افتتحت تنزانيا هذا الأسبوع رسميا سد ومحطة جوليوس نيريري لتوليد الطاقة الكهرومائية بتكلفة بلغت 2.9-3 مليارات دولار على نهر روفيجي. وحضر مراسم الافتتاح رئيس الوزراء مصطفى مدبولي نيابة عن الرئيس عبد الفتاح السيسي، في صحبة الرئيسة التنزانية سامية صولوحو حسن. وكان تحالف مصري يضم شركتي السويدي إلكتريك والمقاولون العرب قد تولى بناء السد لصالح شركة تانيسكو الحكومية للكهرباء في تنزانيا. وتبلغ سعة خزان السد 34 مليار متر مكعب، بقدرة توليدية تصل إلى نحو 2,100 جيجاوات، وهو ما يكفي لتوفير الكهرباء لأكثر من 60 مليون تنزاني، وفقا لصفحة المشروع على الموقع الرسمي للسويدي إلكتريك.
كما يأتي المشروع ضمن تحرك أوسع؛ فقد وقع 7 مستثمرين في الشهر الماضي اتفاقيات لتخصيص الأراضي في مدينة السويدي الصناعية في تنزانيا، على هامش منتدى الأعمال والاستثمار المصري التنزاني الذي استضافته هيئة الاستثمار والمناطق الاقتصادية الخاصة بتنزانيا في العاصمة دار السلام. واتفقت الشركات على إنشاء منشآت لتصنيع الأدوية والصناعات الهندسية والصناعات الغذائية، باستثمارات إجمالية متوقعة تصل إلى نحو 50 مليون دولار. كما شهد المنتدى توقيع مذكرتي تفاهم منفصلتين في مجالات الكهرباء والنقل والطاقة المتجددة.
بيد أن هناك أبعادا استراتيجية أعمق تتكشف وراء هذه العناوين. يتمثل هذا في تحرك استراتيجي نحو تعزيز النفوذ الإقليمي لم تفصح عنه البيانات الرسمية بعد. إذ لا توضح بيانات الاستثمار الأجنبي المباشر المصري في الخارج الأرقام الخاصة باستثمارات دول أفريقيا جنوب الصحراء بصورة منفصلة، مما يصعب قياس حجم هذا التوسع، حتى في ظل الدعم الذي توفره الدولة على المستوى الرئاسي. ولذا فإنها تمنح الأولوية لبناء حضور طويل الأجل في القارة، على حساب تحقيق عوائد سريعة بالعملة الصعبة.
استراتيجية وليست مجرد فرصة
في حديثه إلى إنتربرايز، قاله خبير الاستثمار الأجنبي المباشر ومحلل الاقتصاد الكلي إسلام مجدي: "هناك مؤشرات واضحة على أن هذه التحركات بدأت تأخذ طابعا استراتيجيا بدلا من كونها مجرد اقتناص للفرص". ويعد السد أبرز دليل على هذا التوجه، فقد نفذ تحالف صناعي مصري منسق ومدعوم من الدولة أحد أكبر مشاريع البنية التحتية في أفريقيا، وسط حضور وزاري وتمثيل رئاسي في حفل الافتتاح. وأوضح رئيس مجلس إدارة شركة المقاولون العرب أحمد العصار أن أعمال الخرسانة وحدها استغرقت 723 يوما متواصلا، في حين أشار الرئيس التنفيذي لشركة السويدي إلكتريك أحمد السويدي إلى أن إسهام الشركة تركز في الأنظمة الكهربائية وربط الشبكات، بما في ذلك مد أكثر من ألف كيلومتر من الكابلات ورفع أحمال ثقيلة تجاوزت حمولتها الإجمالية 30 ألف طن.
توجه واسع: هذا النطاق الواسع في التنفيذ، جنبا إلى جنب مع التحرك الحكومي الأخير لتأسيس كيان استثماري مخصص لتنسيق الاستثمارات المصرية في أفريقيا، يتضمن قاعدة بيانات للفرص الاستثمارية وآليات للتمويل وضمان المخاطر، كل هذا يؤكد على وجود توجه أكثر تنظيما، يتجاوز الصفقات أو التحركات الفردية للشركات.
