Posted inأصل وفصل

كيف أصبحت حلاوة المولد رمزا لتاريخ شعب؟

🍭 مع حلول الأسابيع التي تسبق 12 ربيع الأول من كل عام، تمتلئ محلات الحلويات وشوارع وأسواق القاهرة بحلوى صنعت وبيعت خصيصا لمناسبة واحدة فقط: المولد النبوي. تطرح السمسمية والفولية والحمصية والملبن واللديدة والنوجا في أشكال متعددة، بدءا من الأكياس الورقية التي يبيعها الباعة الجائلون بالقرب من العتبة بأقل من 100 جنيه، وصولا إلى علب الهدايا الفاخرة في متاجر الحلويات الكبرى التي تصل أسعارها إلى آلاف الجنيهات. تحيط بهذه العروض المتقنة جيوش من عرائس المولد، التي كانت تصنع قديما من السكر، قبل أن يجد البلاستيك طريقه إليها.

ظل تقليد حلاوة المولد راسخا في أذهان كل من يعيش على أرض المحروسة، ولكن منذ متى بدأناه تحديدا؟ وكم ننفق جميعا لإشباع رغبتنا الملحة في تناول حلاوة المولد، وما الذي يمكننا تعلمه من هذا التقليد؟

تاريخ يمتد لألف عام

بدأ الاحتفال بالمولد النبوي كما نعرفه مع الفاطميين الذين حكموا مصر من عام 969 إلى 1171 ميلاديا. قبل الفاطميين، كانت الاحتفالات تقتصر على المراسم الدينية فقط، حتى أدخلوا الاحتفالات العامة وزينة الشوارع والإنشاد الصوفي والأهم من ذلك، حلاوة المولد.

يأتي أول دليل موثق على صناعة حلاوة المولد النبوي من المؤرخ المصري في العصور الوسطى تقي الدين أحمد المقريزي، الذي سجل أن الاحتفال السنوي أصبح رسميا في عام 517 هجريا (1123-1124 ميلاديا)، في عهد الخليفة الفاطمي الآمر بأحكام الله. وفي دار الفطرة، وهو مطبخ ملكي يعود للعصر الفاطمي، كان يجري تغليف وتجهيز أكثر من 20 طنا من الحلوى لتوزيعها على الشعب طوال اليوم.

على غرار العديد من الاحتفالات التي ترعاها الدولة، استخدم الفاطميون هذا التقليد لكسب ود الشعب، وواصل المماليك تنظيم احتفالات مماثلة، رغم إضافتهم بعض اللمسات الخاصة بهم. ومنذ حينها، نحتفل بالمولد النبوي بنفس الطريقة تقريبا كل عام، إذ تمتلئ شوارع وسط القاهرة بالباعة الجائلين والورش العائلية التي تعمل بلا كلل لتلبية احتياجات سكان القاهرة والمحافظات والقرى.

شعب يعشق الحلوى

لطالما ارتبطت الحلويات بوجدان المصريين وقلوبهم بشكل خاص، إذ قدر حجم سوق الحلويات المحلية بنحو 62 مليار جنيه في عام 2023، بنمو يتراوح بين 4% و5% سنويا، وتستحوذ الحلويات القائمة على السكر والتمور والحلويات الشرقية مثل البسبوسة والحلاوة على حصة الأسد منها. يضيف المولد النبوي طفرة موسمية مركزة إلى هذه السوق الضخمة بالفعل، ورغم عدم وجود أرقام دقيقة تفصل النسبة المئوية للاستهلاك السنوي للحلويات التي تعزى إلى مشتريات المولد، فإن الطلب واضح للعيان.

لماذا الحلويات تحديدا؟ يرتبط السكر بالاحتفالات ارتباطا وثيقا في الثقافة المصرية، إذ أدرك الفاطميون أن الكرم الذي يعبر عنه الطعام الذي نتشاركه ونأكله معا يدوم أكثر من أي شكل آخر. عندما يصبح المنتج جزءا لا يتجزأ من احتفال ما، يرتبط الطلب عليه بهذا الاحتفال أيضا، فلا نشتري حلاوة المولد لأنها أفضل ما في السوق، بل لقيمتها المعنوية التي ارتبطت بهذا الاحتفال منذ ألف عام.

لا يزال الشق الاقتصادي من السوق — المتمثل في الباعة الجائلين في العتبة والسيدة زينب، والطاولات المفتوحة التي تبيع السمسمية والفولية بكميات كبيرة — يعمل بنفس الطريقة التي كان يعمل بها دائما، فتباع الحلوى بالوزن وبتشكيلة متنوعة وبأسعار معقولة. ويبلغ سعر كيلو حلاوة المولد المشكلة نحو 220 جنيها في العتبة، في حين يتراوح سعر العلب القياسية هذا العام من 110 إلى 175 جنيها تقريبا.

على الجانب الآخر، سلكت حلاوة المولد مسارا مشابها لكحك العيد لتتحول إلى هدية. فتأتي علب حلاوة المولد الآن في أشكال منسقة ومجموعات هدايا فاخرة تجمع بين الحلويات الشرقية والمكسرات المستوردة، ونسخ فاخرة من متاجر الحلويات مثل ساليه سوكريه التي تخدم شريحة من السوق تعتبر فيها جودة الحلوى أمرا ثانويا مقارنة بشكل التقديم.

ورغم انخفاض أسعار السكر، لا تزال تكلفة حلاوة المولد في ارتفاع مستمر. فقد تراجعت أسعار السكر إلى نحو 21.5 ألف جنيه للطن بعد أن بلغت ذروتها عند 26 ألف جنيه للطن قبل شهر واحد فقط، في حين ارتفعت أسعار حلاوة المولد ذات العلامات التجارية بنسبة تصل إلى 53% مقارنة بالعام الماضي. وأصبحت تكاليف التموضع والعلامة التجارية مكونا جديدا يضاف إلى سعر العبوة.

دروس إدارة الأعمال من حلاوة المولد

نفذ الخلفاء الفاطميون استراتيجية منتج شبه مثالية دون قصد، فقد أخذوا احتفالا قائما بالفعل، وربطوا به منتجا ملموسا وقابلا للمشاركة ووزعوه على نطاق واسع لترسيخ هذه العادة، وأضافوا الكثير من المظاهر الاحتفالية لجعلها تجربة لا تنسى مستمرة حتى بعد مرور ألف عام، لذا إن تمكن منتجك من ترسيخ نفسه كجزء أساسي من احتفال ما، فقد حققت نجاحا لا يمكن حتى لأضخم ميزانيات التسويق تحقيقه.