💻 المنصة التي تستثمر في العقول الناشئة: في ظل توسع تقنيات الذكاء الاصطناعي، يصبح تأسيس أجيال جديدة من العقول المبدعة عملية معقدة قليلا، فمع إغراق المعلومات في كل مكان، أصبح كل شيء على بعد ضغطة زر. إلتقينا في إنتربرايز المسائية أحمد البكري (لينكد إن)، وهو رائد أعمال يبلغ من العمر 22 عاما أسس منصة "تاكومي" لتنمية وتدريب الشباب على أساسيات الإتيان بفكرة عمل، ثم اختبارها وتدشينها من الصفر دون الحاجة إلى الكثير.
بدأت رحلة البكري المهنية في وقت مبكر مدفوعا بفضول وشغف كبير بريادة الأعمال والتكنولوجيا، وفي الأسطر التالية يشاركنا تجربته في بناء منصة تاكومي وما تقدمه للطلاب المستهدفين وكذلك التحديات التي تواجهه.
الطريق إلى التفكير التصميمي
أظهر البكري عقلية ريادية منذ طفولته، ففي سن 9 سنوات، لاحظ غياب ورش صيانة أجهزة الكمبيوتر في الحي الذي يعيش فيه، فعلم نفسه كيفية إصلاح حاسوبه الشخصي، وسرعان ما وسع نطاق خدماته لتشمل جيرانه مقابل 50 جنيها فقط آنذاك. استمر البكري في تجربة مجالات متنوعة والعمل المستقل عبر منصات مثل خمسات حتى مرحلة الثانوية العامة. قبل التحاقه بالجامعة، جاءت نقطة البداية بشغفه الحالي عندما حضر ورشة عمل حول التفكير التصميمي.
عرفته الورشة على مفهوم التعاطف مع العملاء لتحديد المشكلات التي تواجههم وبناء حلول مخصصة لها، وكشفت هذه التجربة عن جانب جديد من شخصيته يتمثل في الرغبة العميقة في ترك أثر مستدام ومساعدة الآخرين. نما شغفه بالتفكير التصميمي بقوة حتى أصبح مدربا بنفسه، وقدم ورش عمل مجانية لمشاركة هذه المنهجية مع الآخرين.
الرؤية والفلسفة
من أين جاءت فكرة تاكومي؟ ولدت تاكومي من ملاحظة البكري لفجوة مستمرة بين شباب جيله والأجيال الأصغر، تتمثل في غياب التفكير المنظم والعجز عن استغلال الموارد المتاحة لإنشاء مشاريع. ونتيجة لذلك، أصبحت المهمة الأساسية لتاكومي هي غرس عقلية ريادة الأعمال لدى الأطفال والشباب منذ سن مبكرة.
فلسفة تاكومي: تعتمد الفلسفة التعليمية للمنصة على عدة ركائز أساسية أهمها التعلم التجريبي، إذ قال البكري إن ريادة الأعمال لا يمكن تعليمها عبر دورات نظرية تقليدية، بل هي رحلة تُعاش، تتطلب من الطلاب المخاطرة وتجربة أفكار جريئة وارتكاب الأخطاء والتعلم من خلال التطبيق.
التوجيه غير المباشر: يقدم الموجهون في تاكومي إطارا عاما من خلال إرشاد الطلاب عن بعد، مع منحهم عمدا حرية ارتكاب الأخطاء وتجربة والخطأ بأنفسهم، قبل التفكير فيها وتصحيحها معا. كما يتعلم الطلاب كيفية بناء أفكارهم وإطلاقها باستخدام أدوات مجانية ومتاحة بين أيديهم حاليا، بدلا من انتظار التمويل الخارجي أو الاستثمارات للبدء.
بناء الفرد وليس المشروع: غالبا ما تركز حاضنات الأعمال التقليدية على الفرق المؤسسة بالفعل، والتي توفر إثباتا مبدئيا للجدوى وعوائد مالية سريعة مع إغفال عامل بناء الإنسان، بحسب البكري. في المقابل، تركز تاكومي على تعليم مهارة بناء منتج حقيقي يحل مشكلات فعلية للعملاء ويدر إيرادات مباشرة من المستخدمين، بدلا من مجرد الركض وراء شركات رأس المال المغامر.
"الذكاء الاصطناعي يسهل عملية البناء، لكنه لا يمتلك القدرة على التقييم وإصدار الأحكام"، بحسب البكري الذي أضاف: "لا يمكن [للذكاء الاصطناعي] أن يحل محل المحادثات الصريحة مع العملاء، ولا يمكنه تحديد ما إذا كانت مشكلة ما حقيقية، كما يعجز عن تحمل مسؤولية ما يجب اتخاذه من خطوات عندما تتعارض الأدلة مع الافتراضات".
تستهدف تاكومي بالأساس طلاب المدارس الإعدادية والثانوية (أقل من 18 عاما)، وهي الفئات التي غالبا ما يتجاهلها المجتمع باعتبارهم أطفالا، بحسب البكري، ورغم أن برامج تاكومي تجذب أفرادا تصل أعمارهم إلى 45 عاما، يظل الهدف الأساسي والتركيز منصبا على الشباب دون سن 22 عاما.

