نما سوق السيارات المصري بنسبة 3.3% على أساس شهري في يونيو الماضي، لكن مبيعات سيارات الركوب (الملاكي) لم تشهد تغيرا تقريبا، لتستحوذ الحافلات على الجانب الأكبر من هذا النمو، وفق تقرير (بي دي إف) مجلس معلومات سوق السيارات (أميك) لشهر يونيو. وسجلت مبيعات سيارات الركوب، التي لا تزال تشكل 71% من إجمالي المبيعات، ارتفاعا هامشيا بلغ 0.7% على أساس شهري لتصل إلى 12369 سيارة، بينما انخفضت مبيعات الشاحنات بنسبة 0.5% لتسجل 3051 شاحنة. وعلى أساس سنوي، ارتفع إجمالي المبيعات بنسبة 6.4%، إذ تضاعفت مبيعات الحافلات بأكثر من مرتين (+105.7%)، وصعدت مبيعات الشاحنات بنسبة 10.6%، رغم تراجع مبيعات سيارات الركوب بنسبة 2.3% مقارنة بالعام الماضي، وهو تراجع لم يشر إليه تقرير أميك.
لكن، هذا التراجع لا يمثل جرس إنذار، بحسب مسؤولين مطلعين في السوق. إذ قال رئيس رابطة تجار السيارات أسامة أبو المجد لإنتربرايز إنه لا يوجد شيء اسمه "ذروة أو سقف للمشترين"، مضيفا أن "تراجع المبيعات بنسبة 2% يمثل أرقاما صغيرة جدا، نظرا لأن إجمالي المبيعات في السوق صغير بطبيعته، وبالتالي لا تعبر هذه الفروقات عن تغير جوهري". وأشار أبو المجد أيضا إلى فجوة حقيقية في بيانات أميك تتمثل في استبعاد عدة علامات تجارية كبرى في مصر، بما في ذلك جميع السيارات الألمانية. وأضاف: "إذا نظرت إلى أرقام التراخيص الفعلية الصادرة عن إدارة المرور، ستجد أنها متقاربة للغاية، والتغير بنسبة 1% إلى 3% يمثل فارقا لا يتعدى مئات السيارات فقط في الشهر، وهو تغير لا يذكر".
أداء قطاع الحافلات
برزت فئات الحافلات السياحية بشكل لافت؛ إذ قفزت مبيعات الميكروباص السياحي من 120 وحدة إلى 296 وحدة على أساس شهري (+147%)، وارتفعت مبيعات الحافلات السياحية الكبيرة من 44 إلى 73 وحدة (+66%)، كما ظهرت فئة حافلات النقل الكبيرة للمدن (ماكسي سيتي)، التي غابت عن بيانات شهر مايو، مسجلة 30 وحدة في يونيو.
وبينما بدت مبيعات سيارات الركوب مستقرة ظاهريا، إلا أن مزيجها الأساسي استمر في التغير. فارتفعت حصة السيارات ذات سعة المحرك 1.5-1.6 لتر لتشكل 52% من إجمالي سيارات الركوب، مقارنة بنحو 48% في مايو الماضي و45% في مايو 2025. في حين تراجعت مبيعات السيارات الرياضية متعددة الاستخدامات (إس يو في) التي تتجاوز سعة محركها 2.0 لتر بنسبة 42% على أساس شهري (من 353 إلى 205 وحدات) — وهو تراجع قد يعكس صغر حجم هذه الشريحة أساسا وليس تحولا مستمرا في الطلب.
