تتجه شركة فالمور القابضة (القابضة المصرية الكويتية سابقا) إلى بيع أصول مصرية ناضجة لتحقيق أرباح بالعملة الصعبة، ضمن برنامج تدوير رأس المال، الذي شهد تخارجها من شركة الدلتا للتأمين لصالح شركة تأمين الوفاء المغربية في نوفمبر 2025. إذ إن الشركة الاستثمارية القابضة المدرجة في بورصتي مصر والكويت، التي غيرت علامتها التجارية العام الماضي، أنهت النصف الأول من عام 2026 بإيرادات إجمالية شكلت العملة الصعبة 57% منها، وفق أحدث بيان لنتائج أعمالها (بي دي إف). وأوضحت فالمور أنها استخدمت حصيلة بيع الدلتا للتأمين لضخ رؤوس أموال والاستثمار في مشروع بالمملكة المتحدة، في حين تتنافس ذراعها لتوزيع الغاز في السعودية على رخص في خمس مدن صناعية أخرى.
تفاصيل الأرباح: تراجع صافي ربح المجموعة بنسبة 13.7% على أساس سنوي في النصف الأول من العام ليصل إلى 87.5 مليون دولار، مقارنة بنفس الفترة من العام الماضي، التي تضمنت 44.8 مليون دولار أرباحا استثنائية من التخارج. وفي المقابل، ارتفعت الإيرادات بنسبة 12.8% لتبلغ نحو 392 مليون دولار، وزاد مجمل الربح بنسبة 18.1% ليصل إلى 143.1 مليون دولار. وباستثناء البنود غير المتكررة من كلتا الفترتين، ارتفع صافي الربح العائد للمساهمين بنسبة 46.7%، بحسب الشركة، كما زاد صافي الربح العائد من أكبر خمس شركات تابعة لها (الإسكندرية للأسمدة، وسبريا مصر، ونات إنرجي، وكهربا، وشمال سيناء البحرية) بنسبة 36.9% على أساس سنوي.
يتولى جون روك (لينكد إن) قيادة المجموعة خلفا لشريف الزيات منذ فبراير 2024، أي قبل شهر واحد من تخفيض قيمة الجنيه. وصرح روك لإنتربرايز قبل عام أن أحد أسباب تعيينه في هذا المنصب كان التطلع إلى ما هو أبعد من السوق المحلية، وتقليل مخاطر الانكشاف الهيكلي للمجموعة على الجنيه. وانضم روك إلى فالمور القابضة للاستثمار قادما من شركة بلفنجر، حيث قاد أعمال الهندسة والصيانة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لمجموعة الخدمات الصناعية الألمانية من دبي.
التقينا روك لنستكشف منه ما يحرك هذه الأرقام فعليا، والسبب وراء توجيه رأس المال نحو الجنيه الإسترليني والريال السعودي بدلا من المحفظة المصرية، وما إذا كان استمرار إمدادات الغاز لثلاثة أشهر دون انقطاع سيغير من تقييمه لإنشاء مصنع جديد في البلاد، وما الذي ينتظر رؤيته أولا قبل إدراج إحدى الشركات التابعة لمجموعة فالمور. إليكم مقتطفات محررة من المقابلة:
إنتربرايز: تراجعت الأرباح المعلنة خلال هذا النصف الأول من 2026، فما الذي كان يحرك الأرقام الأساسية فعليا؟
جون روك: حرك الأرقام شركتان في الغالب؛ إذ عملت الإسكندرية للأسمدة بكفاءة عالية للغاية وتجاوز حجم الإنتاج نسبة 100% من الطاقة القصوى، بسبب عدم وجود انقطاعات في الغاز. وعند ربط ذلك بأسعار اليوريا، سنجد أن الشركة استفادت، لكن الرسالة الأهم هي أنها كانت مستعدة للاستفادة. أما شركة سبريا مصر، فشهدت تراجعا في حجم أعمالها. في العام الماضي، قبلت هوامش ربح أقل لكسب حصة سوقية. واستهدفت خطة هذا العام استعادة تلك الهوامش. لكن الصراع الإقليمي أثر على سلسلة توريدها ومسارات تصديرها. ولذا تراجع حجم الأعمال، وهو ما توقعناه. إلا أن إجمالي الربح وصافي الربح كانا ممتازين على أساس المقارنة.
