Posted inعلى الساحة

الحملة الأخيرة لحل أزمة احتيالات خطوط المحمول تكشف مخاطر أكبر بشأن الهويات الرقمية

📲 لم يعد رقم هاتفك المحمول مجرد وسيلة للتواصل، ففي ظل تقدم مساعي التحول الرقمي في مصر، أصبح رقم هاتفك مرتبطا بحسابك المصرفي ومحفظتك الإلكترونية، والخدمات الحكومية وغيرها من مكونات هويتك الرقمية. فماذا يحدث إذن عندما تسجل شريحة اتصال لا تخصك باسمك وببطاقة رقمك القومي؟

تحول هذا السؤال من مجرد مخاوف مفترضة تتعلق بالخصوصية إلى مأزق تنظيمي حقيقي، وذلك بعد تواتر تقارير عن اكتشاف عدد من المواطنين المصريين لخطوط هواتف محمولة مسجلة بأسمائهم دون علمهم، من بينها واقعة ارتبط فيها رقم هاتف مسجل باسم طالب مصري بقضية اتجار في المخدرات.

أسفرت تلك الأزمة عن تداعيات سريعة، إذ أحال الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات شركات المحمول الأربع في مصر إلى النيابة العامة، وأمر باتخاذ تدابير جديدة للتحقق من الهويات، إلى جانب تنفيذ عملية مراجعة شاملة للشرائح المسجلة حاليا. كما أن هناك خططا لاستخدام آليات التحقق البيومتري ضمن عمليات التسجيل. ونستعرض فيما يلي تفاصيل الأزمة، وما تعنيه لشريحة هاتفك (ولهويتك الرقمية في نهاية المطاف).

كيف وصلنا إلى هنا؟

تمتلك مصر منذ سنوات قواعد لحماية البيانات الشخصية وتنظيم تسجيل واستخدام خطوط المحمول، تتضمن اشتراطات لتحديد هوية المشتركين تهدف إلى ربط الشريحة بمستخدمها الفعلي. ويبدو أن المشكلة تكمن في التطبيق العملي لتلك القواعد، إذ أفادت تقارير بشأن التسجيلات غير المصرح بها بأن آلاف العملاء اكتشفوا وجود خطوط محمول مرتبطة بأرقامهم القومية، رغم أنهم لم يطلبوا تلك الخطوط أو يمتلكوها بتاتا. وركزت التحقيقات التي أجراها الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات عقب الأزمة على المخالفات المتعلقة بتسجيل وتفعيل الخطوط باستخدام البيانات الشخصية للعملاء دون علمهم أو موافقتهم.

وبحسب ما ورد في القضية التي فجرت تلك الأزمة، سمح عمرو عمارة، وهو طالب بقسم نظم المعلومات من محافظة الشرقية، لأحد معارفه باستخدام بطاقة رقمه القومي لتسجيل خطوط محمول. آل أحد هذه الخطوط لاحقا إلى طرف ثالث، واستخدم في عملية اتجار بالمخدرات، ليصدر حكم غيابي بالسجن لمدة 25 عاما ضد عمارة بتهمة الاتجار في المخدرات، بعد أن أصبح رقم الهاتف المسجل باسمه جزءا من القضية. وسرعان ما انتشرت هذه الواقعة عبر منصات التواصل الاجتماعي والبرامج الحوارية المصرية، مما دفع الكثيرين للتحقق مما إذا كانت هناك أرقام لا تخصهم مرتبطة ببطاقات أرقامهم القومية.

لكن هناك فارقا مهما هنا، فوجود خط محمول مسجل باسمك دون تفويض منك لا يجعلك تلقائيا مسؤولا عن الجرائم المرتكبة باستخدام هذا الخط. ولهذا الفارق أهمية كبرى، لأنه يجعل السؤال المحوري ليس حول احتمالية سجنك لأن شخصا ما سجل شريحة باسمك، وإنما حول ماهية الأرقام المسجلة باسمك فعليا، وماذا يجب عليك أن تفعل إذا وجدت بينها رقما لا يخصك.