في الوقت نفسه، استقرت مبيعات السيارات الكهربائية، على الأقل وفقا لبيانات أميك، التي سجلت 352 وحدة في مايو، بينما سجلت 351 وحدة في يونيو، ورغم ذلك تظل المقارنة السنوية تشير إلى قفزة هائلة بنسبة 3410% مقارنة بشهر يونيو 2025 الذي شهد بيع 10 وحدات فقط. ويأتي هذا الاستقرار الشهري النسبي في الوقت الذي يواصل فيه مصنعو ووكلاء السيارات التأكيد على الزخم الذي يشهده سوق السيارات الكهربائية، رغم أن الأرقام التي يقدمها أعضاء أميك لا توفر تفاصيل للمبيعات بحسب العلامة التجارية. وكان الرئيس التنفيذي لمجموعة منصور للسيارات أنكوش أرورا قد صرح لإنتربرايز في فبراير الماضي بأن علامة "إي إم موتورز" — وهي علامة تجارية للسيارات الكهربائية بالكامل كشفت المنصور النقاب عنها مؤخرا — تبيع ما بين 50 إلى 60 سيارة شهريا في الفئة الفاخرة وحدها، بالتزامن مع الإطلاق التجريبي لسيارات "بي واي دي". وأعرب نائب الرئيس التنفيذي لشركة أبو غالي موتورز تامر قطب عن توقعات مماثلة، مرجحا أن تستحوذ السيارات الكهربائية الممتدة المدى على 50-60% من إجمالي مبيعات السيارات الجديدة خلال عام 2026.
الوكلاء يرفضون مقترح فرض رسوم جمركية على السيارات الكهربائية
أكد أبو المجد رفضه فرض رسوم جمركية مقترحة بنسبة 5% على السيارات الكهربائية المستوردة بهدف حماية التجميع المحلي. وقال: "هذه النسبة المقترحة لن تخلق ميزة تنافسية حقيقية لجانب التصنيع المحلي، ولن تؤدي إلا إلى زيادة الأعباء المادية على المستهلك النهائي وتعطيل حركة السوق". وأضاف أن "حماية وتشجيع التصنيع لا يأتيان بفرض رسوم جمركية إضافية على السيارات المستوردة المنافسة، بل بالتدخل المباشر في قلب العملية الصناعية لتقليل تكلفة الإنتاج للمصنع نفسه". وأشار إلى أن مبيعات السيارات الكهربائية لا تزال ضئيلة، وأن السوق لا يزال يستكشفها، ما يتطلب التأني والدراسة والتشاور مع الجهات الفاعلة في القطاع. وشدد أبو المجد على أن "المطلوب هو تحديد مناطق الاختناق والتعطل في دورة الإنتاج وتقديم الدعم المباشر لها، بدلا من تحميل المستهلك أعباء إضافية".
وكان علاء السبع، نائب رئيس شعبة السيارات، أكثر صراحة حين قال: "زيادة 100 ألف جنيه على سيارة مستوردة ثمنها مليوني جنيه لن تُغري المصنّع المحلي بالتوسع.. المصنّع نفسه غير راض أو مقتنع بهذه النسبة".
وحول أسباب تفضيل الوكلاء للاستيراد على التجميع المحلي، أشار أبو المجد إلى سرعة دوران رأس المال، قائلا إن "المستورد أو الوكيل يستطيع تحقيق هامش ربح معقول والبيع سريعا لتدوير رأس المال في حدود 3 أشهر، بينما تستغرق دورة التجميع المحلي نحو 5 أشهر"، ويتفاقم ذلك نتيجة السوق المجزأة بشدة، مبينا أن "توزيع 200 ألف سيارة على 50 إلى 60 علامة تجارية" يجعل حجم إنتاج أي طراز مفرد صغيرا جدا، بما لا يسمح بتحقيق وفورات الحجم لتخفيض التكلفة. واستشهد كل من أبو المجد والسبع بالنموذج المغربي كخارطة طريق ينبغي اتباعها؛ إذ تصنع المغرب 700 ألف سيارة في حين يبلغ الاستهلاك المحلي 50 ألف سيارة فقط. وللوصول إلى هذا المستوى، يرى أبو المجد أن "التضحية يجب أن تبدأ من جانب الحكومة، عبر تقديم حوافز استثنائية وتسهيلات حقيقية في أسعار الطاقة، والضرائب، والأراضي، والرواتب، والإجراءات لتخفيض تكلفة الإنتاج". وأكد أن "المستثمر الأجنبي يبحث عن تقليل مخاطره وتحقيق الربحية ولن يجامل الدولة على حساب استثماراته".