ويعكس ذلك التحول الاستراتيجي الذي حدث خلال الأشهر الثمانية عشر الماضية؛ فالأمر لا يتعلق بإملاء ما ينبغي فعله على هذه الشركات من المركز الرئيسي، بل بامتلاك كل شركة المرونة الكافية للتعامل مع أي مستجدات في قطاعها، سواء فرصة أو تحدٍ.
إنتربرايز: شكلت الإيرادات بالعملة الصعبة 57% من إجمالي إيرادات المجموعة. إلى أي مدى تطمحون أن يصل هذا الرقم، وكيف ستحققون ذلك؟
روك: نستهدف مستوى أعلى. لكننا لن نصل إلى ذلك عبر تقليص أعمالنا في مصر، وهذا هو الجزء الذي يغفل عنه البعض أحيانا. يعني هذا إما زيادة الصادرات من الشركات المصرية، أو التوسع دوليا. وقد فعلنا الأمرين معا. فنحن بحاجة إلى الدولار في كل الأحوال؛ لأننا نوزع الأرباح بالدولار، ونحتاجه للاستثمارات الخارجية، وللإنفاق الرأسمالي الذي يخدم الشركات المصرية، كما أن بعض مدخلاتنا وسلاسل توريدنا تُسعر بالدولار. لذلك لا يعد هذا موقفا تجاه مصر، بل مجرد حسابات لالتزاماتنا الخاصة.
تتمثل الميزة التنافسية الحقيقية لمصر في تكلفة التصنيع. فثمة وفرة في الكفاءات وقاعدة تكلفة منخفضة لأعمال التصنيع والتجميع. ويكمن السر في العثور على شركات تركز على التصدير. وتمثل الإسكندرية للأسمدة وشمال سيناء البحرية أمثلة للشركات العاملة في مصر، التي تدر عملة أجنبية للمجموعة. ويبحث فريق الاستثمار بالمجموعة عن المزيد من هذه النماذج، وهناك العديد من الفرص المتاحة.
إنتربرايز: تحققون أرباحا هنا وتستثمرونها في السعودية والمملكة المتحدة. هل يعكس ذلك ثقة في تلك الأسواق، أم تحوطا ضد السوق المحلية؟
روك: هو مزيج من المسارين. فالأمر يتعلق بالثقة في السوق والمنتج. لكننا بحاجة أيضا للحماية من أي تخفيضات مستقبلية لقيمة العملة. فأنتم تدركون أكثر مني ما فعله تخفيض العملة بهذا الاقتصاد على مدار السنوات العشر الماضية. فلن أؤدي عملي على الوجه الأكمل إذا لم أشعر بضرورة حماية المستثمرين من ذلك. لذا نحن متمسكون بوجودنا في مصر والنمو فيها، لكننا نتطلع أيضا لنقل بعض السيولة للخارج وتوجيهها نحو المشاريع المناسبة التي ستحقق قيمة أفضل للمساهمين.
إنتربرايز: تبدو الدلتا للتأمين هي المثال الأوضح لهذه الاستراتيجية. حدثنا عن المنطق وراء هذه الخطوة.
روك: امتلكنا الدلتا للتأمين لمدة طويلة، وكانت استثمارا جيدا بالنسبة لنا؛ فقد كانت مربحة وناجحة. كما كانت علامة تجارية طورناها لتصبح جذابة، ولهذا تمكنا من بيعها لكيان عالمي جاد. لكن القطاع يقف عند مفترق طرق. يحتاج قطاع التأمين في مصر إلى رقمنة وتحديث. وإذا قارنا طريقة بيع المنتجات هنا، سواء التجارية أو قطاع التجزئة، ببقية دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، فسنجد أننا لا نواكب ذلك التطور. كنا سنحتاج إلى الاستثمار بكثافة لمعالجة ذلك، وكنا مستعدين لهذه الخطوة. لكن اتضح أن القرار الأفضل هو جني ثمار القيمة التي بنيناها وتوجيه رأس المال نحو مجالات تدر عوائد أكبر.
