بدأت طفرة التنمية في الساحل الشمالي في بناء قاعدة صناعية إلى جانب المشروعات السكنية والفنادق والبنية التحتية السياحية التي تعيد تشكيل ساحل البحر المتوسط. وتضيف الطاقات الصناعية الجديدة في العلمين، والمنطقة الاستثمارية الجاري تطويرها في رأس الحكمة، والمنطقة الاقتصادية الخاصة المخطط لها في جرجوب، أنشطة التصنيع والخدمات اللوجستية تدريجيا إلى مشهد تنموي هيمنت عليه حتى الآن العقارات والسياحة.
لماذا الآن؟ يخلق الحجم الضخم لأعمال الإنشاءات الجارية من سيدي عبد الرحمن وحتى مرسى مطروح سوقا جاهزة للمصنعين، لا سيما منتجي مواد البناء، فيما تعزز شبكة الطرق الجديدة والقرب من موانئ الإسكندرية الجدوى الاقتصادية للإنتاج بالقرب من الساحل الشمالي. وعلى المدى الأطول، يتطلع صانعو السياسات والمطورون الصناعيون إلى توسيع هذه القاعدة لتشمل الصناعات الزراعية والخدمات اللوجستية والصناعات الاستهلاكية، وربما التصدير.
العلمين في قلب التوسع الصناعي
تعد المنطقة الصناعية في العلمين واحدة من المناطق الرئيسية التي تعول عليها الحكومة ضمن استراتيجية الصناعة 2030 لجذب قاعدة أكثر تنوعا من الاستثمارات، لا سيما في ضوء قربها من الموانئ الرئيسية، وفق ما قاله مصدر حكومي لإنتربرايز. وتعمل الحكومة على التوسع في مشروعات البنية التحتية والمشروعات الصناعية بالتعاون مع المطور الصناعي للمنطقة، كما تدرس طلبا لتخصيص منطقة لأنشطة دباغة الجلود في مدينة العلمين الجديدة.
الأراضي الصناعية أصبحت أكثر تكلفة: رفعت وزارة الصناعة أسعار الأراضي في مدينة العلمين الجديدة اعتبارا من الشهر الجاري إلى 2965 جنيها للمتر المربع لتمليك الأراضي الصناعية و3570 جنيها للمتر المربع لورش الشباب، وفق وثيقة حكومية اطلعت عليها إنتربرايز.
مواد البناء نقطة البداية الطبيعية
في الوقت الحالي، تقود طفرة الإنشاءات الجارية بالفعل على الساحل النشاط الصناعي إلى حد كبير. باعت مجموعة التنمية الصناعية (آي دي جي)، المطور الصناعي الوحيد العامل حاليا في العلمين، نحو 22-25 مصنعا في مجمعها الصناعي، وفق ما قاله الرئيس التنفيذي للشركة شادي وليم لإنتربرايز. ويجري إنشاء نحو نصف هذه المصانع، فيما دخلت ثلاثة مصانع مرحلة التشغيل، وجميعها تعمل في إنتاج مواد البناء.
وهذا التركز ليس مصادفة. يقدر وليم أن أعمال التطوير تمتد على مساحة بطول نحو 130 كيلومترا بين سيدي عبد الرحمن ومرسى مطروح، ما يخلق ما يصفه بسوق كبيرة ومضمونة لمصنعي مواد البناء. ويمكن للإنتاج في العلمين خفض التكلفة المتزايدة لنقل المنتجات من القاهرة أو الإسكندرية، في ظل ارتفاع أسعار الوقود وتكاليف النقل ورسوم الطرق.
وتتوسع "آي دي جي" بالفعل لاستيعاب الموجة التالية من الطلب. يمتد المخطط الإجمالي للمجمع الصناعي على مساحة 2.7 مليون متر مربع، جرى تطوير 500 ألف متر مربع منها في المرحلة الأولى. وتضيف الشركة حاليا مليون متر مربع أخرى بعد وصول مبيعات المرحلة الأولى إلى المستوى الذي يسمح بالتوسع. كما ستتيح المساحة الأكبر للشركة استيعاب المصنعين الذين يحتاجون إلى قطع أراضٍ بمساحات تتراوح بين 40 و60 ألف متر مربع، مقارنة بالمساحات التي تتراوح بين 5 و10 آلاف متر مربع والتي استهدفت في البداية الشركات الصغيرة والمتوسطة.