ما يمكن للمواطنين فعله واستجابة جهاز تنظيم الاتصالات

تبدأ الإجابة بتطبيق ماي نترا التابع للجهاز القومي لتنظيم الاتصالات وخدمة "أرقامي" المتاحة عليه، والتي تتيح للمستخدمين التحقق من خطوط المحمول المسجلة بأرقامهم القومية. كما أكد الجهاز أن من حق المستخدمين زيارة أي من فروع شركات المحمول، وتقديم بطاقة الرقم القومي، وطلب قائمة بأرقام الخطوط المسجلة بأسمائهم. وإن كان بينها رقم غير مألوف، يمكن للعميل التوجه إلى شركة المحمول المعنية وتوقيع نموذج "عدم حيازة" لإيقاف الخط، إلى جانب تقديم شكوى إلى الجهاز ومباحث الإنترنت. وإذا رفضت شركة المحمول تقديم المعلومات أو تنفيذ الطلب، يمكن التواصل مع الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات عبر قنوات شكاوى المستهلكين، بما في ذلك الخط الساخن 155.

ولم يقتصر تحرك الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات على الشكاوى الفردية، إذ صعَد الأزمة وشن حملة واسعة النطاق على مستوى القطاع، ووصل الأمر إلى إحالة شركات فودافون مصر وأورنج مصر وإي آند ووي إلى النيابة العامة، بشأن المخالفات المتعلقة بتسجيل شرائح بأسماء العملاء دون علمهم. كما حذر الجهاز من أن الشركات التي يثبت انتهاكها لقواعد التسجيل والتفعيل قد تواجه المزيد من الإجراءات القانونية والإدارية.

وأمر الجهاز أيضا بتطبيق تدابير تستهدف إحكام عملية التحقق من الخطوط الحالية ومنع تكرار مثل هذه التسجيلات مستقبلا، ليدفع شركات المحمول الأربع في مصر إلى بدء حملة تحقق شاملة على مستوى البلاد، تستهدف نحو 19 مليون شريحة في مرحلتها الأولى، علما بأن السوق تضم إجمالا نحو 127 مليون خط محمول مسجل.

الحل المقترح

تتمثل الخطوة التالية في التحقق من الهوية عبر بصمة الوجه أو الإصبع. إذ يسعى الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات إلى تسريع وتيرة تطبيق آلية التحقق البيومتري من الهوية عبر تطبيقات شركات المحمول، بهدف تعزيز الصلة بين خط المحمول ومالكه الفعلي. فبدلا من الاعتماد بالأساس على الرقم القومي أو المستندات الورقية، ستستخدم آلية التحقق البيومتري تقنيات التعرف على الوجوه أو بصمة الإصبع لتأكيد الهوية، مما سيجعل تسجيل الخطوط باستخدام بيانات شخص آخر أمرا بالغ الصعوبة. غير أن هذا الحل لا يغطي كافة الثغرات المحتملة.

فكما أشار عدد من المدافعين عن الحقوق الرقمية، لا يضمن التحقق من هوية الشخص عند تسجيل الخط بالضرورة هوية مستخدم الشريحة الفعلي بعد التسجيل. فمن الممكن أن يسجل شخص ما خطا بطريقة شرعية ثم يسلمه لشخص آخر، مما يعني أن الفحص البيومتري الأولي لن يمنع بالضرورة إساءة الاستخدام بعد التسجيل.

كما تطرح هذه الخطوة سؤالا أهم يتعلق بالخصوصية، فالبيانات البيومترية تختلف اختلافا جذريا عن رقم الهاتف أو كلمة المرور، إذ يمكن تغيير تلك البيانات الأخيرة في حال تسربها، لكن لا يمكنك تغيير وجهك أو بصمات أصابعك. لذا، أبدى خبراء الحقوق الرقمية مخاوفهم بشأن كيفية جمع المعلومات البيومترية وتخزينها وحمايتها والاحتفاظ بها والوصول إليها مع توسع هذا النظام.

الصورة الأشمل

لا تقتصر تلك الحملة لمكافحة جرائم الاحتيال المتعلقة بشرائح الاتصال على خطوط المحمول فحسب، فمع تزايد ارتباط الخدمات بأرقام المحمول، أصبحت الشريحة بوابة أخرى إلى الحياة الرقمية للمواطنين. وربما يتمثل التحدي القادم أمام البلاد في الموازنة بين عملية التحقق من الهوية وبين حماية المعلومات المستخدمة في تلك العملية.

أما بالنسبة للمستهلكين، فإن الدرس المستفاد يبدو أبسط بكثير: تحقق من الأرقام المسجلة ببطاقة رقمك القومي، وأبلغ عن أي أرقام لا تخص ولا تفترض أبدا أن أيا من خطوطك القديمة أو التي لم تعد تستخدمها قد اختفى ببساطة. ففي عام 2026، باتت معرفة ما يرتبط ببطاقة رقمك القومي من أساسيات الأمان الرقمي.