ولذلك بعنا الشركة، واستخدمنا الحصيلة مباشرة لضخ رؤوس أموال في المشروع الكائن بالمملكة المتحدة والاستثمار فيه. وبمجرد وصول هذا المشروع إلى مرحلتيه الأولى والثانية، سيحقق صافي ربح وتدفقات نقدية أعلى بكثير مما حققته الدلتا للتأمين. وهذا هو النموذج الذي ننشده، وهو أيضا الجانب الذي يغفل عنه البعض. فلا يقتصر الأمر على التخارج من أصل ناضج لتمويل مشروع جديد، بل يكمن في إدراك أن العوائد في الجانب الآخر ستكون أفضل بشكل ملموس. قللنا أيضا المخاطر المرتبطة بالجنيه، لأن تلك الأرباح ستكون بالجنيه الإسترليني.
إنتربرايز: عملت الإسكندرية للأسمدة بكامل طاقتها طوال الربع الثاني من 2026 بفضل استمرار إمدادات الغاز. فإلى أي مدى أصبح هذا الأمر موثوقا؟
روك: إنها المرة الأولى منذ ثلاث سنوات. فقد كانت هناك انقطاعات كثيرة قبل عامين، وفي الصيف الماضي كانت أقل، أما هذا الصيف فلم تكن هناك أية انقطاعات. وإنني أكثر ثقة بأننا لن نشهد انقطاعا آخر ما لم يحدث أمر جلل.
إنتربرايز: هل تفكرون في بناء مصنع جديد كثيف الاستهلاك للغاز في مصر حاليا؟
روك: لا أستبعد ذلك، ولكنني لا أؤكده أيضا. تقوم فلسفتنا تجاه الاستثمارات الجديدة والقطاعات الجديدة والأسواق الجديدة على دراستها بعناية، وإجراء الفحص النافي للجهالة بالكامل، والإعلان عن الأمر عندما يكون لدينا شيء نعتقد أنه سيحقق نجاحا لصالح السوق والمستثمرين.
دعوني أجيب بطريقة مختلفة. أي مشروع كثيف الاستهلاك للغاز، أينما كان، ينبغي أن يجتاز نفس الاختبارات، التي تتمثل في بضعة تساؤلات: هل هناك سوق مستهدفة؟ هل يمكنك ضمان مصدر الإمداد؟ هل هناك يقين أو استقرار في الأسعار؟ هل تدر الفرصة عوائد بالعملة الصعبة؟ فهذه هي مؤشرات الأداء الرئيسية، سواء أكان المشروع في مصر أم في أي مكان آخر.
إنتربرايز: تأهلت شركة إيكاكوم في فبراير للمنافسة على رخص في خمس مدن صناعية سعودية، وكان موعد تقديم العطاءات في أبريل. إلى أين وصلت الأمور؟
روك: تابعنا عملية الطرح. وكانت هناك بعض التأخيرات بسبب الوضع الجيوسياسي، وسنعلق على الأمر بمجرد انتهائه. لكن الاستراتيجية لم تتغير؛ فنحن نهدف إلى التوسع في نشاط توزيع الغاز عبر أنحاء المملكة، وهو ما يتماشى مع جهودها في مجال الطاقة النظيفة والوصول إلى الحياد الكربوني.
ولم تكن المدينة الصناعية الثالثة بالدمام هي طموحنا الوحيد على الإطلاق، بل كانت البوابة. ونعلم أن هناك ما لا يقل عن 20 أو 30 مدينة صناعية أخرى بهذا الحجم يمكننا التوسع فيها خلال السنوات الخمس إلى العشر القادمة. وقد ضخت فالمور القابضة 60 مليون ريال من النفقات الرأسمالية والأعمال الإنشائية، وما زلنا نكثف عملياتنا.
