🗣️ هل سمعتم من قبل عن الديستوبيا كأداة للتسويق؟ استضاف ستيفن بارتليت مقدم بودكاست Diary of a CEO مؤخرا، نائب الرئيس الأمريكي الحالي جيه دي فانس للحديث عن نشأته وكواليس العمل في البيت الأبيض وكذلك الحرب الإيرانية والذكاء الاصطناعي.
وعند سؤاله عن مخاوفه بشأن سيطرة الذكاء الاصطناعي كانت الإجابة مثيرة للاهتمام، إذ أكد فانس وجود حافز معين لدى شركات الذكاء الاصطناعي يدفعها لربط منتجاتها بالتصور الديستوبي للعالم، إذ يعد ذلك شكل من أشكال التسويق الفعال، فعندما يخشى الأفراد منتجك، يعني ذلك أنك على الطريق الصحيح. ربما قصد فانس هنا الذكاء الاصطناعي فحسب، بيد أنه وصف واحدة من أقدم أدوات التسويق وأكثر قتامة ألا وهي علاوة الخوف.
الخوف أكبر محفز
لطالما اعتمد التسويق على العاطفة.. الفرح، الطموح، الانتماء، والحنين إلى الماضي. أسست هذه الصناعة نفسها على علم توجيه مشاعر الأفراد لاتخاذ قرارات الشراء. والمصطلح الأكاديمي لذلك هو "التسويق العاطفي" أي الاستخدام المتعمد للمحفزات العاطفية لتشكيل سلوك المستهلك، ويعد الخوف أحد أقوى هذه المحفزات.
رأي العلم: يشعر المرء بألم الخسارة المحتملة بضعف شدة شعوره بمتعة مكسب معادل، حسبما أثبتت دراسة بحثية أجريت عام 1979. فعلى سبيل المثال، ألم فقدان 500 جنيه أشد قسوة بكثير من السعادة التي تشعر بها عند العثور على 500 جنيه. وقد استغل المسوقون هذه المعرفة بأقصى درجة.
توليفة الخوف
ومع ذلك، قد يأتي الخوف بنتائج عكسية في بعض الأحيان، حسبما أشارت باحثة الاتصالات كيم ويت في دراسة أجرتها عام 1992، والتي شرحت فيها أسباب نجاح الخوف أحيانا كأداة تسويقية، وأسباب فشله الذريع في أحيان أخرى. يحدد نموذج ويت استجابتين لرسالة مبنية على الخوف: الأولى هي "سيطرة الخطر"، وهي استجابة يعالج المرء فيها التهديد بعقلانية ويتقبله كأمر واقع ويتخذ الإجراء الموصى به، وهذا هو هدف من يعمل في التسويق.
أما الاستجابة الثانية فهي "سيطرة الخوف"، وتحدث عندما يشعر المرء بالارتباك والضغط أمام التهديد، وبدلا من اتخاذ إجراء، ينعزل عنه عاطفيا فيتجاهل الرسالة ويغض الطرف عن الخطر، وهذا هو كابوس من يعمل في التسويق.
لا يكمن العامل الحاسم بين الاستجابتين في مدى رعب الرسالة، بل ما إذا كانت تقرن الخوف بحل واضح وموثوق وقابل للتحقيق، حسبما أشارت ويت. فإذا أثرت الخوف دون تقديم مخرج، فمن المرجح أن تصيب المستهلك بالشلل بدلا من تحفيزه على الشراء. المعادلة هي ببساطة: "خوفهم الأول، ثم امنحهم الحل".
ما تقوم تتطمن على فلوسك؟ في عام 2014، أطلق البنك الأهلي المصري حملة رائعة بتوقيع عبقري الإعلانات طارق نور، تظهر مصريين عاديين يفقدون أموالهم في سلسلة من الكوارث المنزلية الغريبة منفذة ضمن سيناريوهات ساخرة دون مبالغة، بل كانت منطقية بما يكفي لإثارة الخوف دون إفراط (شاهد، المدة: 0:44 دقيقة). ظلت هذه الحملة الإعلانية جزءا من الثقافة الشعبية لسنوات تالية، وحفرت عبارة "ماتقوم تتطمن على فلوسك" في قاموس اللغة المصرية.
والحل؟ "افتح حساب علشان تبقى متطمن على فلوسك": هكذا طبقت الحملة الإعلانية للبنك نظرية الاحتمالية ونموذج العملية الموازية في أقل من 45 ثانية. كما استخدمت حملة "باندا.. مايتقالهاش لأ" الأيقونية — والتي أصبحت أول إعلان عربي ينتشر عالميا على نطاق واسع — هذه المنهجية أيضا بنجاح، رغم أن احتمالية هجوم باندا عملاق عليك أنت وزملائك في مقر العمل أقل بكثير من فقدان تحويشة العمر بسبب ماسورة مياه مكسورة.
