Posted inحياة

المقيمون في الساحل طوال العام يحكون لنا تجربتهم

منذ سنوات، كانت فكرة العيش في إحدى قرى الساحل الشمالي طوال العام تبدو لكثيرين شبه مستحيلة. ظل الساحل الشمالي، ولسنوات، وجهة صيفية بامتياز، ولأسباب مفهومة. لكن الحديث بدأ يتغير مؤخرا، ولم تعد فكرة الإقامة طوال العام على امتداد ساحل البحر المتوسط بعيدة المنال. في 2025، قدم المطورون والمسؤولون الحكوميون حججهم لدعم هذا التحول: محطات تحلية تدخل الخدمة، ومدارس في مراحل الترخيص، ومستشفيات قيد الإنشاء، وسلاسل تجزئة بدأت افتتاح فروع لها بعد انتهاء موسم الصيف. وبعد عام، أردنا أن نعرف: كم تحقق فعليا من كل هذه الوعود.

تحدثت إنتربرايز إلى اثنتين من المقيمات اللاتي أصبحن يعتبرن الساحل موطنا لهن طوال العام، لنعرف كيف تبدو حياتهن اليومية، وكيف يتعاملن مع أشهر ما بعد الموسم الصيفي، وما التحديات التي لا تزال قائمة.

العيش طوال العام في مراسي

"لن نغير ما نفعله أو المكان الذي نعيش فيه مقابل أي شيء." تعيش الدكتورة مها بليكواي (لينكد إن) في الساحل الشمالي بدوام كامل وعلى مدار العام منذ 2018، أي قبل وقت طويل من ظهور معظم المناطق التي نعرفها اليوم على خريطة الساحل. وتعمل مها، المتخصصة في الطب الطبيعي والوظيفي، من خلال عيادة على الإنترنت متخصصة في صحة الجهاز الهضمي والميكروبيوم. وتقول لإنتربرايز إنها وزوجها كريستوفر بليكواي، الذي شارك في بناء مكتبة الإسكندرية، أمضيا أكثر من 20 عاما في لندن قبل أن يقررا التقاعد بجوار البحر. ومها بليكواي هي مصرية بريطانية ومن الإسكندرية في الأصل، وتقول إن قرار الاستقرار في مراسي بدلا من القاهرة أو الإسكندرية كان مقصودا: "كنا نخطط دائما للتقاعد بجوار البحر. كنا نعرف أن الأمر لن يكون سهلا، وأنه سيكون مليئا بالتحديات، لكننا كنا مستعدين لخوض التجربة".

في السنوات الأولى، كان عليهما بناء سلسلة إمداد خاصة بهما من الصفر. عندما انتقل الزوجان إلى مراسي في 2018، لم يكن هناك سوى القليل بخلاف البقالة الأساسية، بحسب مها. وكان زوجها يتردد على الإسكندرية مرتين أسبوعيا بحكم عمله في المكتبة، ويعود بمشتريات تكفيهما لأسبوع كامل، بينما كانت هي تشتري ما يمكنها العثور عليه في سيدي عبد الرحمن القريبة، وإن كانت ترى أن الجودة لم تكن دائما متوافقة مع معاييرها الغذائية كمتخصصة في التغذية. لكن هذا الروتين شهد تحولا غير متوقع مع جائحة كوفيد-19. وتقول مها: "خلال كوفيد، كانت كميات الطعام التي يجري توصيلها إلى الساحل أكبر من أي وقت آخر"، إذ أدت الزيادة المؤقتة في أعداد المقيمين طوال العام إلى جعل السوق مجديا لخدمات التوصيل، قبل أن يتراجع الطلب مجددا مع انحسار الجائحة وعودة الناس إلى المدن.

وترى مها إن وضع الإمدادات تحسن بصورة ملموسة خلال السنوات الثلاث الماضية، وترجع ذلك إلى مشروع بعينه. فقد جلب مشروع محطة الضبعة النووية، القريب من رأس الحكمة، أعدادا كبيرة من الروس إلى المنطقة، بحسب مها، ما ساعد في استمرار عمل سوبر ماركت طوال العام على بعد نحو عشر دقائق من منزلها. وترى أن تجربتها تقدم مثالا مباشرا على نمط ينطبق على الساحل عموما: الخدمات تأتي بعد السكان، وليس العكس. وتقول: "عندما يكون هناك عدد كافٍ من السكان لخدمتهم، سيأتي من يقدم لهم الخدمات".