إنتربرايز: ما هي الشروط التي ينبغي توافرها في أي شركة أو مشروع قبل الموافقة عليه؟
روك: هناك بضعة أمور. أبحث عن العمل في بيئات مستقرة، وأركز على العملة الأجنبية لتقليل مخاطر الجنيه وتلبية احتياجاتنا الدولارية. ويجب أيضا أن أكون واثقا من قدرتنا على إضافة قيمة وتحفيز النمو. نحن أقل ميلا للمنصات شديدة الاستقرار ذات الأداء الجيد، لأنني سأجد صعوبة في تحقيق قيمة مضافة كبيرة للمساهمين.
وعلى مستوى القطاعات، ندرك نقاط قوتنا. غير أنني أحاول أيضا تحقيق التوازن. كان الغاز هو المحور الأساسي لهذه الأعمال عندما توليت المسؤولية؛ سواء من خلال التنقيب عنه، أو توزيعه، أو استخدامه مادة خام، أو حرقه لتوليد الكهرباء. وهذا أمر رائع. لكنني لا أريد الاعتماد كليا على عنصر واحد. وقد توسعنا في مجالات مرتبطة، شملت الخدمات المالية غير المصرفية والتأمين، إلى جانب المحفظة الصناعية، لذا فالأمر ليس وكأننا نقفز فجأة إلى المجهول عبر هذا التنويع. وبعد ذلك تأتي العوائد؛ وهو ما يجعلنا نتساءل عما إذا كان المشروع يلبي معدل العائد الداخلي المستهدف لدينا، وما إذا كان يولد تدفقات نقدية.
ويضرب نشاط الخدمات المالية غير المصرفية مثالا جيدا على نجاح هذا التوازن؛ فقد أطلقناه من الصفر، ولم يستنزف كثيرا من النفقات الرأسمالية، وحقق نموا جيدا في سنواته الأولى. ومع أن قطاع الخدمات المالية الأوسع في مصر واجه تحديات بسبب أسعار الفائدة والصراع، لا تزال السوق الأساسية قائمة، ويمكنكم رؤية ذلك من خلال التقييمات التي يحظى بها المنافسون. وقد أضفنا نشاط التمويل الاستهلاكي إلى التمويل متناهي الصغر هذا العام، نظرا لاختلاف طبيعة السوق المصرية عن بعض الأسواق الأخرى التي نعمل بها، ومن الواضح أن هناك فرصة قوية لخدمات القطاع المالي غير المصرفي هنا.
إنتربرايز: بعد ثلاث سنوات من الآن، كيف يبدو النجاح بالنسبة لكم، وهل يشمل ذلك إدراج إحدى الشركات التابعة؟
روك: لن أستبعد فكرة الإدراج. فنحن نقيم باستمرار الخيار الأفضل لكل شركة تابعة، وإذا تبين في مرحلة ما أن الطرح العام هو الطريق الأمثل لتحقيق ذلك، فسنفكر فيه بالتأكيد.
أما عن خططنا المستقبلية بشكل عام، لا يمكنني الإفصاح عن تفاصيل محددة. لكن ما يمكنني قوله هو أننا قبل عامين لم نكن نشرح نموذج عملنا للسوق ولم نكن نطبقه بشكل ملموس. أصبح بإمكاننا ذلك في الوقت الراهن. فقد نفذنا صفقات تخارج، وحررنا رؤوس أموال، ووجهناها نحو استثمارات جديدة. واعتمد مجلس الإدارة خطة خمسية جديدة في نهاية العام الماضي، يعمل الفريق على تنفيذها حاليا. فأي فريق دمج واستحواذ متميز يمتلك قائمة غنية بالفرص، لأنه من الطبيعي ألا تكتمل كل صفقة يتم النظر فيها.