الفرصة التالية: الصناعات الزراعية والخدمات اللوجستية
تبرز الصناعات الزراعية باعتبارها مجالا آخر ملائما للمنطقة. ويتيح القرب من الإنتاج الزراعي في منطقة وادي النطرون لشركات تصنيع الأغذية والتعبئة والتغليف والخدمات اللوجستية الوصول إلى المواد الخام القريبة، فيما يوفر ميناء الإسكندرية مسارا قصيرا نسبيا للمصنعين الذين يعتمدون على مدخلات الإنتاج المستوردة، وفق ما قاله وليم لإنتربرايز.
الطلب على التخزين قوي بالفعل بما يكفي لدفع "آي دي جي" إلى التخطيط لإنشاء مركز لوجستي داخل مجمعها الصناعي. يأتي الطلب من قطاعات الزراعة والتعدين والبترول والغاز والمصنعين والمقاولين والمطورين العقاريين الراغبين في تخزين مواد البناء والأثاث المستورد وغيرها من مدخلات الإنتاج بالقرب من مشروعاتهم في الساحل الشمالي. وحجز بعض كبار المطورين بالفعل مساحات تخزينية داخل المجمع لهذا الغرض، وفق وليم.
لكن العلمين لا تزال تواجه معضلة "الدجاجة والبيضة"
قد تكون الفرصة الصناعية قائمة، لكن جذب الشركات من القاهرة والإسكندرية يتطلب أكثر من المصانع والطرق. لا تزال العلمين تفتقر إلى المنظومة المتكاملة اللازمة على مدار العام لإقناع الموظفين ذوي المهارات الإدارية والمهنية وأسرهم بالانتقال إليها، لا سيما المدارس ذات المعايير الدولية والجامعات وخدمات الرعاية الصحية عالية الجودة، وفق ما قاله وليم لإنتربرايز.
وتمتد المشكلة نفسها إلى المرافق. جرى تخطيط المنطقة الصناعية الأوسع ببنية تحتية تتضمن محطة كهرباء مخصصة، لكن الاستثمار المطلوب لإنشاء هذه الطاقة يجب أن يبرره وجود طلب صناعي كافٍ، بحسب وليم. وفي الوقت نفسه، صممت "آي دي جي" بنيتها التحتية لاستيعاب الطلب المستقبلي، إذ تستطيع بنية الكهرباء لديها استيعاب نحو 120 ميجاوات، مقارنة باستهلاك حالي يبلغ 5-6 ميجاوات فقط.
وتقول الحكومة إنها تعمل على استكمال هذه المنظومة. تستثمر الدولة في الطرق والبنية التحتية ومختلف شرائح الإسكان في العلمين، بما في ذلك المساكن المخصصة لخدمة العمال، فيما يستمر تطوير بقية الخدمات، وفق ما قاله المصدر الحكومي لإنتربرايز. والهدف هو تحويل العلمين إلى مركز حضري وصناعي يعمل طوال العام بدلا من كونها وجهة موسمية.
قاعدة صناعية أكثر خضرة ضمن المخطط أيضا
تريد الحكومة أيضا أن تكون الطاقات الصناعية الجديدة في العلمين أكثر اعتمادا على الطاقة النظيفة. وتشمل الخطط التوسع في توليد الطاقة الشمسية لتغطي في نهاية المطاف ما يصل إلى 25% من احتياجات المصانع الجديدة من الكهرباء، وفق ما قاله المصدر الحكومي لإنتربرايز. ويرى صانعو السياسات أيضا أن محطة الضبعة النووية القريبة يمكن أن تمثل إحدى مزايا المنطقة المستقبلية على صعيد الطاقة، بحسب المصدر.