"نعم، بالتأكيد، 100%"، هكذا أجابت مها عندما سألناها عما إذا كانت تتمتع بإمكانية كافية للوصول إلى الرعاية الصحية وغيرها من الخدمات. وتضيف: "في حالات الطوارئ، هناك مستشفى العلمين، الذي يبعد عنا أيضا نحو 15 دقيقة. وقد مررنا ببعض المواقف التي اضطررنا فيها للذهاب إلى هناك. والآن أصبح لدينا في مراسي مستشفى طوارئ يعمل طوال العام. أصيب زوجي بجرح في جبهته العام الماضي، وكنا هناك خلال دقيقتين." وعندما سألناها عما إذا كانت منشأة مراسي تخدم سكان الساحل عموما أم تقتصر على المقيمين داخل المشروع، قالت: "أعتقد أنها مفتوحة للجميع. فهي في النهاية مستشفى للطوارئ، وبالتالي لن يرفضوا شخصا يحتاج إلى مساعدة طبية."

وفيما يتعلق بالترفيه، تحرص مها على تحديد نطاق تجربتها بدقة. وتقول: "نحن محظوظون في مراسي، لكنني سأتحدث حصريا عن مراسي بالطبع. لدينا ملعب جولف من 18 حفرة يعمل طوال العام، ولذلك يلعب زوجي الجولف. ولدينا فنادق، فإذا أردت تجربة عشاء جيدة مع بعض الترفيه، نذهب إلى أحد هذه الفنادق مرتين أسبوعيا لتناول العشاء." لكن خارج بوابات المشروع، تقول: "لا أعتقد أن هناك أي خدمات ترفيهية."

... وهناك شيء آخر يجعل العيش طوال العام أسهل كثيرا بالنسبة لعائلة بليكواي: "في سيدي عبد الرحمن، على الجانب المقابل، توجد الآن مكاتب حكومية. إذا أردت تجديد بطاقة الرقم القومي، فهي حرفيا على الجانب الآخر من الطريق، وتعمل طوال العام"، حسبما تقول مها. وتضيف: "هناك البنك الأهلي وبنوك أخرى تعمل طوال العام في سيدي عبد الرحمن. وهناك خياطون، ومحال تنجيد، ومغاسل للتنظيف الجاف، في الواقع هناك كل شيء على الجانب الآخر من الطريق."

لكن هناك فترة ركود واضحة. تقول مها: "خلال فبراير، أو تقريبا من منتصف يناير وحتى منتصف مارس، تكون الأوضاع هادئة للغاية. لا يكاد يوجد أحد هنا باستثناء الروس المقيمين في المنطقة. ويصبح الطقس شديد البرودة. ليس أبرد من أوروبا، لكنه مشابه لها. وهذا قد يؤثر على حالتك المزاجية."

وعندما نسألها عما إذا كان الساحل قادرا على استيعاب ضعف عدد المقيمين الحاليين طوال العام، تبدو مها متشككة: "إذا أردنا أن نكون واقعيين وصادقين، فلن يتحول الساحل أبدا إلى القاهرة أو الإسكندرية، لسببين. في الوقت الحالي، لا توجد مدارس جيدة. ولا توجد مدارس دولية، وهذه هي العقبة الأولى."

أما البنية التحتية المادية، فترى أنها أثبتت بالفعل قدرتها على استيعاب الكثافة السكانية: "أعتقد أن البنية التحتية مصممة لاستيعاب عدد الوحدات الموجودة، لأنه في أغسطس تكون جميع هذه الوحدات مفتوحة ومشغولة، والبنية التحتية تتحمل ذلك. لذلك لا أعتقد أن هذا سيكون مشكلة، على الأقل فيما يتعلق بالبنية التحتية."

بعد ثماني سنوات، تقول مها إنها لا تشعر بأي ندم، رغم أن البدائل أمامها كثيرة. وتقول: "نحن من يمسك بعجلة القيادة، والقرار بأيدينا." لا يزال الزوجان يمتلكان منزلا في الإسكندرية، كما يحملان جوازات سفر بريطانية تتيح لهما العودة إلى لندن في أي وقت، لكن "لا يوجد مكان في العالم يمكن أن يغرينا بالانتقال إليه."