ماذا تقدم تاكومي؟
تقدم المنصة مسار تعلم منظم ومرن للطلاب يشمل برنامج بيلداثون يعقد كل يوم جمعة، وهو برنامج مجاني ومستمر متاح للشباب في جميع أنحاء العالم العربي، سواء عبر الإنترنت أو حضوريا. ويهدف البرنامج إلى كسر حاجز الخوف، ودفع الطلاب لبناء أفكارهم وإطلاقها مباشرة للجمهور فورا. كما توفر المنصة معسكرات مكثفة لمدة 3 أيام يتعلم فيها الطلاب كيفية اكتشاف المشكلات، والتحقق مما إذا كانت أفكارهم تلبي احتياجات السوق. وفي حال رغب الطلاب في الاستمرار بعد المعسكر، فإنهم يلتحقون ببرنامج مدته 6 أسابيع يركز على تحسين منتجهم النهائي وجذب مستخدمين حقيقيين لاختبار خدماتهم.
تقدم تاكومي تجربة تفاعلية بالكامل تركز على النتائج وتدعمها شبكة من الموجهين المحليين والدوليين، مثل سام مارشنت، المستثمر ورائد الأعمال ومشارك رأس المال في 21 فينتشرز ومقرها دبي.
في عصر السرعة: لم يعد النموذج القديم لتكنولوجيا التعليم القائم على محاضرات فيديو مسجلة ومطولة فعالا مع الجيل الجديد، الذي يتسم بقصر مدى الانتباه ويحتاج إلى تعلم موجز وتجريبي يعتمد على التلعيب، بحسب البكري. وقد نجحت تاكومي في تطبيق هذا النموذج التفاعلي سواء مع طلاب المدارس الدولية أو الحكومية.
البناء على الشراكات
الشراكة مع ريبلت: خلال بحثه عن أداة برمجة قوية وسهلة الاستخدام، تعاون البكري مع شركة ريبلت ومقرها الولايات المتحدة. ونظرا لحرص مؤسس ريبلت الأردني على تمكين الشباب العربي، وافقت الشركة على تقديم أرصدة مجانية لطلاب تاكومي لبناء واستضافة مشاريعهم على الويب مجانا. وبالإضافة إلى ذلك، يعمل البكري بشكل شخصي ممثلا لشركة ريبلت في العالم العربي.
كما تعاونت المنصة مع جروث لابز المحلية المطورة للبرمجيات المخصصة للشركات الناشئة، ما ساعدها على الوصول إلى بنية تحتية تكنولوجية متكاملة لإدارة وتتبع وتسريع أفكار الطلاب وطلباتهم وجلساتهم. ووفر الوصول إلى هذه المنظومة المتكاملة ملايين الجنيهات التي كانت تاكومي ستضطر لإنفاقها لبناء نظام إدارة خاص بها من الصفر، هذا إلى جانب التعاون مع جهات مثل جامعة النيل وكارير 180 وأي سبارك وستارت هاب إيجيبت وغيرها، بحسب ما قال.
تحديات التمويل والنمو
تعمل تاكومي كشركة ممولة ذاتيا بالكامل، ففي ظل غياب رأس المال الخارجي، حافظ البكري على خفض النفقات إلى الحد الأدنى من خلال العمل مع متدربين شغوفين بالتعلم، أو توظيف مستقلين بدلا من تعيين موظفين دائمين بدوام كامل، وتغطية تكاليف التشغيل مباشرة من الإيرادات.
قيود تكنولوجيا التعليم الهيكلية: تفتقر بيئة الشركات الناشئة الحالية في مصر إلى الدعم المتكامل لربط شركات تكنولوجيا التعليم المبتكرة بالمدارس والوزارات. كما أن قطاع تكنولوجيا التعليم يتسم ببطء تحقيق الأرباح والعوائد مقارنة بالتكنولوجيا المالية، فغالبا ما تتطلب سنوات من البناء المستمر قبل أن تدر عوائد كبيرة، حسبما أضاف.
كما يتمثل أحد التحديات الرئيسية في افتقار الموظفين الإداريين في المدارس الدولية إلى الاحترافية والوعي بقيمة ريادة الأعمال، بحسب البكري، الذي أكد أنه رغم تلك العقبات الإدارية، تعاونت تاكومي بنجاح مع مدرستين دوليتين، أبرزهما كور ويست في الشيخ زايد، حيث أقاموا ورشة عمل ساعدت الطلاب على تصور أفكار تجارية وتطويرها وعرضها بنجاح.
المستقبل في ظل الذكاء الاصطناعي
سيعيد الذكاء الاصطناعي تعريف عملية التعليم بالكامل، ما يمثل نهاية النموذج التقليدي للدورات والواجبات والامتحانات الموحدة لصالح مهارات مخصصة للغاية وتلبي الاحتياجات المحددة، حسبما رأى البكري، مؤكدا أن الأولوية القصوى اليوم يجب أن تنصب على تدريب الطلاب على التفكير النقدي والتحليلي وحل المشكلات بطرق إبداعية حتى يكونوا مؤهلين لتوجيه الآلات المتاحة لهم والتحكم فيها.
وعن أهداف المستقبل، يطمح البكري إلى أن تصبح تاكومي المنصة الرائدة في مصر والشرق الأوسط لتقديم مهارات ريادة الأعمال المتكاملة مع الذكاء الاصطناعي والمدرة للدخل، إلى جانب توسيع نطاق خدماتها عالميا للوصول إلى الشباب العربي والمجتمعات المغتربة في أوروبا وغيرها.
كما يسعى كذلك إلى الاستفادة من شبكة من سفراء المنصة لتنسيق الفعاليات الحضورية في الأسواق العربية المستهدفة مثل الإمارات، ما يسمح لتاكومي بالتوسع الفعلي دون تكبد النفقات العامة الباهظة لتأسيس مكاتب رسمية في كل دولة، إذ يظل نظامها الأساسي بالكامل عبر الإنترنت.