرقمية أو تداولها دون موافقته. وبغض النظر عن المسار الذي ستسلكه التجربة الفنية، فإن تقديم وسيلة تبادل مرمزة سيثير اهتمام البنك المركزي المصري، الذي يعد بطبيعته جهة رقابية متحفظة، كما أنه لم يصدر أي تصريحات علنية بهذا الشأن، ناهيك عن إصدار جنيه مصري مرمز لإجراء التسويات على أساسه.