وقد يصبح المزيج الصناعي أكثر تنوعا على المدى الطويل. يشير المصدر الحكومي إلى وجود مجمع للبتروكيماويات وأنشطة شركة نيو كونكريت لمواد البناء ضمن الأنشطة الصناعية القائمة بالفعل في المنطقة، فيما تدرس الحكومة إضافة أنشطة دباغة الجلود.
من مواد البناء إلى الصناعات الاستهلاكية؟
تتطور المدن الصناعية عادة على مراحل، وفق وليم. تأتي مواد البناء أولا خلال فترة الإنشاءات. ثم يأتي الأثاث والمكونات الكهربائية والإضاءة مع بدء إشغال الوحدات السكنية. وتصبح السلع الاستهلاكية سريعة التداول والأدوية مجدية مع وجود عدد كافٍ من السكان الدائمين لتوليد طلب استهلاكي على مدار العام. ولا تزال العلمين في المرحلة الأولى من هذه الدورة.
ومن المتوقع أن يتسارع هذا التحول خلال السنوات الخمس المقبلة مع امتداد نشاط الساحل الشمالي تدريجيا إلى ما بعد موسم الصيف التقليدي، بحسب وليم. وستكون المدارس والجامعات والرعاية الصحية عوامل حاسمة، إذ يمكن أن يشجع إنشاء مؤسسات عالية المستوى الأسر التي تمتلك بالفعل منازل على الساحل على الانتقال إليه بصورة دائمة، بما يخلق القاعدة السكانية اللازمة لدعم الخدمات ومنظومة صناعية أكثر تنوعا.
والخريطة الصناعية لا تتوقف عند العلمين
يجري أيضا إعداد رأس الحكمة لتصبح وجهة استثمارية. من المتوقع أن تستقطب منطقة استثمارية يجري تطويرها حاليا هناك استثمارات بنحو 3.8 تريليون جنيه على مدى 10-20 عاما، وأن تدعم نحو 1.2 مليون فرصة عمل، وفق ما قاله مساعد وزير الاستثمار للترويج محمد عياد لإنتربرايز. وتوفر المناطق الاستثمارية جهة إدارية واحدة لتراخيص المشروعات والموافقات، وهي آلية تأمل الحكومة أن تسهم في جذب المستثمرين الأجانب.
وفي أقصى الغرب، قد تمنح جرجوب الساحل الشمالي بعدا تصديريا. يمكن لمنطقة اقتصادية خاصة مخطط إقامتها على مساحة 402 فدان على الساحل الشمالي الغربي للبحر المتوسط أن تعزز الروابط التجارية لمصر مع ليبيا المجاورة، وأن توفر بوابة أخرى نحو الأسواق الأوروبية. وتمثل ليبيا سوقا محتملة كبيرة، فيما يمكن لنموذج المنطقة الحرة بالقرب من الحدود أن يساعد في زيادة التجارة الثنائية وفتح سوق أكبر أمام المنتجات المصرية، وفق ما قاله عضو اتحاد الغرف الصناعية العربية علاء نصر لإنتربرايز.
الحلقة المفقودة: منظومة تعمل طوال العام
يتحول الساحل الشمالي تدريجيا إلى ما هو أكثر من مجرد ممر للعقارات والسياحة. توفر طفرة الإنشاءات الطلب الصناعي الأولي، فيما توفر الموانئ والطرق والإنتاج الزراعي والتخزين والأسواق التصديرية المحتملة المقومات اللازمة لبناء قاعدة تصنيعية أوسع. لكن قدرة هذه القاعدة الصناعية على التنوع بعيدا عن الأنشطة المرتبطة بالإنشاءات ستعتمد في نهاية المطاف على السؤال نفسه الذي يواجه طموحات العيش في الساحل طوال العام: هل يمكن أن يبقى هناك عدد كافٍ من السكان والخدمات والأنشطة الاقتصادية بعد انتهاء الصيف؟ يقول وليم إن جزءا كبيرا من "الهارد وير" أصبح قائما بالفعل. وما تحتاج إليه العلمين الآن هو "السوفت وير": المدارس والجامعات والرعاية الصحية عالية الجودة.