📱 في قضية ذكرتنا بتسوية شركات التبغ الكبرى في التسعينات والتي بلغت قيمتها 206 مليارات دولار بسبب إدمان المستهلكين، تخوض شركة ميتا معركة قضائية اتحادية بسبب انتهاكات تتعلق بسلامة الأطفال، وسط اتهامات بغض الطرف عن علمها بالتصميم الضار لخوارزميات منصات التواصل التابعة لها. تعد هذه المحاكمة هي الأحدث في سلسلة طويلة من الدعاوى القضائية ضد ميتا، وربما تكون أكبر قضية لحماية المستهلك في تاريخ الولايات المتحدة، مع غرامات متوقعة قد تصل إلى 1.4 تريليون دولار. والأهم من ذلك، أن القضية قد تجبر الشركة في النهاية على إحداث تغييرات جوهرية في المنصتين اللتين تتمحور حولهما القضية: فيسبوك وإنستجرام.
الخصوم والدوافع
رفع القضية 29 مدعيا عاما للولايات، وتقود أربع ولايات — كاليفورنيا وكولورادو وكنتاكي ونيوجيرسي — جهات الادعاء في المحاكمة، في حين تجرى المحاكمة المدنية الاتحادية في المحكمة الجزئية الأمريكية في أوكلاند بولاية كاليفورنيا. تتضمن الدعوى، التي رُفعت في الأصل عام 2023، صحيفة ادعاء تزيد عن 200 صفحة، تتهم ميتا بتعمد تصميم منصاتها لاستغلال نقاط الضعف النفسية والعاطفية لدى الأطفال، سعيا إلى تحقيق إيرادات إعلانية أكبر من خلال إنستجرام وفيسبوك.
الادعاءات بالتفصيل: تتهم ميتا بالأساس باستخدام تصميمات "تسبب الإدمان" لمنتجاتها، منها خوارزميات مخصصة لزيادة التفاعل، وفيها تدفع بميزات مثل التمرير اللانهائي والتشغيل التلقائي وفلاتر الصور وعداد اللايكات وغيرها. في حين يزعم الادعاء الثاني أن الشركة أخفت أبحاثا داخلية تظهر أن استخدام إنستجرام مرتبط بالاكتئاب والقلق ومشاكل الثقة بالنفس مثل تقبل شكل الجسد وإيذاء النفس بين المراهقين.
كما يزعم الادعاءان الثالث والرابع أن عملاقة التك انتهكت قانون حماية خصوصية الأطفال على الإنترنت، من خلال جمع البيانات الشخصية للأطفال بعمر 13 عاما فأقل دون موافقة الوالدين، بالإضافة إلى انتهاك قوانين حماية المستهلك وقوانين اتحادية ومحلية أخرى.
زعمت الولايات أيضا أن ميتا أجرت أبحاثا حول تطور دماغ المراهقين، وبنت نموذج عملها حول ضعف السيطرة على الاندفاع لدى الشباب وزيادة حساسيتهم للمكافأة، بهدف إبقائهم على تطبيقاتها لأطول فترة ممكنة ودفعهم للعودة إليها مجددا. تعد تلك استراتيجية كلاسيكية لزيادة الإيرادات، لكنها تبدو قاتمة للغاية في ضوء ادعاءات ميتا نفسها بأن منصاتها آمنة ومتطورة باستمرار لحماية ودعم الشباب.
في الوقت ذاته، يزعم الشاهد والمبلغ الرئيسي في القضية مهندس السلامة السابق في ميتا أرتورو بيجار، أن الرئيس التنفيذي مارك زوكربيرج قد فشل في إعطاء الأولوية لسلامة الشباب، وسمح باختبارات غير مقيدة للميزات والمنتجات التي تدفع النمو، والتي كان من شبه المستحيل فحصها لتجنب الأضرار المحتملة. كما اتهم بيجار زوكربيرج بعدم قول الحقيقة عندما نفى ادعاءات تفضيل الأرباح على السلامة، ومن غير الواضح بعد ما إذا كان الأخير سيدلي بشهادته في القضية.
دفاع ميتا.. وحلول مكلفة
حتى الآن، تظل ميتا ثابتة في نفيها للادعاءات، إذ أكدت التزامها بقانون حماية خصوصية الأطفال في جميع الولايات المدعية، فيما نفت أن تكون تصريحاتها حول تصميم منصاتها مضللة. كما جادلت أيضا بأنها محمية بموجب المادة 230 من قانون آداب الاتصالات لعام 1996، والذي يعفي عادة المنصات الرقمية من مسؤولية المحتوى الذي ينشره مستخدمون من أطراف ثالثة.
ورغم أن المادة 230 تعد درعا تشريعيا أساسيا لمنصات التواصل، إلا أنها لم تحم ميتا من ادعاءات الإهمال في هذه القضية، وفقا للقضاة المشرفين، والسبب؟ لأن الادعاءات تتركز هذه المرة حول تصميم منصات ميتا نفسها وتصريحاتها المضللة بشأن السلامة.
خلال المرافعات الافتتاحية للمحاكمة الأسبوع الماضي، استعرض المحامي الرئيسي للشركة بول شميدت ميزات السلامة التي طُرحت عبر تطبيقات ميتا على مر السنين، مشيرا إلى مسؤولية المستخدمين أنفسهم ومجادلا بأنه من الحتمي أن يستخدم بعض المراهقين منصات الشركة بطريقة سلبية ترجع إليهم. كما نفى مسؤولية الشركة عن المحتوى السلبي الذي يصل حتما إلى منصات التواصل، قائلا إن متاجر التطبيقات التي ينزل منها المستخدمون هذه المنصات تتحمل أيضا واجب الرقابة.