صناعات يحركها الخوف
التسويق بالخوف لم يبدأ مع الذكاء الاصطناعي أو البنوك المصرية، فلطالما اعتمدت شركات التأمين عليه، وكذلك شركات الأمن السيبراني. واستفادت الإعلانات والحملات لهذه الصناعات لفترة طويلة من الخوف من تحطم السيارات أو احتراق المنازل أو السطو الليلي، وتحت وطأة التهديد بالخطر، واصل المستهلكون الشراء. ويعد قطاع الرعاية الصحية من أبرز القطاعات التي تستخدم التسويق بالخوف، إذ تعد صور الرئات المدمرة والأقدام المصابة بالغرغرينا على علب السجائر أوضح مثال (رغم عدم تأثر المدخنين بها بمرور الوقت).
خوف.. ديستوبيا.. ذكاء اصطناعي
أصاب تعليق فانس قلب الحقيقة.. شركات الذكاء الاصطناعي تستفيد حقا من سردية الديستوبيا: في عام 2015، قال الرئيس التنفيذي لشركة أوبن إيه أي سام ألتمان علنا: "الذكاء الاصطناعي ربما ينهي العالم، ولكن حتى يحدث ذلك، ستنشأ شركات عظيمة باستخدام التعلم الآلي الجاد". وفي عام 2019، أعلنت شركته أن نموذجها جي بي تي 2 خطير للغاية بحيث لا يمكن إصداره، ثم أصدرته بعد تسعة أشهر، ليعترف ألتمان لاحقا بأن حالة الذعر كانت مبالغا فيها.
وفي عام 2023، وقع مئات من قادة قطاع التكنولوجيا بيانا يعلنون فيه أن مواجهة خطر انقراض البشرية على يد الذكاء الاصطناعي "يجب أن يكون أولوية عالمية إلى جانب الأوبئة والحروب النووية"، وهو ما يجسد بوضوح حالة التناقض التي يعيشها هؤلاء القادة: فهم هنا كشركة أدوية تطور عقارا جديدا وتحذر العالم من آثاره الجانبية الكارثية التي قد تفتك بالمرضى، لكنها في الوقت ذاته تسابق الزمن لطرحه في الأسواق وجني المليارات من مبيعاته.
هذا النمط ثابت عبر مختبرات الذكاء الاصطناعي الكبرى: تدعي الشركة أنها ابتكرت ذكاء اصطناعيا قويا لدرجة مرعبة — خطير للغاية بحيث لا يمكن إصداره فورا، وربما كارثي إذا وقع في الأيدي الخطأ — ثم، وبعد جذب اهتمام كبير يصورهم كفاعلين مسؤولين في مجال خطير، يسارعون بإطلاقه بشكل طبيعي كأن شيئا لم يكن.
وهنا يختلف تسويق أهوال الذكاء الاصطناعي عن البنك الأهلي: يثير التسويق التقليدي بالخوف التهديد ويقدم المنتج كحل فيشتريه المستهلك ويسعد الجميع. لكن التسويق بالخوف من الذكاء الاصطناعي يثير التهديد، ويضع الشركة ككيان وحيد قادر على إدارته، ويستخدم هذا الوضع لجذب الاستثمارات والتيسيرات التنظيمية وثقة المستهلكين في آن واحد. فالخوف لا يبيع المنتج فحسب، بل يبيع سردية مفادها أن الشركة وجودها حتمي وضروري لمواجهة هذا الخوف.
ما يجعل الذكاء الاصطناعي حالة غير مسبوقة للتسويق بالخوف هو أن استجابتي ويت تحدثان في وقت واحد، عبر شرائح مختلفة من نفس الجمهور، إذ تعيش إحدى المجموعات عمق مرحلة سيطرة الخطر، فقد تقبلوا التهديد كواقع ملح وشخصي — الذكاء الاصطناعي قادم ليحل محل الوظائف ويهدد الكفاءة والميزة التنافسية — وبدأوا في التصرف على هذا الأساس، فالمسؤولون التنفيذيون مضطرون لتبني كل تقنية جديدة، والموظفون يتسابقون لصقل مهاراتهم، كل خائف من التخلف عن الركب.
أما المجموعة الأخرى فقد انزلقت إلى مرحلة سيطرة الخوف، فقد انفصلوا عن الأمر تماما لشعورهم بالإرهاق من تهديد يبدو كبيرا ومجردا وبعيدا للغاية عن مستوى قدراتهم على التصدي له، وبالتالي فإن شعورهم بالخوف هنا لا يصاحبه مخرج عملي، فلا يمكنهم عزل أنفسهم ضد هيمنة الذكاء الاصطناعي، كما يعيق الغموض المتعلق بتبني أدواته قدرتهم على تبنيها، لذا يتجاهلون الرسالة والمنتج والتقنية بشكل عام.
لقد ابتكرت صناعة الذكاء الاصطناعي آلة تسويق بارعة، من خلال التسويق لمنتج واحد يدفع المؤمنين به إلى تبنيه سريعا وفي الوقت ذاته يصيب المشككين فيه بالتبلد، فلا يقاوموه. كلتا الاستجابتان تحققان للشركات بالضبط: تبني الأداة من جهة، والعجز عن مقاومتها من جهة أخرى.