مشروعات تتجاوز جذور التعاون الممتدة: كشف وزير الموارد المائية والري هاني سويلم عن تخصيص آلية تمويلية أسستها مصر بقيمة 100 مليون دولار لتطوير مشروعات قابلة للتنفيذ بدول حوض النيل الجنوبي، استنادا إلى التعاون في مجال الموارد المائية مع تنزانيا منذ عام 2007، الذي شمل مشروعات آبار جوفية لتوفير مياه للشرب، بحسب بيان رسمي. ويجري حاليا وضع اللمسات الأخيرة على إطار ثنائي جديد للموارد المائية والري، يتضمن حفر 30 بئرا جوفية إضافية وإنشاء سدين لحصاد مياه الأمطار.
قد يبدو المنطق وراء ذلك مناقضا للتوقعات للوهلة الأولى، فلماذا تمول الدولة مشروعا يمتد لعقود تحقق فيه تنزانيا عوائد أكبر مما تحققه مصر؟ تكمن الإجابة في مساعي مصر لتحقيق أهداف أخرى بخلاف العوائد سريعة الأجل. إذ إن الاستثمار مقدما في مشروع مثل مدينة السويدي الصناعية يمثل مقايضة مدروسة، تتمثل في ترجيح كفة النفوذ الجيوسياسي الإقليمي والتحوط الاقتصادي طويل الأجل على حساب تحقيق العوائد السريعة من العملة الصعبة أو السيولة.
تفاصيل المشهد
استعرض مجدي أربعة أسباب تجعل هذه المقايضة منطقية:
- تعزيز النفوذ في ملف المياه والأمن القومي: تطل تنزانيا على بحيرة فيكتوريا، المصدر الرئيسي لمياه النيل الأبيض. ونظرا إلى أن مصر تعتمد اعتمادا شبه كلي على النيل في مياه الشرب والزراعة، فإن الأمن المائي يمثل أولوية قومية لا جدال فيها. ومن ثم فإن إشراك تنزانيا في شراكات صناعية وبنية تحتية عميقة يمنح مصر رصيدا طويل الأجل من النفوذ والعلاقات لا يمكن للمساعدات أو الدبلوماسية المعتادة تحقيقها بمفردها.
- التحوط ضد تراجع العملة: تراجعت قيمة الجنيه بشكل حاد خلال السنوات الأخيرة. ومن خلال تشجيع الشركات المحلية على تأسيس أصول وقواعد تصنيعية بالخارج، تبني مصر مصدا اقتصاديا خارجيا؛ فحتى إذا شهدت السوق المحلية تضخما مرتفعا أو ركودا، ستبقى الشركات المصرية العملاقة مثل السويدي قادرة على تحقيق أرباح في الخارج، مما يحمي قيمة رأس المال المصري.
- خلق أسواق للموردين المحليين في مصر: مع أن المنتجات المصنعة في تنزانيا تُباع للمستهلكين المحليين هناك، تُستورد مكونات التصنيع الأولية غالبا من مصر. وستحتاج المصانع الواقعة في مدينة السويدي الصناعية في تنزانيا إلى معدات ثقيلة وأدوات متخصصة ومستلزمات إنتاج وخدمات هندسية، وسيُصدَّر جزء كبير منها مباشرة من القاهرة، ما يولد إيرادات ويحافظ على الوظائف لدى الشركات الموردة في السوق المحلي.
- المنافسة على مواطئ القدم في القارة الأفريقية: تعد شرق أفريقيا واحدة من أسرع المناطق نموا اقتصاديا في العالم، وتتنافس القوى العالمية الكبرى (مثل الصين وتركيا والإمارات والسعودية) على تعزيز نفوذها هناك. وإذا اكتفت مصر بتصدير السلع النهائية من الداخل، فستخرج في النهاية من المنافسة أمام المنتجات الصينية الأرخص أو التمويلات الخليجية. وفي المقابل، يمنحها الوجود الفعلي، عبر إنشاء المصانع في تنزانيا، مؤطئ قدم دائم في السوق الاستهلاكية الأفريقية النامية.