بالإضافة إلى الغرامة التي توقع المحامون وصولها إلى نحو 200 مليار دولار، قد تواجه ميتا عاقبة أكثر جوهرية بكثير: إعادة تصميم منتجاتها. بالنسبة لشركة تجني 98% من إيراداتها من الإعلانات الرقمية، فإن إعادة تصميم المنصة بشكل يقلل من تفاعل المستخدمين الإجمالي سيكون ضربة موجعة قد تكلفها مليارات الدولارات. وستشمل التغييرات المتوقعة قيودا أكثر صرامة على أساس العمر، إلى جانب إعادة تعزيز ميزات السلامة للمستخدمين الأصغر سنا مثل تحديد فترات الاستخدام.
نهاية عصر اللايكات؟ قد يكون الإلغاء الدائم لعداد أو مقياس اللايكات — الرقم الذي يعزز الغرور ويشكل هوية وسائل التواصل — أحد الحلول التي ستخضع إليها ميتا حال إنتهاء المحاكمة ضدهم، فقد أظهرت الأبحاث أن مقياس تفاعل وسائل التواصل المنتشر في كل مكان يسبب ضيقا بين المراهقين، حتى أن أبحاث ميتا الداخلية قد أقرت بأنه قد يؤدي إلى مقارنات اجتماعية، تربط مقاييس التفاعل بإحساس المستخدمين بقيمتهم الذاتية.
كما قد تختفي ميزة التمرير اللانهائي أيضا، إذ يضغط المدعون العامون من أجل إعادة تصميم جوهرية بأمر من المحكمة، فضلا عن المزيد من الشفافية حول الخوارزميات وضبط الصفحات الرئيسية للمنصات والكيفية التي تعرض بها المنشورات وغيرها.
سوابق ميتا
لا تعد هذه المعركة القضائية الأولى لميتا.. وإذا خسرتها، فلن تكون خسارتها الأولى أيضا: في وقت سابق من هذا الشهر، واجهت الشركة قضائيا ولاية نيومكسيكو، إذ صدر حكم عليها بدفع 567 مليون دولار لتخفيف الأضرار، بالإضافة إلى 375 مليون دولار كغرامات مدنية، لانتهاكها قانون الممارسات غير العادلة في الولاية بسبب مخاوف تتعلق بسلامة الأطفال. وركزت أوامر القاضي على إلغاء مقياس التفاعل والإشعارات مع تصنيف الشركة بأنها "مصدر إزعاج عام"، في سابقة يعتقد أنها الأولى من نوعها، بينما تخطط فيه ميتا لاستئناف الحكم.
في مارس الماضي أيضا، خسرت ميتا قضية تتعلق بإدمان وسائل التواصل في لوس أنجلوس رفعتها شابة تبلغ من العمر 20 عاما تُعرف باسم كالي والتي حكم لها بتعويض قدره 6 ملايين دولار. قاضت كالي شركة ميتا ويوتيوب التابعة لجوجل بسبب تصميمات منصاتهما، والتي زعمت أنها ساهمت في إدمانها لوسائل التواصل في طفولتها وصراعاتها اللاحقة مع الاكتئاب والقلق واضطراب تشوه الجسم وأفكار إيذاء النفس. كما هاجمت قضيتها ميزة التمرير اللانهائي زاعمة أن الشركة تبنت التقنيات السلوكية والعصبية البيولوجية المستخدمة في ماكينات البوكر لتغذية إدمان المستخدمين ودفع نمو الإيرادات. بالطبع.. عارضت ميتا وجوجل الحكم مع خطط للاستئناف.
بشكل عام، تواجه تطبيقات فيسبوك وإنستجرام وسناب تشات وتيك توك مجتمعة أكثر من 3 آلاف قضية رفعها أطفال ومراهقون وشباب، وبعيدا عن الـ 29 ولاية المشاركة في قضية كاليفورنيا، تتابع 14 ولاية أخرى اتهامات ضد ميتا في ناشفيل عاصمة ولاية تينيسي الأمريكية. وتشكل هذه القضايا — إلى جانب قائمة متزايدة من الدعاوى القضائية الأخرى — جزءا من معارك ميتا المتزايدة في قاعات المحاكم بشأن سلامة الأطفال وإدمانهم.
كيف ينعكس ذلك على مستخدمي مصر؟
محليا، أضحت مسألة سلامة الأطفال على وسائل التواصل مصدر قلق متزايد، خاصة خلال العام الجاري عندما دعا الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى اتخاذ إجراءات تشريعية عاجلة لتقييد وصول المراهقين والقصر إلى وسائل التواصل. ودعا الإطار المقترح إلى تقنية إلزامية للتحقق من العمر، وفرض قيود على وصول المستخدمين دون سن 16 عاما مع إشراف الوالدين. كما ازدادت المسألة إلحاحا بعد قرار حجب منصة الألعاب الشهيرة روبلوكس إثر مخاوف تتعلق بسلامة الأطفال، إذ حذر المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام من المخاطر المحتملة للمنصة على الأطفال. ومع هذا التوجه التشريعي، قد يتعرض نحو 50% من القصر المصريين الذين يستخدمون منصات ميتا إلى قيود مستقبلية محتملة.
قد يكون لقضية ميتا الحالية تداعيات خارج الولايات المتحدة إذا أُجبرت الشركة في النهاية على إجراء تغييرات جوهرية على منصاتها، فإذا حكمت هيئة المحلفين لصالح الولايات، سيطبق المطلب الفوري على قاعدة مستخدمي ميتا في الولايات المتحدة، بيد أن ظهور قضايا مماثلة في أماكن أخرى قد يدفع الشركة تحت وطأة المزيد من الضغوط لتعميم هذه التغييرات عالميا.