أين وصلت جهود التوطين؟
لا يزال أمام خطط التوطين شوط طويل لتقطعه بالنسبة لسيارات الركوب. وبالاستناد إلى التغير في بيانات أميك لمنشأ السيارات منذ بداية العام وحتى شهري مايو ويونيو، تألفت مبيعات سيارات الركوب في يونيو من نحو 5600 سيارة مجمعة محليا، ونحو 6800 سيارة مستوردة تامة الصنع. وهو ما أبقى السيارات المستوردة تامة الصنع في الصدارة بفارق نحو 1300 سيارة خلال شهر يونيو ومنذ بداية العام. في المقابل، أظهرت المركبات التجارية تركيبة مبيعات أكثر اعتمادا على التوطين؛ إذ تشير الأرقام المستخلصة لشهر يونيو إلى أن نسبة التجميع المحلي للشاحنات بلغت نحو 90% ونحو 74% للحافلات، مقارنة بنحو 45% لسيارات الركوب. ويشير ذلك إلى أن التجميع المحلي أكثر رسوخا في فئة المركبات التجارية، رغم أن تركيبة المبيعات وحدها لا تكفي لقياس القيمة المضافة المحلية أو القدرة التصنيعية.
تذكر- وضعت شركة المنصور للسيارات حجر الأساس لمصنع سيارات "إم جي" باستثمارات تبلغ 150 مليون دولار في مدينة السادس من أكتوبر في نوفمبر 2025، ومن المتوقع أن يبدأ الإنتاج في الربع الثالث من عام 2026. وصُمم المصنع بطاقة إنتاجية سنوية تبلغ 50 ألف سيارة في مرحلته الأولى. وسينتج مبدئيا سيارة "إم جي 5" السيدان، مع خطط لإنتاج سيارات الدفع الرباعي والسيارات الكهربائية في وقت لاحق. وفي حال تسارعت وتيرة العمل وفق الخطط، فقد تسهم المنشأة في زيادة إنتاج سيارات الركوب المجمعة محليا بصورة ملحوظة، رغم أن تأثير ذلك على حصص السيارات المجمعة محليا والمستوردة سيعتمد على مزيج الإنتاج ومعدلات التشغيل وحصة المبيعات المحلية.
اضطرابات البحر الأحمر تضغط بالفعل على سلاسل الإمداد
قال أبو المجد والسبع إن الضغوط على حركة الشحن من شرق آسيا قد تمثل الخطر الأكبر على المدى القريب لسوق السيارات في الربع الأخير من 2026. وأضاف أبو المجد: "هناك ضغط وتحديات شديدة على كل الشحنات القادمة من الصين والهند واليابان وكوريا وتايوان. التوترات الملاحية تؤثر مباشرة لأن خط سير السفن يعتمد على شحنات مشتركة متجهة لمصر ودول الخليج". وأشار إلى أن الخطوط الملاحية تستجيب لذلك بفرض زيادات كبيرة في أسعار الشحن، أو تضطر للانتظار لتجميع شحنات إضافية، أو تتجنب المرور من باب المندب بالكامل وتلتف حول طريق رأس الرجاء الصالح — وهو تحويل للمسار قد يؤدي في بعض الحالات إلى مضاعفة زمن الرحلة. وأوضح: "عندما تتضاعف مدة الرحلة، تنخفض دورة عمل السفينة من 4 دورات سنويا إلى دورتين فقط، مما يرفع تكلفة الشحن والتمويل والتأمين لمستوى مضاعف ويخلق نقصا شديدا في المعروض بالسوق المحلية".
ووصف السبع القطاع بأنه "بالكاد يتدبر أموره" نتيجة لذلك. ودعا كلا المسؤولين إلى تقديم دعم حكومي موجه لمعالجة اختناقات سلاسل الإمداد وتشجيع الصناعات المغذية، بدلا من الحلول المقتصرة على مصانع بعينها.