ما لا تظهره البيانات
تكمن المشكلة الرئيسية في صعوبة إثبات كل ذلك بالأرقام، إذ قال مجدي: "لا توفر بيانات الاستثمار الأجنبي المباشر المصري في الخارج توزيعا جغرافيا دقيقا على مستوى دول أفريقيا جنوب الصحراء، وهذه هي المشكلة بالتحديد". فالبنك المركزي المصري ينشر بيانات الاستثمار الأجنبي المباشر حسب الدولة، لكن جنوب أفريقيا هي الدولة الوحيدة في دول جنوب الصحراء التي تظهر في بند مستقل؛ في حين تندرج بقية الدول — بما فيها تنزانيا — تحت بند عمومي وهو "دول أخرى". كما تزداد هذه المشكلة تعقيدا في البيانات التي تتيحها الدولة المستقبلة للاستثمارات هي الأخرى. فعلى سبيل المثال، قد تضخ شركة مثل السويدي إلكتريك رؤوس الأموال عبر شركات تابعة إقليمية بدلا من التحويلات المباشرة من مصر، ما يعني أن المصدر المصري للأموال قد لا يظهر حتى في بيانات ميزان المدفوعات الخاص بتنزانيا. ووفقا لبيانات الاستثمار الأجنبي المباشر في تنزانيا التي شاركها مجدي مع نشرة إنتربرايز، بلغ إجمالي التدفقات 1.72 مليار دولار في عام 2024، وتصدرت الصين وفيتنام وموريشيوس والإمارات والمملكة المتحدة الدول المصدرة لهذه الاستثمارات، بينما لم تظهر مصر بينها.
وعلى صعيد أرقام الاستثمارات المباشرة، فقد وقعت الشركات السبعة اتفاقيات تخصيص أراض تستهدف استثمارات مرتقبة بنحو 50 مليون دولار في منشآت لتصنيع الأدوية والصناعات الهندسية والصناعات الغذائية. وقال مجدى إن "هذه الأرقام تعد تقديرات مرتبطة ببناء المصانع؛ وتبقى الفجوة بين الالتزامات المعلنة ورأس المال الذي يُضخ فعليا هي المتغير الأساسي الذي يجب متابعته".
النموذج المالي مختلف
يختلف النموذج الاقتصادي الذي تقوم عليه مدينة السويدي الصناعية اختلافا جوهريا عن التوسع المصري في دول الخليج والعراق. وعن ذلك يقول مجدي: "يكمن التوصيف الأكثر دقة في التمييز بين الاستثمار الأجنبي المباشر الباحث عن الأسواق، مقابل النموذج الباحث عن الأسواق والعقود مع الاعتماد أكثر على إيرادات العملات الصعبة وتحويل الأرباح إلى مصر، وهو ما يميز أغلب التوسعات في الخليج والعراق". وكما أشارت إنتربرايز سابقا، تحقق الشركات المصرية في الخليج والعراق عادة أرباحا بعملات مستقرة أو صعبة، وبالتالي تظهر الفوائد في ميزان المدفوعات سريعا من خلال الأرباح المحولة. وبلغت إيرادات الشركات المصرية من الاستثمارات الخارجية 2.90 مليار دولار في العام المالي 2024-2025، مقابل 524.1 مليون دولار من الاستثمارات الخارجية الجديدة في ذلك العام، مما يعني أن العوائد المحققة من رصيد الاستثمارات السابقة بلغت نحو 5.5 مثل حجم الاستثمارات الجديدة الخارجية لذلك العام.
لكن نموذج تنزانيا يتبع نهجا مختلفا. كُشف الستار عن مدينة السويدي الصناعية في نوفمبر 2023 على مساحة 2.6 مليون متر مربع، وتقع على بعد 70 كيلومترا من دار السلام، وتستهدف استثمارات إجمالية بقيمة 400 مليون دولار عبر نحو 200 مصنع. ويُخصص 70% من الإنتاج للسوق المحلي في تنزانيا و30% للتصدير، إذ يعتمد المشروع على وصول تنزانيا إلى موانئ المحيط الهندي والدول المجاورة غير الساحلية، ومنها بوروندي وجمهورية الكونغو الديمقراطية ورواندا وأوغندا وزامبيا، التي تعتمد على تنزانيا كونها منفذ هذه الدول على البحر.