الدراسة في العلمين

جنة أحمد طالبة في السنة الثالثة بكلية الطب في الأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري في العلمين، وتعيش في الساحل، وتحديدا في مراسي، منذ ثلاث سنوات. كانت تقيم في كندا قبل انتقالها إلى الساحل الشمالي، بعدما رشح لها صديق للعائلة يعمل بالتدريس في الجامعة المنطقة للإقامة.

انطباعاتها الأولى؟ رائعة. تقول لإنتربرايز: "هادئ، ومريح، ومليء بالسكينة. أحببت المكان بمجرد أن انتقلت إلى هنا." وترجع الفضل في جعل الحياة خارج الموسم أكثر سهولة إلى مجتمع مترابط من المتقاعدين الذين يعيشون في الساحل طوال العام. ويقيم معظم زملائها في كلية الطب في مراسي والمشروعات القريبة، ومنها بورتو جولف، بينما يتنقل آخرون يوميا من الإسكندرية، في رحلة تستغرق "نحو 90 دقيقة"، بحسب جنة.

أما فيما يتعلق بما يظل مفتوحا خارج الموسم، فتختلف تجربة جنة عن تجربة مها: "ليس الكثير"، تقول جنة. وقد استغرق الأمر منها شهرين تقريبا حتى تعتاد على الحياة في المنطقة، إذ واجهت في البداية صعوبة في توفير احتياجاتها. وكانت تتردد أيضا على الإسكندرية، إلى جانب سيدي عبد الرحمن والعلمين، لتلبية احتياجاتها اليومية، وهي أماكن تشير إلى أنها "ليست الأفضل للذهاب إليها كامرأة بمفردها" خارج الموسم، لكنها تؤكد أن الأمن لا يمثل مشكلة داخل الكمبوند.

الرعاية الصحية هي النقطة التي تختلف فيها تجربة مها وجنة بوضوح. ففي الوقت الذي تحدثت فيه مها عن وصول زوجها إلى مستشفى مراسي خلال دقيقتين وتلقيه العلاج بعد إصابته بجرح، تصف جنة تجربة كادت أن تتحول إلى كارثة في المنشأة نفسها عقب تعرضها لحادث سيارة. وتقول: "كانت عيني عمليا خارج وجهي، فقد انقلبت السيارة. ذهبت إلى مستشفى مراسي، ولم يكن هناك الكثير الذي يمكنهم فعله." واضطرت جنة إلى الانتقال بالسيارة إلى الإسكندرية، حيث خضعت لجراحة. وتضيف: "لا أعتقد أن أحدا يتوقع حالة بهذه الخطورة نتيجة حادث كبير خارج الموسم"، في محاولة منها لتفسير سبب عدم استعداد المنشأة للتعامل مع حالتها.

التنقل يتطلب سيارة، لكن تطبيقات النقل الذكي نجحت في سد جزء من الفجوة: تقول جنة إن تطبيق إن درايف يعمل خلال أشهر ما بعد الموسم الصيفي. كما تحسنت خدمات التجارة الإلكترونية؛ إذ أصبحت أمازون توصل الطلبات في اليوم التالي، مقارنة بأكثر من أسبوع عندما انتقلت إلى المنطقة لأول مرة. وعندما نسألها عما يحتاجه الساحل الشمالي لدعم الحياة طوال العام، تكتفي جنة بذكر رعاية صحية مناسبة ومطعم أو اثنين يعملان طوال العام. وترى طالبة الطب في السنة الثالثة أن هناك بالفعل عددا كافيا من السكان لدعم هذه الأنشطة، بمن فيهم الوافدون العاملون في مشروع الضبعة.

القواسم المشتركة

امرأتان ومجتمع واحد، وترسم تجربتاهما معا صورة لساحل يصلح للعيش طوال العام أكثر مما توحي به سمعته، لكنه لا يزال أقل اكتمالا مما تروج له السوق. البقالة والرعاية الصحية وخدمات النقل الذكي والخدمات الحكومية موجودة جميعها بشكل أو بآخر، لكن مدى موثوقيتها بما يكفي لبناء حياة كاملة حولها لا يزال يعتمد بدرجة كبيرة على من يحتاج إليها، وما الذي يحتاجه تحديدا. ورغم القواسم المشتركة، قدمت المرأتان تجارب مختلفة بوضوح حتى عند الحديث عن الخدمات نفسها. لكنهما تثبتان أمرا واحدا: الحياة طوال العام على الساحل الشمالي لمصر أصبحت ممكنة بالفعل.

العلامات: