🛍️ أنت لا تتوهم، حزمة رقائق البطاطس التي تشتريها اليوم قد تحتوي بالفعل على كمية أقل مما كانت عليه قبل ثلاثة أشهر، رغم أن سعرها لم يتغير تقريبا. هذا ما يعرف بالانكماش الخفي أي تقاضي نفس السعر أو سعر أعلى مقابل الحصول على كمية أقل. يصف المصطلح المكون من كلمتي انكماش وتضخم ما يحدث عندما تقلل شركة من حجم أو وزن أو كمية منتج معين دون خفض مماثل في السعر. لذا، يبدو السعر ثابتا لكن المنتج يتغير، ما يحمل في جوهره تضخما مستترا.
لماذا تلجأ الشركات لهذا الأسلوب؟
عندما ترتفع تكاليف الإنتاج، مثل المواد الخام أو الطاقة أو التغليف أو أجور العمالة، تجد الشركات نفسها أمام مفترق طرق: إما رفع الأسعار والمخاطرة بفقدان العملاء أو الاكتفاء بخفض كمية المنتج داخل عبوته والرهان على عدم انتباه المستهلكين، وهو الخيار الأكثر شيوعا وغالبا ما يثبت افتراض أن المستهلكين لن يلاحظوه.
أظهرت الأبحاث السبب وراء نجاح هذه الحيلة، إذ لا يتقبل المستهلكون الزيادات الصريحة في الأسعار مقارنة بتقليل حجم العبوات. كما أن رفع السعر من 100 إلى 150 جنيها أمر يمكن ملاحظته بسهولة، أما تقليص وزن العبوة من 80 جراما إلى 67 جراما فليس من السهل ملاحظته. وتكمن المعادلة في اقتصاديات وحدة المنتج المتمثلة في التكلفة لكل جرام أو أونصة أو حصة أو دقيقة. وبالنسبة للشركات، تنخفض تكاليف الإنتاج بينما يدفع المستهلك دون أن يلاحظ سعرا أعلى مقابل القيمة الفعلية.
ظاهرة خفية وتأثير محدود
رغم شيوع ظاهرة الانكماش الخفي، فإن تأثيرها على الاقتصاد الكلي ليس كبيرا بالقدر المتخيل، إذ ساهم تقليص أحجام المنتجات بأقل من عشر نقطة مئوية في إجمالي الزيادة البالغة 34.5% في أسعار المستهلكين بالولايات المتحدة خلال الفترة من 2019 إلى 2024. ومع ذلك، في فئات المنتجات الأكثر تأثرا بتقليص الأحجام، تراوحت مساهمة تغيير الحجم في التضخم بين 1.6% و3% للعديد من السلع الاستهلاكية سريعة التداول، وفقا لبيانات مكتب إحصاءات العمل الأمريكي.
قد لا تظهر بيانات التضخم العالمي أثرا كبيرا للانكماش الخفي، لكن المستهلكين يلاحظونه عند شراء السلع اليومية التي تنفد أسرع من المعتاد. وهذا الأثر يتراكم مع الوقت، إذ أظهر مسح إحصائي أجري بالولايات المتحدة في عام 2025، أن 56% من المتسوقين الأمريكيين أفادوا بأن السلع اليومية انخفضت كميتها دون خفض مماثل في الأسعار.
ولا يقتصر الانكماش الخفي على السلع الاستهلاكية سريعة التداول، النهج نفسه — المتمثل في حماية الشركات لهوامش أرباحها عبر تقليص ما تقدمه — يمكن ملاحظته في فئات منتجات أخرى، إذ كشف العديد من العملاء الدائمين لمطاعم ماكدونالدز مؤخرا عن تقليص حجم بعض الوجبات. وفي قطاع التكنولوجيا، واجهت بعض أجهزة جوجل لعام 2026 انتقادات حادة لطرحها ذاكرة وصول عشوائي أقل من الأجيال السابقة، ما يعتبر نتيجة واضحة لأزمة أسعار الذاكرة العالمية. وجوجل ليست وحدها، إذ تمتد هذه الممارسة إلى قطاع التكنولوجيا بأكمله، فيما يعرف بعصر الانكماش الخفي التقني.
الانكماش الخفي في مصر
ربما صادفت هذا الأسبوع منشورا على وسائل التواصل الاجتماعي لعميل غاضب بسبب أن علبة برينجلز ليست ممتلئة حتى نهايتها، أو أن عبوة السمن ناقصة أو لأن عبوة كورن فليكس العائلية باتت تكفي فردا أو فردين فقط. هذه الحالة قائمة منذ فترة طويلة، إذ جرى تحرير سعر صرف الجنيه المصري في نوفمبر 2016 وارتفعت التكاليف المقومة بالدولار بشكل مفاجئ. وفي هذه الحالة كان الانكماش الخفي الخيار الأكثر منطقية للمصنعين، حتى أن بعض الشركات اعترفت بذلك. ففي مايو 2017، صرح مدير منتجات أول في شركة إيديتا لوسائل إعلام محلية أن شركات صناعة الأطعمة الخفيفة فضلت تقليل حجم العديد من المنتجات بدلا من رفع الأسعار مجددا.
كان هذا التصرف هو الأنسب في ذلك الوقت، إذ لم يكن المستهلكون قادرين على تحمل التغيير الفعلي في الأسعار ومواجهة التغيرات الاقتصادية. وأعقب ذلك عدة تخفيضات في قيمة العملة، لتتجدد المعضلة ذاتها وتستمر الشركات في تقليص حجم المنتجات. وأظهرت تقارير عام 2019 أنه منذ الخفض الأول للعملة، انخفض وزن الزبادي والمقرمشات والمسليات بمقدار 2 إلى 4 جرامات في المتوسط مع الحفاظ على ثبات الأسعار، وفي بعض الحالات ارتفع الاستهلاك بينما فضل مستهلكون آخرون التوقف عن الشراء تماما، وفقا لمنصة بيزنس فورورد التابعة لكلية إدارة الأعمال بالجامعة الأمريكية بالقاهرة.
بخلاف المستهلكين في دول أخرى، يتأثر المستهلك المصري بظاهرة الانكماش الخفي بشكل يومي، إذ يلاحظ المصريون تقليص أحجام العبوات، لكنهم لا يتخذون بالضرورة رد فعل رافضا فوريا، كما يتأثر الولاء للعلامة التجارية بمجرد ملاحظة هذا التقليص، بحسب دراسة تتبعت زيت الطهي كريستال عام 2018، وكان مفادها تقبل المصريين لتقليص الحجم، وليس عدم إفصاح الشركات عنه.
هل يحسب الانكماش الخفي ضمن أرقام التضخم في مصر؟ الإجابة المختصرة: لا، إذ يتبع مؤشر أسعار المستهلكين في مصر، الذي يقيسه الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، التغيرات في الأسعار التي يدفعها المستهلكون لسلة ثابتة من السلع والخدمات تحدد بالعبوة وليس بوزن الوحدة، مما يعني أن العبوة الأصغر بنفس السعر تسجل كتضخم صفري حتى لو كان المستهلك يحصل على كمية أقل مقابل نفس المبلغ. وهذا يعني أن تتبع التكلفة الحقيقية للمعيشة أصعب مما توحي به الأرقام الرسمية.