وليس هذا مجرد نموذج نظري بالنسبة لأكبر الشركات المصرية المدرجة. فقد أشار رئيس قطاع الصناعة في "سي آي كابيتال" مارك أديب إلى أن 40% من مبيعات السويدي إلكتريك تأتي بالفعل من عملياتها الخارجية، دون احتساب الصادرات المباشرة من مصر التي تشكل نسبة 31% إضافية. وأضاف: "الأمر ذاته ينطبق تماما على شركات كبرى أخرى مثل أوراسكوم كونستراكشون، التي تأتي 64% من إيراداتها من عمليات خارج مصر".
لكن العمل في سوق تُسعّر فيه 70% من المبيعات بالشلن التنزاني يثير بطبيعة الحال تساؤلات حول قابلية تحويل العملة وإعادة الأرباح إلى مصر. ومع ذلك، تعتمد كبرى الشركات الصناعية على أدوات الحد من المخاطر المالية بدلا من تحمل مخاطر العملة المحلية دون تحوط. ويفسر أديب ذلك قائلا: "تستخدم الشركات الكبرى عادة استراتيجيات تحوط مثل العقود الآجلة وآليات التحوط من تقلبات العملة الأخرى. فعلى سبيل المثال، تحدد شركة السويدي هامش ربح إجمالي محدد لكل طن في مبيعات الكابلات، للتحوط ضد تقلبات العملة وأسعار السلع الأساسية".
ثمة أبعاد أخرى تتعلق بدور مدينة السويدي الصناعية بوصفها منصة إقليمية. تعد مدينة السويدي الصناعية منطقة صناعية مجهزة بالكامل، تخدم سوقا تضم نحو 400 مليون مستهلك عبر شرق ووسط وجنوب أفريقيا بفضل الاتفاقيات التجارية لتنزانيا. وبمجرد اكتمالها، ستكون هذه المنصة بمثابة بوابة لدخول الشركات المصرية إلى أسواق شرق أفريقيا بصفة عامة.
العقبات اللوجستية
هل ينعكس هذا التوسع الإقليمي على وضع الدولار في مصر على المدى القريب؟ ليس بعد، وتفسر آلية عمل هذه الاستثمارات السبب، بحسب مجدي؛ والسبب في هذا أن الاستثمار الأجنبي المباشر الخارجي يكون استخداما لرأس المال في مرحلته الأولية وليس مصدرا للعملة الأجنبية. فعندما تستثمر شركة مصرية في تنزانيا، تتدفق هذه الأموال إلى الخارج أولا، ولا تتحقق الفائدة إلا لاحقا عبر توزيعات الأرباح وحقوق الملكية والمشتريات من مصر، إلى جانب الأرباح التي تعود في النهاية إلى المساهمين المصريين. ويؤكد مجدي أن "حجم الاستثمار المصري في أفريقيا جنوب الصحراء لا يزال أصغر من أن يؤدي إلى تحويل أرباح تؤثر بشدة على موقف مصر من النقد الأجنبي على المدى القريب".
كما تواجه الشركات المصرية عقبات تشغيلية معروفة في جميع أنحاء القارة، تشمل ارتفاع تكاليف الشحن وضعف خطوط الملاحة بين مصر والأسواق الأفريقية، وضعف قنوات التحويل المصرفي عبر الحدود ما يصعب تحويل الأرباح، فضلا عن ضغوط التسعير من المصنعين الصينيين. وتعمل مصر على معالجة بعض هذه العقبات بشكل مباشر.
ويشكل هذا الحضور في تنزانيا جزءا من استراتيجية أوسع لبناء منصة متعددة القطاعات تابعناها في شرق أفريقيا؛ شملت منصة أوتروفاتو في كينيا، التي ضمت نحو 200 مصنع مصري وتستهدف الوصول بحجم التجارة البينية إلى 30-60 مليون دولار، ومشروعات الغاز الطبيعي المسال صغيرة النطاق التابعة لشركة روزيتا لحلول الطاقة، واتفاق مع إريتريا في مجال النقل البحري لتأسيس خط للشحن المباشر عبر البحر الأحمر، ومحطة متعددة الأغراض في ميناء دوراليه بجيوتي، والجهود المستمرة للتسويق لميناء برنيس ليكون بوابة لوجستية إقليمية. وتستند هذه الجهود أيضا إلى إطار عمل يعود إلى عام 2024 وروابط لوجستية سابقة، بما في ذلك محطة متعددة الأغراض في ميناء دار السلام.
وقد يكون جزء من هذا التوسع نابعا من احتياجات الشركات نفسها أكثر من كونه تخطيط من الدولة؛ فالشركات المصرية التي تمتلك إمكانات فنية قوية تواجه فرص نمو محلية أبطأ في بعض القطاعات. كذلك ربما يكون هذا التوسع الإقليمي نتيجة طبيعية لنمو تلك الشركات مما يجعلها تتجاوز السوق المحلي، بدلا من كونه مجرد استجابة للحوافز الحكومية. ويقول مجدي: "السؤال الأكثر أهمية هو ما إذا كانت الدولة تنظم جهودها حول هذا الواقع المؤسسي بدلا من أن تكون هي من دفع بهذا التوجه منذ البداية".
هل نملك رفاهية الانتظار؟
في ظل الحضور الحكومي البارز في كل هذه الفعاليات، فمن المنطقي أن نطرح تساؤلا يقول: هل توجه مصر موارد إلى أفريقيا كان من الممكن ضخها في اقتصادها المحلي. يرفض مجدي هذا الطرح من الأساس، مشيرا إلى أن ما يدفع هذا التوسع بشكل كبير هو رأس المال الخاص، وليس الموازنة العامة للدولة. ويوضح قائلا: "تتخذ شركات مثل السويدي وأوراسكوم وإديتا قرارات تجارية، وإذا لم تتجه إلى أفريقيا، فهذا لا يعني بالضرورة أن رأس المال كان سيُضخ في استثمارات محلية". كما أن المخاطر المالية التي تتحملها الدولة صغيرة نسبيا. ويرى مجدي أنه يجب أن ننظر إلى هذا الإنفاق على أنه استثمار في النفوذ، بدلا من كونه إنفاقا على حساب التنمية المحلية.
كذلك يكمن الرهان الحقيقي في المنطق السياسي الكامن وراء هذا النفوذ. إذ إن الدعم الأفريقي ذو وزن كبير في المحافل الدولية، لاسيما على مستوى قضايا حوض النيل، بالنظر إلى عدد الدول الأفريقية الأعضاء في الأمم المتحدة، وهو ما يرى أنه عائد لا يمكن قياسه بأي معيار مالي مباشر. بالإضافة إلى أن عامل الوقت مهم في هذا السباق. فكما نرى، تبني قوى كبرى مثل الصين وتركيا والولايات المتحدة وإسرائيل حضورها الاقتصادي في أفريقيا، رغم افتقار هذه الدول إلى ما تتمتع به مصر من قرب جغرافي وروابط تاريخية ومائية.
ويؤكد مجدي أن "تكلفة التأخير أعلى بالنسبة لمصر من أي طرف آخر". وأضاف: "العالم اليوم تحكمه العلاقات، وتأجيل بناء هذه العلاقات سيكبدنا تكلفة باهظة مستقبلا، لا سيما بعدما تنجح الأطراف الأخرى في ترسيخ حضورها بالفعل." وبحسب تصوره، فإن السؤال الفعلي لا يكمن في السبب وراء استثمار مصر في أفريقيا بدلا من الاستثمار في الداخل، بل يكمن في قدرتها على تحمل تكلفة عدم الاستثمار هناك.
ويفسر ذلك أيضا الحضور الواضح للدولة في المشروعات التي يُمول معظمها من القطاع الخاص. يقول مجدي: "الحضور الحكومي البارز أمر مقصود، فحتى عندما يكون الاستثمار بقيادة القطاع الخاص، يرسل وجود الدولة رسالة مفادها أن مصر موجودة بوصفها شريكا طويل الأجل، وليست مجرد جهة منفذة لمشروع واحد". فعلى سبيل المثال، لا يقتصر حضور رئيس الوزراء مراسم افتتاح السد بالضرورة على إعطاء إشارة دالة على من يدفع التكاليف، بل يعطي إشارة إلى الصورة التي تريد مصر أن تظهر بها، في منطقة تتنافس فيها قوى كبرى على المكاسب ذاتها.